المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


مقابلات

نواف الموسوي الشغوف بالفلسفة.. ليس نائباً لأول مرة


«رأيتَ متسولاً يجلس على قارعة الطريق. صف شعورك نحوه في مقدمة وجسم موضوع وخاتمة، في نحو عشرة أسطر».
التلميذ في المتوسط الثاني في الغبيري نواف الموسوي تخطى وقت الحصة المخصص للكتابة في موضوع الإنشاء أعلاه. حين رآه استاذ اللغة العربية منكبّاً على دفتره بعدما رن جرس الفرصة، طلب منه المتابعة حتى الانتهاء.


نص نوّاف أقنع أستاذ اللغة العربية بعلامة 17 من عشرين. أساتذة اللغة العربية، إجمالاً، هم الأبخل في منح العلامات. لا شك في أن التلميذ كان فخوراً بموضوعه. اطلع خاله عليه. قرأ الخال عن أهمية أن تبنى مصانع تفتح أبوابها لعمال منهم هذا المتسول، فيصير عنصرا منتجا في مجتمعه، بدلاً من التصدق عليه بما لا يفيده إلا مؤقتاً. الخال قال لابن شقيقته: لا تكتب هكذا في الامتحانات الرسمية، وإلا أسقطوك إذ سيظنون أنك شيوعي.
لم يكن نواف الموسوي شيوعياً قط. ابن ارزون الجنوبية المولود في العام 1965 في الشياح لعائلة متدينة من السياد، كان متديناً من البداية، مع أن كثراً ممن يشاهدونه متحدثاً في البرامج الحوارية، يعيدون لغته إلى جذور يسارية.

كان فتى متديناً، أسوة برفاق جايلوه وشب معهم في ضاحية احتضنت أبناء النزوح الريفي الجنوبي والبقاعي وغيرهما. كانت بدايات السبعينيات تضج بالأفكار والالتباسات والاحداث الكبيرة: اليسار واليمين والمقاومة الفلسطينية وإسرائيل المعتدية مرة بعد مرة على لبنان من خلال جنوبه.
كانت ثانوية الغبيري، مثلاً، تضج بنقاشات يخوضها التلامذة المتدينون، امثال نواف، مع اليساريين. في الثانوية، في ما يبدو زمناً هائلاً في بعده عن أيام الثانويات الآن، كانت تناقش مفاهيم المادية الجدلية وفائض القيمة. ومع الصعود المدوي للفكر الشيعي كحركة سياسية، وقد عزلت الثورة شاه ايران واعلنت الجمهورية الاسلامية، كان الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين هو الجهة التي سينخرط فيها ابن الخامسة عشرة.
في الاتحاد سينشط سياسياً وسيعمق معرفته بمفهوم الولاية للإمام المنتظر وللولي الفقيه في غياب المهدي، وبكتابي السيد محمد باقر الصدر، فلسفتنا واقتصادنا.


في بيئة كهذه، نشأ نواف الموسوي. بيئة تضم شباناً شيعة في سن متقارب، جمعهم انتماؤهم إلى نزوح واحد اقتصادي وسياسي، يشكلون قلة تتبنى عقيدة دينية سياسية صاعدة، تبتعد عما تذهب إليه حركة أمل، كما لا تجد لها مكاناً بالطبع في الحركة الوطنية. بيئة تضمّ مجهولين مثل زميلَي نواف في الثانوية، علي فياض ونبيل قاووق، إضافة إلى مجهولين آخرين في أماكن أخرى مثل عماد مغنية وحسن نصر الله وغيرهم أسماء كثيرة.

يقع اجتياح العام 1982 ليكون انطلاقة غير رسمية لحزب الله. النائب في كتلة الوفاء والمقاومة، السيد نواف الموسوي، يجلس في مكتبه في مجلس النواب، وخلفه صورة «للقائد» السيد حسن نصر الله، يحكي في العام 2009 عن اجتماع في قاعة كان خلالها الحاج عماد مغنية يوزع مجموعات القتال على المحاور. يقول: «مَن قاتل في العام 1982؟ مَن هم الاثنا عشر شهيداً في كلية العلوم الذين فقد أثرهم؟ كانوا اصدقاء لي. في العمروسية والليلكي؟ في خلدة؟ من استشهد استشهد، وكثير ممن استمرّ، صار من قادة المقاومة الجهاديين».

كما هؤلاء «الجهاديون» ظلوا بلا اسماء حتى الآن، إلا من يستشهد منهم أو يتحول إلى العمل السياسي، انطلق حزب الله، قبل أن يسمّي نفسه. تبنت الثورة الإسلامية في إيران الفتية المجهولين الذين آمنوا بها، وبدأوا يذهبون في مذاهب، فمنهم إلى العمل العسكري المقاوم وآخر إلى السياسة وثالث يتابع تحصيل علومه الدينية في إيران ورابع يتابع دراساته الجامعية التي كان الحزب بحاجة إليها، حاجته إلى بقية الاختصاصات.

