المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


التحرير/خطابات الامين العام

كلمة الامين العام لحزب الله في مهرجان المقاومة والتحريرفي مدينة بنت جبيل "2000"

26-5-2000
في يوم المقاومة والتحرير، في يوم الانتصار التاريخي العظيم والكبير، نلتقي هنا في عمق المنطقة التي استعادت الوطن واستعادها الوطن، في أجواء أربعين أبي عبد الله سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، لنؤكد من جديد مقولته وخطه، لنثبت من جديد أنّ الدم هنا ينتصر على السيف، وأنّ الدم هنا قهر السيف وهزمه، وأنّ الدم هنا حطّم كل قيد، وأنّ الدم هنا أذلّ كل طاغية ومستكبر.
نلتقي هنا لنحتفل بالنصر الذي صنعته الشهادة ، وصنعته الدماء. عندما نتحدث عن هذا النصر، عن تحرير الأرض، عن حرية الإنسان، عن كرامة الوطن، عن عزّة الأمة.. يجب أن نتذكر كل أولئك الذين ساهموا في صنع هذا النصر، قبل كل شيء وبعد كل شيء نحن عباد الله نعلن أمام العالم كله أن هذا النصر من الله سبحانه وتعالى، هو الذي هدانا إلى طريق المقاومة، هو الذي دلّنا الى سواء السبيل، هو الذي ثبّت قلوبنا منذ سنوات طويلة، هو الذي ملأ قلوبنا طمأنينة وأنفسنا عشقاً للشهادة، هو الذي رمى وهو أصاب، هو الذي دمّر المواقع، هو الذي هدم الحصون، هو الذي قتل الجبابرة، وهو الذي صنع هذا النصر، ونحن نشكره ونحمده ونسبّحه ونستغفره ونتوب إليه ونخضع له وندعوه أن يتم لنا نصرنا بأن يحّرر كل الأرض وكل الأخوة وكل هذه الأمة المعذبة والمظلومة.‏
وعندما نأتي إلى الخلائق، لابد أن نذكر أولاً الشهداء، كل الشهداء، شهداء المقاومة من حزب الله وحركة أمل والقوى الوطنية اللبنانية، شهداء الجيش اللبناني والجيش العربي السوري، وشهداء المقاومة الفلسطينية، لابد أن نعترف لهؤلاء الشهداء بالفضل الأول والأكبر بعد الله سبحانه وتعالى: لسيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي، لشيخ شهدائها الشيخ راغب حرب، ولأخ عزيز كان عاشقاً للشهادة مقاوماً، وهو المجاهد الشيخ أحمد يحيى، الذي قضى في الأيام الأخيرة، وكان مجاهداً وطاهراً وعابداً، كان يصر أن يكون أول شيخ ينفّذ عملية استشهادية في تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي.. يجب أن نعترف لهؤلاء الاستشهاديين، من أحمد قصير إلى بلال فحص إلى عمار حمود: هذه الدماء الزكيّة صنعت النصر، يجب أن نعترف للمجاهدين المقاومين المضحين الذين تركوا الديار والأهل والجامعات والمصانع وقضوا زهرة شبابهم وعمرهم في القتال والجهاد، يجب أن نذكر عوائل شهداء، يجب أن نذكر الأسرى الذين ما زالوا في السجون ، يجب أن نذكر الجرحى، ويجب أن نذكر عوائل هؤلاء جميعاً، يجب أن نذكر كل من ربّى وهيّأ وأسّس لهذا الخط الجهادي المقاوم في لبنان، يجب أن نذكر إمام المجاهدين والشهداء الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قده)، يجب أن نذكر أول مؤسس لخط المقاومة على الأرض اللبنانية سماحة الإمام المغيب السيد موسى الصدر (أعاده الله بخير)، يجب أن نذكر كل العلماء المضحّين وكل الذين عملوا ليكون هنا في لبنان شعب