المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


العمل القيادي

المقاومة صنع الأصالة .. ونضحُ العلم

 رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله سماحة السيد هاشم صفي الدين (جريدة السفير اللبنانية)

 

إن الأمم تنهض بعلمائها، وتستقيم بصدقها وولائها وتفخر بهويتها المرسومة على جبين أفذاذها والمحفورة بأصول ثقافتها وتراثها، فتصبغ فكرها وتمتزج بعاداتها وتقاليدها وتظهر على ألسنة أدبائها وتُصان بجدها واجتهادها وتضحياتها... ولأن العلاقة السببية قائمة على أي حال، فإن نتاج كل أمة يكشف عن تاريخها. وجبل عامل الذي حباه الله بخصوصيات علمية وأدبية وثقافية ما زالت الى يومنا هذا الأبرز والأظهر في تكوّن الشخصية العاملية، هذه السمة مرتبطة بالضرورة بتصميم وعزم السابقين من جهابذة العلم وسادة المعرفة ورواد الفكر والإصلاح والنهضة، وهي لم تحصل صدفة بل جرت فيها التقديرات الإلهية والسنن الربانية، وفق دور رُصد بدقة وابتنى على رؤية ثاقبة وتغذت من استعداد الجبلة فانتقلت المهمة من جيل الى آخر بالأنفاس الطيبة وغرست في كل جبل وسفح جنبا الى جنب مع الأنبياء والأولياء الذين لا تكاد تخلو قرية من مراقدهم الشريفة وتعاليمهم النفيسة.
إن هذه المهمة لم تستند الى مال وفير وكان الغالب هو الفقر، ولا الى سلطة وجبروت والقهر حل ردحاً طويلاً، ولم تتشخص بتلون السياسة ومصالحها، بل اعتمدت أساساً على ما اغترفته العقول النيرة والصدور المنشرحة من معدن العلوم الصافية المنتسبة الى الدوحة النبوية والروضة العلوية البهية فاكتفت بهذا الفخر وساما وعلامة وعرفت مبكرا أن ما رصد لهذه الجغرافية المتواضعة حمل كبير وعبء ثقيل لا يقوى عليه إلا من صرف عمره بالعلم امتثالا لقول أمير المؤمنين(ع): اغد عالما أو متعلما والتزاما بوصيته(ع) لكميل: «يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ».
 
لقد قرأت ما كتبه حفيد العلامة المقدس الشيخ موسى مغنية(ره) في كتابه (منارة الفقهاء) محاولا إيفاءه بعضا من حقه كي يعرفه لأهل العلم والكلمة فجزاه الله خيرا على ما بذل وأجاد، لكني تلمست من عباراته الحسرة واللوعة والخوف، أما الحسرة فعلى ما ضاع من إرثه المنظوم وغيره وهذا حق، وأما اللوعة فمن ما لحق به من ظلم وحيف وتقصير وهذا عدل، وأما الخوف فخشية أن يضيع تراثه ويخبو ذكره وهذا ما لا أجد له داعيا، ذلك أني أعتقد أن التراث على نحوين:
الأول: ما كان صنيع السلطة والمال والجاه والدعاية والسياسة دون أن يبنى على حق، فهو عرضة للزوال أو التبدل أو التلاعب به كما هو معظم ما تداوله التاريخ واهتم به أصحاب المصالح والمطامع فبدّلوه وحرّفوه وغيّروه عند كل حقبة أو جديد.
والثاني: ما نتج من العلم الرباني والأدب الرفيع الصادق فهو برأيي أعظم وأكبر وأشرف من أن تعبث به الأيادي فإن كل إرث زائل إلا ميراث العلم والأدب، هذا النوع من التراث أمتن من المتون والكتب والمخطوظات، وأصلب من الجبال الراسخات، وأكثر دواماً من المحفورات والهياكل والأشكال. فإنه لا تسعه القوالب ولا تحده الأزمنة ولا تبدله الأيام والمتغيرات فهو يجري في الإنسانية مجرى الحياة ويستحيل طبعا في الكائنات وأنفاسا في المخلوقات (...)

