المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


التحرير عام 2000

خطة التحرير: أكبر قدر من الرعب، أقل قدر من الدم


 النائب حسن فضل الله

ينقضي عام التحرير الأول للجنوب والبقاع الغربي ووقائع الزحف البشري نحو المنطقة الحدودية لا تزال ماثلة للعيان، حينما تحركت قوافل العائدين الى قراهم ترفرف أمامهم رايات المقاومة، ويسبقهم مجاهدوها لفتح الطرقات وانتزاع المعوقات، والتأكد من سلامة خط السير باتجاه هذا المحور أو ذاك. لم يكن التحرير وليد ساعته الفجائية، ولا متصلاً بحركة عفوية تمثلت لحظتها بإزالة البوابة الحديدية من أمام العائدين الى بلدة القنطرة، وما تأسس عليه من تواصل القضم الشعبي لمواقع الميليشيات، ثم محاصرة المواقع الاسرائيلية وإجبارها على الفرار تحت جنح الظلام.

العفوية قد تتأتى من المبادرة الشعبية بالعودة الى البلدة المحررة حديثاً، لكن مستلزماتها تأمنت بفعل عوامل عديدة، في طليعتها الاسلوب الذي اتبعته المقاومة منذ بداية نيسان في تحرير المواقع وتدميرها، ودعوة أهالي القرى المتاخمة لتلك المواقع الى العودة اليها. الفكرة الاولى بدأت في عرمتى  ونجحت، وتلتها الخطوة الثانية في البياضة، وحينما تحققت أهدافها بدأ إعداد العدة لتكرار التجربة، أي إسقاط المواقع وتحرير القرى تدريجاً، بعدما تعرضت الميليشيات لضربة قاسية تمثلت في تصفية عقل هاشم، الرجل المرشح لقيادة المنطقة بعد الانسحاب.

يتبادر الى الذهن هنا سؤال تقليدي: هل ثمة خطة حقيقية لدى المقاومة للتحرير، أم أن الاحداث وحدها تعاقبت بشكل متسارع متأثرة بحال الرعب التي أشاعتها عمليات المقاومة، وبالمناخ السياسي الذي ساد مع مطلع العام ألفين؟

يمكن التحدث عن مرحلتين متصلتين، تبدأ أولاهما من وصول إيهودا باراك الى السلطة وإطلاقه وعد الانسحاب، والمرحلة الثانية من بداية العام ألفين. الفوارق بين المرحلتين تتعلق بالقراءة السياسية لمجريات الاحداث، التي تطورت من اعتبار الوعد الانتخابي مجرد مناورة سياسية، الى حقيقة قائمة تفرضها الوقائع الميدانية المتسارعة.

حينما دخلت المرحلة الثانية بدأ الحديث عن خطة متكاملة تعدّها المقاومة للدخول الى المنطقة المحتلة، تأخذ بعين الاعتبار الحسابات العسكرية والسياسية والاجتماعية. في الجانب العسكري تتعاطى خطة التحرير مع احتمالات مبنية على معلومات موثقة مصدرها العمل الأمني في صفوف الميليشيات، وهي تراوح بين اقتحام مواقع الميليشيات اذا ما حافظت على بنيتها، أو اقتحام القرى اذا ما تحصّن بداخلها العملاء، وفي كلا الحالتين كان يجب تجهيز قوة عسكرية كبيرة تنفذ أوسع هجوم في الحرب الجنوبية، وشعارها "أقل نسبة من الدم.. أكبر قدر من الرعب". المعضلة الاساسية التي واجهت واضعي الخطة هي كيفية دخول القرى والقتال داخلها. إلقاء الرعب في صفوف العملاء كان السلاح الأبرز المتوافر، فالضربة الاولى كان ينبغي لها ان تدمر ما نسبته 70 في المئة من قوة الميليشيات، وإذا ما تدخل الجيش الاسرائيلي فإن جبهه ستكون عن طريقين: الكاتيوشا على المستوطنات وضرب المواقع العسكرية في الداخل.

خطة التحرير كان يفترض لها ان تُنفذ في تموز مع بدء رحيل القوافل العسكرية الاسرائيلية، لكن بدأ اختبار بنودها في موقعي البياضة وعرمتى.. مفاعيل الاختبار الاولى ألغت الحاجة الى استكمال تنفيذ بقية البنود، فقرار الجيش الاسرائيلي تجميع مواقعه في القطاع الاوسط شكل الخطأ القاتل الذي أفرغ القطاع من السيطرة الاسرائيلية، وتركه لقبضة المقاومة التي باتت تتحكم بمساره الامني وتعرف كل ما يدور بداخله.

جاءت الخطوة المدنية لتربك كل التفكير الاسرائيلي وتقلب الطاولة أمام صنّاع القرار في حكومة باراك.