مؤمن ومجاهد ومقاوم ومستعد للتضحية، يجب أن نذكر سكان الشريط الذين عانوا وتحملوا وذاقوا الويلات، ويجب أن نذكر سكان قرى خطوط المواجهة الذي كانوا يُقصفون في كل يوم، ويجب أن نذكر الموقف الشعبي العام المحتضن للمقاومة والقوى السياسية والجمعيات والشخصيات والأحزاب والنوادي، يجب أن نشيد بالموقف الرسمي العام وخصوصاً في ظل هذا العهد، عهد فخامة الرئيس إميل لحود، وفي ظل هذه الحكومة، حكومة دولة الرئيس سليم الحص. وإلى جانب لبنان هناك رجلان يجب أن يُذكرا، وهناك دولتان يجب أن يُعترف لهما بالفضل وأن يُنسب النصر إليهما أيضاً، أعني: الجمهورية الإسلامية في إيران، وسوريا الأسد، والقائد الخامنئي، والقائد العربي الكبير الرئيس حافظ الأسد.‏
إنّ من أراد أن يكون منصِفاً وعادلاً في تشخيص الحقائق يجب أن يعترف بهذه الحقيقة، القائد آية الله العظمى السيد الخامنئي الذي أيّد ودعم وساند ودعا لهؤلاء المجاهدين في الليل والنهار حتى ينصرهم الله، والجمهورية الإسلامية التي وقفت إلى جانب لبنان وسوريا وفلسطين، ودعمت، وتحمّلت الكثير من أشكال التهويل والتهديد من جهة، وأشكال الترغيب والإغراء من جهة أخرى، حتى تتخلى عن دعمها، فرفضت لأن الموقف هنا هو موقف عقائدي وأخلاقي وإنساني.. وسوريا الأسد التي حمت المقاومة واحتضنتها وحرستها منذ الإنطلاقة الأولى وعلى كل المفاصل الصعبة، من يمكن أن ينسى سوريا سنة 1982 وهي تقاتل على الأرض اللبنانية؟ من يمكن أن ينسى الرئيس الأسد في حرب تموز 1993؟ من يمكن أن ينساه في حرب نيسان 1996؟ من يمكن أن ينساه صلباً صامداً في دمشق وقد احتشد العالم كله في "شرم الشيخ" لإدانه المقاومة ووصفها بالإرهاب وللدفاع عن "إسرائيل"؟.. إنني هنا في يوم النصر، في يوم المقاومة والتحرير، أقدم الشكر باسمكم جميعاً لكل لبناني ولكل عربي ولكل مسلم ولكل إنسان حر في العالم ساند المقاومة ووقف إلى جانبها ودعمها بالكلمة، بالموقف، بالقلم، المال، بالدعاء، بالتأييد، بالابتسامة.‏
النصر الأول تحرير جزء كبير من أرضنا وجزء كبير من معتقلي سجون الاحتلال وإلحاق الهزيمة بالعدو بفضل الجهاد والمقاومة والصمود والتضحيات، نحن هنا اليوم ننعم بالحرية والأمان ولا تجرؤ طائرات العدو أن تأتي فوقكم، وأنا أقول لكم ذلك، الذين يخافون ويرتعبون من مجسم خشب.. لعبة.. تمثال لمنصّة كاتيوشا في كفركلا هم أجبن من أن يأتوا إليكم في مثل هذا اليوم، اليوم نحن هنا في أرضنا بفضل دماء شهداننا، بفضل شعبنا، ليس منّة من أحد، لا من الأمم المتحدة التي عجزت عن تنفيذ قرارها 425 مدة 22 سنة، ولا منّة من مجلس الأمن الدولي، ولا منّة من الحَكَم غير النـزيه (الولايات المتحدة الأميركية)، ليس منّة من المفاوضات ولا فضلاً من حكومة باراك الذي خرج من هذه الأرض لأنه لم يكن أمامه سوى خيار واحد هو الخروج من هذه الأرض، هذه التضحيات هي التي أعادت للمرة الأولى أرضاً عربية بالكامل بفعل القوة والمقاومة..‏