كان حزب الله يصنع نفسه، وكانوا يعملون على أنفسهم، وفق ما يتطلب منهم حزبهم ـ عقيدتهم.
لولا ظروف عائلية، لكان الموسوي في عداد أوائل الدفعات الذاهبة إلى الحوزة في قم إيران، مثله مثل رئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين، والشيخ نبيل قاووق، وغيرهما. لم يضع عمامة وليس نادماً. عمل في السياسة، وفي عمل آخر «يأتي وقت للحديث عنه»، إضافة إلى دراسة الهندسة المدنية في جامعة بيروت العربية، خلال مرحلة الرئيس أمين الجميل والملاحقات والاعتقالات لخصوم العهد حينها. انقطع عن دراسة الهندسة ليتجه الى دراسة الفلسفة. وكان الصراع مع حركة أمل.

كان من الصعب على منضوٍ في حركة ناشئة كحزب الله حينها، وفي زمن حرب أهلية، أن يرتّب شؤون حياته وفق ما يريد هو. في الغالب، كان هؤلاء الناس يرتبون حيواتهم وفق المجاري التي تضطرهم مصلحة حزبهم إلى سلوكها. والشاب الذي انخرط في الشأن العام منذ ايام مراهقته، سيجد مساحته الخاصة في الفلسفة. شغف دفعه إلى دراسة اللغتين الفرنسية والانكليزية وإجادتهما، كي لا يكون مضطراً إلى قراءة الترجمات. شغف يبدو دائماً ويكاد يتفوق على علاقته بالسياسة التي أعطته لقب «سعادة النائب»، ولا يحس أنه أضاف إليه. لا يشعر أنه «نائب لأول مرة». فهو في صلب العملية السياسية، مسؤول للعلاقات الخارجية في حزب الله منذ وقت بعيد، وخاض معمودية العملية التشريعية ويتواصل مع الناس. النيابة تضيف واجباً خدماتياً يتحمس له الموسوي. أما المقعد في المجلس، فليس إلا عملاً جهادياً آخر كُلف به «شرعاً وعرفاً وعقلاً»، ولا يرى فيه ما يدعو إلى الاحتفالية على المستوى الشخصي.

احتفاله الهادئ والدائم يقع في مكان آخر: الفلسفة. «تخرجني من اليومي والتافه والعابر، ولو أخليت لنفسي.. لو أنني لست مضطراً للعمل السياسي، لما تفرغت إلا للفلسفة. هو ترجم الجزء الاول من كتاب المستشرق الفرنسي هنري كوربان، «عن الإسلام في ايران (مشاهد روحية وفلسفية، التشيع الاثنا عشري» الصادر عن دار النهار، ويعمل على ترجمة كتاب ثانٍ. وحين يأخذه الحديث إلى الفلسفة والعرفان، يتأهب على كرسيه معدداً أسماء فلاسفة لامعين، عارضاً لنظريات ونظريات مقابلة لا تتسع لموضوع المقابلة معه بالطبع، غير أنها تدلّ إلى اهتمامه الاول.

حزب الله في صلب موضوعنا بالطبع. حين بدأ تلك المسيرة مع حزب الله، هل كان يتوقع أن يصل الحزب إلى ما وصل إليه اليوم؟ يجيب الموسوي من زاوية اخرى: «الثقافة السائدة هي القدرية، أي القول بالجبر. نحن معتقدنا هو ألا جبر ولا تفويض، بل منزلة بين اثنتين. لا ننظر إلى التاريخ كأنه مكتوب مسبقاً. نحن نصنع التاريخ. نعم كنا نتوقع، وما زالت أمامنا مسيرة علينا إكمالها؟».

أي مسيرة؟ «إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال السياسي الغربي. يحق لنا كعرب ان نكون أحراراً. نحن في منطقتنا العربية محتلون بالهيمنة الغربية، وسط بقع متحررة. هذا منذ سقوط السلطنة العثمانية. إذا قال الغربي لنا إنها عملية مثاقفة، نقول له، شرّف لنتثاقف عندك. الغربي لا يتحمل أن تكون جالية عربية في بلده شريكة في القرار السياسي، ويريد ان يفرض علينا فهمه للديموقراطية والسياسة. ينبغي الوصول إلى الندية. بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، المقاومة العسكرية موجودة، اسوة بمقاومات يفتخر بها تاريخ الغربيين حين خضعوا لاحتلالات. بالنسبة لتحرير هذا العالم العربي من هيمنة الغرب، فهذا طموح يتحقق عبر الجهد الفكري والثقافي».

أليس مثل هذا الطموح كبيراً؟
يقول الموسوي: نحن مدرسة «لله رجال إذا أرادوا أراد».
يكرر كلمة «أراد» للدلالة إلى أهمية أن يصرّ الواحد على عمله متكلاً على الله في مساعدته على تحقيق ما يريد.

24-آب-2009
استبيان