المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


مختلف

الحريري ـ نصر اللّه: حوار إيجابي يظلّله الحذر والانتظار


نقولا ناصيف - (صحيفة الاخبار اللبنانية)

على مرّ السنتين المنصرمتين كان قد تغيّر الكثير من حول الحريري ونصر الله. لكن بعض الشكوك تظلّ تحوم حول مسار علاقتهما، المهمة بالنسبة إلى طائفتيهما وإلى تحالفاتهما المحلية والإقليمية والاستقرار الداخلي، والمهمة أيضاً بالنسبة إلى ثبات النظام وعمل آلة الحكم. كانت سوريا والمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسلاح حزب الله قد فرّقت بينهما وزرعت الغموض والشبهات. وتكاد الملفات الثلاثة هذه تجمع بينهما الآن في الظاهر على الأقل: صار الحريري ـــــ أو يكاد ـــــ بخطوات بطيئة حليفاً رئيسياً لسوريا، وألقيا وراءهما المحكمة الدولية وقد أصبحت خارج لبنان ولم تعدّ أداة ضغط وتهويل متبادلين، وبات سلاح حزب الله سلاح المقاومة في البيان الوزاري وفي كل التنقلات الدولية لرئيس الحكومة يدافع عنه ولا يطعن في شرعيته.

كل ذلك يُبقي بعض الشكوك حيال الخيارات الاستراتيجية لرجلين يلتقيان قليلاً، ويتحاوران مباشرة قليلاً.
في اجتماع الحريري ونصر الله ليل الاثنين، وكُشِف عنه أمس، بندان رئيسيّان: تصويت لبنان في مجلس الأمن على مشروع قرار فرض عقوبات دولية على إيران في الأيام القليلة المقبلة، ومشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010 والأداء داخل الحكومة وسبل دعم مسارها وتخطي العراقيل التي تواجهها من داخلها، ومن البرلمان والشارع كذلك، مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات والمطالب النقابية على مستويات شتى.

في حصيلة تقويم حزب الله انطباعاته عن اجتماع ليل الاثنين، ترسم في الوقت نفسه ملامح علاقة الرجلين، الآتي:

1 ـــــ حضر الحريري كي يستكشف من خلال نصر الله الموقف الإيراني من لبنان في حمأة المواجهة مع المجتمع الدولي على ملف سلاحه النووي، والخطوات التي يمكن اتخاذها في امتحان قاس تقرّبه عضوية لبنان غير الدائمة في مجلس الأمن. وخلافاً لوجهة نظر رئيس الحكومة الذي يعتقد بأن ردّ فعل حزب الله يعبّر عن الموقف الرسمي لطهران، للحزب وجهة نظر مغايرة هي أنه يتفهّم المواقف والسياسة الخارجية الإيرانية وحقّ الدفاع عن النفس والسيادة الوطنية، من غير أن يكون ناطقاً باسم الجمهورية الإسلامية ولا ممثلاً لها، وأنه يتصرّف تبعاً لموقعه كحزب لبناني له حلفاؤه.

تبعاً لذلك، يؤيّد حزب الله إيران ويرفض مشروع قرار فرض عقوبات دولية عليها، إلا أنه يكتفي باتخاذ هذا الموقف مع الأخذ في الاعتبار الواقع الداخلي اللبناني المعقّد الذي حمل المسؤولين الكبار ومجلس الوزراء على تأييد خيار الامتناع عن التصويت على مشروع قرار العقوبات. ورغم أن وزير الحزب محمد فنيش يعارض من داخل مجلس الوزراء الامتناع، انسجاماً مع موقف قيادته، لا تعدو هذه المعارضة إلا تسجيل موقف مبدئي. وهو نفسه موقف سوريا، الرافضة فرض عقوبات دولية على إيران.