النصر الثاني هو كيفية فرض الانسحاب على العدو، أنتم فرضتم عليه التوقيت والتكتيك والكيفية، وأنتم أثبتم بعد الانسحاب أنكم شعب لائق بالنصر. لقد كان الإسرائيلي يخطط ليكون انسحابه بعد عدة أسابيع، ويسلّم تدريجياً مواقعه لميليشيا لحد، ويحتفظ ببعض المواقع كقلعة الشقيف والدبشة وبعض المواقع الحدودية، حتى إذا ما قرر مجلس الأمن ما يريد أن يفعل وجاءت قوات الطوارئ تستلم ليتأمن انسحاب هادئ كريم لهذا العدو ليمنّ علينا بإطلاق أسرانا في معتقل الخيام، لكن هذا رفضتموه أنتم ، وكان الاقتحام الأول لبلدة القنطرة ودير سريان والقصير والطيبة، وبدأت البلدات تتحرر والمواقع تسقط وميليشيات لحد تنهار (الواحدة تلو الأخرى)، وفي ليلة واحدة أصبح الشريط الحدودي نصفين، وبدأ الانهيار الشامل، واجتمعت حكومة العدو المصغّرة، ووجدت نفسها أمام خيارين: إما أن تعود إلى احتلال المواقع لتواجه المقاومة والمزيد من الخسائر، وإما أن تسرّع بانسحابها، فاختارت الثانية وخرجت على عجل، وتركت لكم كل هذه الدبابات والملالات والمواقع والمدافع، لتؤكد أن ما جرى في جنوب لبنان هو هزيمة إسرائيلية كاملة. أنتم فرضتم على العدو شكل الانسحاب ووقته، وأسقطتم لغم العدو في ميليشيا لحد، هو كان يراهن على أن تتمرس هذه الميليشيا في مواقعها وتطلق النار، ثم يدخل موفد الأمم المتحدة للتفاوض مع الدولة، وفي مقابل إخلاء المواقع يحصل العملاء المجرمون والخونة على العفو. هذا الأمر انتهى أيضاً، انتهى بأذلّ صورة ممكنة لهؤلاء العملاء الذين شاهدتم صورهم، صور إذلالهم عند بوابات فلسطين المحتلة، وشاهدتم كيف تخلى عنهم هذا العدو، ثم بعد ذلك كان العالم وكان العدو الإسرائيلي نفسه يراهن على أن هذه المنطقة لن تسعد بنصر ولن تحتفل بتحرير، كان يراهن أن هذه المنطقة سوف تدخل في ظلام دامس وفي فتن لا حدود لها، ستذهب العائلات في هذه القرية لتنتقم من عائلات في القرية نفسها أو غيرها، أو هذه الطائفة ستعتدي على هذه الطائفة، تصور العدو أن المنطقة سوف تُهدم فيها بلدات (كما هُدمت بلدة حانين) وتُسفك فيها دماء وتُرتكب فيها مجازر، ولكنكم أثبتم وأثبتت المقاومة بالانسجام مع الدولة اللبنانية أنّ شعب لبنان ودولة لبنان ومقاومة لبنان وكل الطوائف في لبنان هم جديرون بالنصر، وهم يحتفلون بالنصر، هذه المنطقة بعد إسرائيل دخلت في موسم النور وخرجت من عصر الظلام بعد 22 سنة من الاضطهاد والاعتقال للمواطنين من قبل ميليشيا لحد الذين أهلهم وعيالهم مازالوا هنا، برغم تدمير البيوت والقمع: هل قُتل رجل واحد؟ لقد قلت قبل أيام: عندما أنهار الجيش النازي في فرنسا أقدمت المقاومة الفرنسية المتحضرة على إعدام عشرة آلاف عميل فرنسي من دون محاكمة، إنّ المقاومة في لبنان ولبنان هو أكثر حضارية من فرنسا وكل هذا العالم، هل قُتل أحد؟ هل ضُرب أحد؟ هل سُفكت قطرة دم واحدة على امتداد هذه الأرض ؟ هذا هو المشهد المثالي الذي أذهل العالم ؟ هذا النصر العسكري والسياسي الذي تحقق. نعم ، قد تحصل أخطاء، هم دُهشوا في العالم لأنهم يعرفون أنه في مثل هذه الحالات في بقية أماكن العالم يحصل قتل، تدمير، مجازر، سرقات، نهب، لكن ماذا حصل عندنا؟ يمكن أن تكون حصلت بعض الأخطاء من قبل لصوص، من قبل متسللين، ولكن هذا جزء بسيط من الصورة، لماذا يصر البعض أن يضعنا أمام مشهدين: مشهد حضاري بهذه العظمة، وبنفس الحجم والمستوى بأن هناك بعض الأخطاء حصلت في هذه المنطقة؟ أقول للبعض: أخرجوا من مخاوفكم، اخرجوا من أحقادكم، كونوا لبنانيين حقاً ووطنيين حقاً في هذه اللحظة التاريخية، هذا هو النصر الثاني الذي تحقق.‏