قرأ الجانب الاسرائيلي الخطوة باعتبارها عملاً جزئياً لا يرتبط بسياق عامّ، يمكن التعاطي معه بإعادة تدعيم المواقع الاساسية للعملاء في القطاعين الغربي والشرقي، فأحد المشاريع الاسرائيلية المتداولة هي حزام حدودي ضيق، والمهم ان لا يصل حزب الله الى الحدود. حدث هذا في الليلة الاولى عندما تصدّت قوات الاحتلال للزاحفين باتجاه ميس والعديسة، خشية ان يتمكن الحزب من السيطرة على أي نقطة حدودية، وأرفقها الجانب الاسرائيلي بسلسلة مواقف قيادية ترى ان الامور تحت السيطرة.

لم يحتج حزب الله الى تنفيذ خطته المعدَّة لانسحاب تموز، انما طبّق بعض بنودها على الخطوات المدنية، شطر المنطقة المحتلة الى قطاعين منفصلين، عزل بؤر التوتر، محاصرة المواقع الاسرائيلية بالنار، الوصول الى الحدود لتهديد المستوطنات وشل قدرة الجيش على التصدي للمدنيين.. هذه الخطوات مجتمعة بدأت منذ الليلة الاولى واستكملت في اليومين التاليين، حينما طُلب من جمهور المقاومة الاحتشاد في قرى القطاع الاوسط لاستكمال تحريرها، وبالتالي عزل ألوية الميليشيات بعضها عن بعض، ووضع جيش الاحتلال أمام خيارين أحلاهما مرّ: الانسحاب المعجّل تحت النار، او العودة الى المواقع السابقة والاشتباك مع المقاومة. فضّلت الحكومة الاسرائيلية الخيار الاول وقررت الانسحاب، وتحوّلت قضيتها الى كيفية استنقاذ الجنود.

كان واضحاً لدى قيادة المقاومة أنّ جيش الاحتلال عندما يفقد مرتكزاته المحلية يمكن محاصرته وعزله وإجباره على تغيير مواعيده، فبدأت من صباح اليوم التالي للتحرير تطبيق خطة تدريجية تقوم على تصفية وجود الميليشيات، اعتماداً على رفع مستوى الرعب في صفوف العناصر العميلة، وإن لم ينجح أسلوب الضغط النفسي فالرصاص كفيل بمعالجة المصرّين على القتال. لقد وفّرت سرعة الانهيار اللحدي على المقاومة توجيه ضربة قاتلة للميليشيات، فالقرار السياسي هو عدم تحويل القتال الى حرب داخل القرى وإطالة أمده بما يخدم المشروع الاسرائيلي الذي يهدف الى إثارة حرائق وراء كل تراجع يغطي فيه على هزيمته السياسية أو العسكرية.

يمكن بعد مرور عام على التحرير معرفة أهمية القرار الذي اتخذه حزب الله بعدم تحويل المنطقة المحررة الى ساحة حرب يومية يستفيد منها الاحتلال، ويغيّب من خلالها فرحة النصر الذي تحقق، فقد كان بحوزة المقاومة المعطيات الكاملة عن أماكن وجود عناصر الميليشيات، واتخذت إجراءات لجبه أي تحرك عسكري قد تلجأ إليه. لكن الهدف المحدد هو إجبارهم على الاستسلام وترك الملف بيد السلطة اللبنانية.

بموازاة الاجراءات الامنية لمواجهة تداعيات الانسحاب، احتاجت المقاومة الى إيجاد الاطار السياسي المناسب، خصوصاً التعاطي مع قضايا محددة كترسيم الحدود وانتشار الطوارئ، وهما ملفان معقدان نجحت المقاومة في الخروج من دائرة التجاذب بشأنهما، فترسيم الحدود وُضع على عاتق الحكومة اللبنانية، أما ملف الطوارئ فارتبط بضرورة تقيّد الامم المتحدة باتفاقها المسبق مع الدولة، وكانت المقاومة على ثقة بأن رئيسي الجمهورية والحكومة لن يسمحا بأن يحقق الجانب الاسرائيلي أي مكسب من باب نشر الطوارئ وتعديل مهماتها وصلاحياتها.

انتهى الانسحاب الاسرائيلي على وقع رصاص المقاومين الذين يلاحقون جنوده بعد ثلاثة أيام من الزحف الشعبي والقتال مع مواقع الاحتلال، وكشف المنطقة الحدودية أمام واقع جديد، انهار فيه البناء الاسرائيلي الذي بدا كحصن من الرمل اجتاحه موج صاخب.. ومع أيام التحرير الاولى بدأت تظهر بين أيدي المقاومة ما خلّفه جيش الاحتلال من أسلحة وعتاد، والأهم منها وثائق وملفات تبين بالوقائع والارقام والتفاصيل ما كان يخطط له العدو وينفذه من جرائم ضد اللبنانيين،  وكثير من هذه الوثائق لم يُمط اللثام عنه بعد.

 

(*) نائب في البرلمان اللبناني منذ العام 2004،عضو كتلة الوفاء للمقاومة، جريدة الانتقاد، العدد الخاص بعيد المقاومة والتحرير أيار 2001

 

25-أيار-2010

تعليقات الزوار


استبيان