يفضي ذلك، في طبيعة ما نوقش ليل الاثنين بين الرجلين، إلى أن امتناع لبنان عن التصويت يمثّل حلاً وسطاً لتناقض داخلي بين أفرقاء لبنانيين منقسمين على الموقف من إيران ومن التزام إرادة المجتمع الدولي، وحلاً وسطاً أيضاً لتناقض عربي بين عواصم رئيسية تؤيّد العقوبات من غير أن تجهر بذلك كالسعودية ومصر، كي تبقي نوافذ للحوار مع الجمهورية الإسلامية، وأخرى ترفضها كلياً كسوريا التي تجد في معارضة القرار وضرورة التصويت ضده الردّ الأكثر صواباً.

ولأن الأمر كذلك، اختارت المجموعة العربية، استيعاباً لتناقضاتها، الامتناع عن التصويت من خلال مقعد لبنان، من غير أن يبدّد ذلك التناقض مع إيران. مع ذلك، يلاحظ حزب الله أن عدم توافر إجماع دولي على مشروع القرار يسجّل إخفاقاً لجهود واشنطن في هذا الاتجاه.
بيد أنه ينظر إلى مشروع القرار على أنه خطوة معنوية غير إجرائية، وغير مجدية في الحسابات الإيرانية. ليست أول عقوبات تتلقاها طهران من المجتمع الدولي، إلا أنها تحوّطت سلفاً للإجراءات الجديدة بعقد اتفاقات ثنائية ـــــ يقول حزب الله ـــــ مع دول كبرى وشركات دولية كبرى، بعضها فوق الطاولة والبعض الآخر تحتها، تفادياً لانعكاس تلك الإجراءات على الاقتصاد الإيراني. أضف أنها أعدّت نفسها ومجتمعها وقدراتها لما تنتظره.

2 ـــــ يأتي اجتماع الحريري ونصر الله في سياق استمرار التواصل بينهما نظراً إلى دقة الملفات المحلية والإقليمية التي تواجههما على السواء، ناهيك بوجود حزب الله في حكومة الوحدة الوطنية مع حلفاء له، في وسعه التأثير على مواقف متشدّدة يتخذونها، كما يعوّل رئيس الحكومة. بذلك حمل الحريري إلى الأمين العام للحزب الصعوبات التي تواجهها حكومته من الداخل خصوصاً، وأسطع مثال هو التأخر في إقرار مشروع قانون الموازنة العامة وتشعّب المناقشات التي رافقته. وحرص الحريري على طلب دعم نصر الله في سبيل تخطّي تلك العراقيل.

ورغم أن مشروع الموازنة على قاب قوس أو أدنى من التصويت عليه في مجلس الوزراء، إلا أنه يعكس حالاً من عدم استقرار حكومي بدأ مع تعثّر التعيينات الإدارية والأمنية، ورافق الضجة حول الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، أضف تركة مشاريع قوانين أحالتها الحكومة الأولى للرئيس فؤاد السنيورة إلى مجلس النواب بين عامي 2006 و2007، على أثر استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، ولم تقترن بتوقيع رئيس الجمهورية في مرسوم الإحالة تبعاً لصلاحياته الدستورية، إبان ولاية الرئيس إميل لحود الذي لاقى قوى 8 آذار حينذاك على وصف حكومة السنيورة بأنها أصبحت تفتقر إلى الشرعية الدستورية، الأمر الذي أبقى مشاريع القوانين تلك في منتصف الطريق: خرجت من السرايا، ولم تستقبلها ساحة النجمة.

ومع أن كلاً من الحريري ونصر الله يسلّمان في الوقت الحاضر بأنه لا بديل من حكومة الوحدة الوطنية، فإن العقبات التي تجبهها ـــــ في تقويم حزب الله ـــــ تبقى سمة استمرارها حتى إشعار آخر، ووشم التجاذب بين أفرقائها. لا يتوصّلون إلى أيّ قرار إلا بتوافقهم جميعاً.