إن جبل عامل الذي مرت عليه أحداث جسيمة واضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة عانى فيها الظلم والقهر ظل محافظا على دوره العلمي والريادي وبقي ممسكا بحبل الخلاص المتين ولم ينحرف عن مسار اختطه الأوائل ولم يحد عن رسالة وجِدَ لأجلها والتصق بها وذاب بها واحتضنها مع مواجعه وآلامه وأفاد الأمة بخيرة صالحة ومميزة من رجالاته وعلمائه، وأدرك تماما أن العلم نور يبقى وأن نشره فضيلة تحصن أبناءه وتحميهم من الضياع والتيه فترسخت فيه قيم العلم والمعرفة من خلال أمرين:
الأول: الاعتزاز بمنقبة طلب العلم والحث عليه وشد الرحال الى الحواضر العلمية أينما كانت، وتوريث محبة العلم والاشتغال به وبذل الغالي في سبيل تحصيله، حتى غدا طلب العلم ثقافة ومعيارا في كل حقبة وغاية، تتنافس لأجلها القرى والبلدات والعوائل.
الثاني: تحويل هذا الجبل الصغير بحجمه منارات علمية وجامعات حوزوية ومدارس انتشرت في مختلف مناطقه بحسب كل مرحلة وتمكنت هذه الصروح في إرساء مرجعيات علمية وأدبية لأبناء المنطقة فأورثتهم العلم والأدب والأخلاق والفضيلة.
إن المدرسة العاملية حملت هذه الأمانة ولم تتخل عنها يوما فكانت جديرة بالتميز وحظيت بالإقدام والتقدير في الحوزات العلمية وسجلت حضورا لافتا كما أسهمت بفاعلية وتركيز في تكوين الشخصية المتراصة والواعية والمنفتحة وقدمت نماذج راقية من العلماء والقادة، وشيخنا الجليل الشيخ مغنية كان نموذجا اكتملت فيه عناصر الفخر من الفقه الى الأدب الى الزهد والتواضع وجسد مصداقا وافيا للعطاء المستمر نهجا ومسلكا تتواصل فيه الأجيال خلفا عن سلف وكابرا عن كابر، وبفضل هذا الإرث العلمي المتأصل والممتد حافظ جبل عامل على نهج الاستقامة فكان جزءا حيويا من هذه الأمة حين دعت الحاجة الى التضحيات الجسام والمواقف الجريئة ولم تفلح كل محاولات إقصائه عن دوره التاريخي وظل سباقا الى تحمل المسؤوليات وداعيا الى الوحدة بوجه دعوات التقسيم والتجزئة على الرغم من المظلوميات الكبيرة التي لحقت به، ولطالما عضّ على الجراح النازفة من ظلم الأبعدين والأقربين، كما انه حمل أعباء ثقيلة بعد النكبة واحتلال فلسطين وبقي قابضا على الجمر حين تخلى عن القضية من عاش على بريق عناوينها، وحافظ على وحدة الوطن متحملا الغرم وهو محروم من الغنم على مدى عقود من الإجحاف بينما كان غيره يوغل بالوطن فتكا وتفتيتاً خدمة لمشاريع مشبوهة وقاصرة، ان الموقع الجغرافي ـ السياسي الخاص بجبل عامل رمى عليه أثقالا ما كان قادرا على حملها لولا بقية العلم والاستقامة والأنفاس الطاهرة للسلف الصالح، وأثبت انه جدير بموقع الريادة حتى أضحى اليوم منطلقا لإشعاع المقاومة الأبية القادرة على إنقاذ الوطن والأمة.
إن التاريخ البعيد والقريب يشهد على خط الاستقامة هذا المتصل بخط النور والعلم والجهاد والعطاء فلم تنطفئ جذوته ولم تضعفه أو تسقطه أو تحرفه كل محاولات التنكر والتشويه التي ما وفرت فيه عالما أو مصلحا أو قائدا، وتلقى السهام والسموم والأحقاد والمجازر والاحتلالات بروح القيم الوقادة من مخزونه الطيب والأصيل وحولها الى مقاومة فاعلة وإيجابية في خدمة الصالح العام.. والعجب كل العجب من الذين ما زالوا الى اليوم يتنكرون لهذه الحقائق ويبالغون في الحيف وعدم الإنصاف، وفي هذا المجال لا يسعنا إلا أن نقول لبعض السطحيين من أبناء وطننا وأمتنا بغض النظر عن خلفياتهم وغاياتهم، ان مقاومتنا التي نفخر بها اليوم ليست طفرة عابرة حتى يتقرر مصيرها بتصريحات جانية أو قرارات دولية جائرة أو بتقاطع مصالح لدول وممالك وحكومات عاجزة أو قاصرة أو حاقدة لا فرق، المقاومة التي أذهلت العالم بشهدائها وقادتها وعلمائها وشعبها هي صنع هذه الأصالة وهي بعض نضحٍ للعلم المختزن في أعماق تاريخنا الأبي، وهي تدفق العطاء والمحبة والطيبة منذ أن حط أبو ذر الغفاري الرحال على الرحب والسعة، هي قبس النور الذي يشق الأرجاء منبعثا من سجن الظلامة والفتن ليخرج للعالم الإسلامي تحفة الفقه الدمشقية للشهيد الأول، المقاومة هي صدى العلم المنتشر مع أسفار الشهيد الثاني الذي أريد له أن يكون منسيا على قارعة الزمان والمكان، المقاومة هي الفتوى والتحقيق والمسؤولية للمحقق الكركي وهي المبادرة والإقدام وتلبية الواجب للشيخ عبد الصمد العاملي وهي البناء والحضارة والتقدم للشيخ البهائي والحر العاملي، المقاومة هي السمو والرفعة والوحدة والحنكة والبلاغة للإمام شرف الدين، المقاومة هي زرع الإخلاص والتضحية للإمام المظلوم المغيب الإمام الصدر، المقاومة هي عقل وتفاني الشهيد القائد السيد عباس الموسوي وهي شجاعة وفصاحة العالم الشهيد الشيخ راغب، المقاومة هي عبقرية القائد الحاج عماد مغنية سليل عائلة العلم والأدب، وبهذا المعنى المقاومة هي ثقافة وهوية وتاريخ بعمر الطهارة والطيبة والفداء في هذا الوطن وهي مظهر من مظاهر الجمع المكثف والتخصيب المركز لهذا التراث العاملي، هي لحظة القيام بالمهمة التاريخية التي نأى عن حملها من لا قِبَل له بهذا الأمر فحملها أولو إيمان وعلم وبأس وإخلاص. وعليه فلا ينبغي لأحد أن يتخيل أن بإمكانه أن يشطب تاريخا أو يهوي بفأس حقدٍ على قامات ارتفعت بالعلم وتأصلت بالإخلاص.
18-تموز-2010
استبيان