3 ـــــ رغم الحوار الإيجابي الدائر بين رئيس الحكومة والأمين العام للحزب، يظلّ الحذر يطبع علاقتهما. وَثِقَ حزب الله بالخيارات الاستراتيجية لرئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وعدّه حليفاً موثوقاً به لأنه أقرن على مرّ الأشهر المنصرمة، منذ 2 آب 2009 عندما أعلن انسحابه من قوى 14 آذار، مواقفه من سوريا والمقاومة والصراع مع إسرائيل بوضع سكة واضحة لخياراته الاستراتيجية هذه، سلكها تدريجاً إلى أن استقبله الرئيس السوري بشّار الأسد، نهاية آذار الماضي، تتويجاً لعودته إلى موقع تلك الخيارات التي جعلت حزب الله يطمئن إلى الزعيم الدرزي نهائياً، الأمر الذي لم يشقّ الحريري الطريق إليه بعد تماماً.

وعلى وفرة مواقفه الإيجابية، في الأشهر الأخيرة، من الخيارات إياها، سوريا وسلاح المقاومة والصراع مع إسرائيل، فهو لم ينظّمها بعد في استراتيجيا واضحة يلاقي بها حليفه الزعيم الدرزي. إذ لا يزال حزب الله يعزو حذره وتحفظه عن الحريري، في موازاة استمرار الحوار معه، إلى تأرجحه بين الخيار السوري الذي لم يذهب إليه بكليته بعد، وبين تمسّكه بحلفائه في قوى 14 آذار إلى يمينه يتوزّعون توجيه الاتهامات على سوريا وحزب الله، ويشدّونه إلى خيارات معاكسة، أو في أحسن الأحوال، في تقويم حزب الله، تخفيف اندفاع الحريري إلى سوريا ورئيسها.

ترجمة لهذا الحذر ـــــ يقول الحزب ـــــ فإن الموقع الذي لا يزال يتخذه رئيس الحكومة لا يطمئنه، إلا أنه لا يبعث لديه على القلق. وإنه ينتظر عامل الوقت لبلورة تلك الخيارات لديه. حتى ذلك الوقت يتعاون معه في الحكومة وفي مواجهة الملفات الإقليمية الشائكة.

4 ـــــ لا يعكس ظاهر العلاقة الجديدة بين الرئيس السوري ورئيس الحكومة اللبنانية باطنها الذي يشير إلى بطء في تقدّمها. كذلك فإن حرارة العلاقة الشخصية بين الرجلين ليست مؤشراً سياسياً إلى حرارة مماثلة، بل هي خطوة على طريق بناء الثقة التي لا ترسى بإسقاط العلاقة الشخصية عليها، بل بتراكم المواقف حيال خيارات استراتيجية واحدة لا التباس أو تردّد أو شكوك حيالها.

ينطوي هذا الموقف، في تقويم حزب الله لعلاقة الحريري بدمشق، على ضرورة اتخاذ إجراءات رئيسية تلتقي عند الخيارات التي قرن بها الأسد العلاقات المميّزة اللبنانية ـــــ السورية، وهي سلاح المقاومة والصراع مع إسرائيل. والواقع أن المعبّر الجدّي عن هذا التلاقي، في رأيه، يكمن في دعوة المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني إلى الانعقاد، تحت وطأة الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية، بغية تكريس ما يقوله رئيس الجمهورية ميشال سليمان في قممه مع الرئيس السوري، قبل انعقادها وبعدها، وما يقوله رئيس الحكومة في السياق نفسه، وفي نطاق التطورات الإقليمية المتلاحقة التي أوجدت موازين قوى جديدة لا يسع لبنان أن يكون في منأى عنها، أو يتجاهلها.

يشير ذلك أيضاً إلى مأخذ أبقته دمشق قيد التحفظ لديها، هو أن لبنان لم يدعُها إلى اجتماع استثنائي للمجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني في عزّ التهديدات الإسرائيلية للبنان وسوريا على السواء، والتلويح بمهاجمتهما من خلال عاصفة صواريخ سكود.

11-حزيران-2010

تعليقات الزوار


استبيان