وتوقف سماحة الأمين أمام هذين النصرين الكبيرين معدداً النقاط الواجب إثارتها:‏
أولاً: يجب الحفاظ على هذا الإنجاز وهذا الانتصار، ويجب تقويته وتحصينه، وهذا يحتاج إلى جهد وتضحية أكبر، وإلى تواضع كبير أيضاً من الجميع.‏
ثانياً: علينا أن نثبت هذه المنطقة أننا لائقون بالنصر، وقد أتثبتنا ذلك خلال الأيام الماضية، لكن لا تسمحوا لأحد في الأيام والأسابيع المقبلة بأن يدخل على الخط، أنا لا أتحدث عن مخاوف، ولكننا في جوار عدو لا يمكنه أن يتحمل كل هذه البهجة في وجوهكم، وهو الذي اعتاد أن يراها متألمة حزينة، لا يمكنه أن يرى الفرح في عيونكم، وهو الذي اعتاد أن يراها دامعة، هنا: يجب أن لا يكون هناك مخاوف لدى أحد، لا من المسيحيين ولا من المسلمين، لن أدخل في تعداد القرى والبلدات، ولكن أقول: هذه مسؤولية الجميع، الكل يجب أن يتحمل المسؤولية، فإن حصلت مسألة بسيطة نحلّها، عندما نضخّمها نكون قد ضيّعنا الفرصة، وضربنا العيش المشترك، فلنبق الأمور في أحجامها الحقيقية، هذه المنطقة بحاجة إلى تحصين بعد كل هذا التاريخ المظلم، مسؤولية رجال الدين المسلمين والمسيحيين، والقوى السياسية الموجودة في المنطقة، والفاعليات والوجهاء والمثقفين وأهلنا جميعاً.. أن يعملوا على لملمة الجراح في كل بلدة وبين العائلات جميعاً.‏
ثالثاً: العملاء هم عبرة للبنانيين جميعاً، وهذه تجربة جديدة، وشاهدتم كيف أُذلّ هؤلاء، كيف يتهمون قائدهم بخيانتهم، أنطوان لحد العميل يقول: لقد أخلصنا لـ إسرائيل 25 سنة وخانتنا وتركتنا في ليلة واحدة، هذه يجب أن تكون عبرة لكل لبناني مسلم ومسيحي أنّ إسرائيل لا يعنيها ولا يهمها أحد في لبنان، هي تكذب على المسيحيين وتكذب على المسلمين عندما تدعي الحرص عليهم، ما يهم إسرائيل في لبنان والمنطقة مصالحها ومنافعها وأطماعها، نحن مسلمين ومسيحيين في نظر هؤلاء الصهانية مجرد خدم وعبيد لشعب الله المختار، أما آن لبعض اللبنانيين لأن يفهموا هذه الحقيقية وأن يستفيدوا من كل هذه العبر؟ يجب على اللبنانيين أن يعرفوا أنّ خيارهم يجب أن يكون خياراً وطنياً، أن لا يخطئوا في الحسابات الطائفية فتؤدي بهم إلى إسرائيل، إنّ مصلحة كل الطوائف في لبنان أن يكون خيارها وطنياً، أن يكون خيارها عربياً، لتحصين الأمن القومي في لبنان، ولتحصين هذه المنطقة يجب يعاقب العملاء أمام القضاء، ويجب أن يحاسَبوا وأن يُنـزل بهم أشد العقاب ليكونوا عبرة للمستقبل، لكي لا يكون في هذه المنطقة أي لغم أو فتيل للتفجير يمكن أن يستفيد منه أحد: إما متحسس ثائر أو حاقد متربص.‏
رابعاً: أعلن في يوم النصر، بالنسبة إلى هذه المنطقة، أننا في حزب الله لسنا في وارد أن نكون بديلاً عن الدولة، لسنا سلطة أمنية، ولن تكون سلطة أمنية، لسنا مرجعية أمنية، ولن نكون مرجعية أمنية، الدولة هي المسؤولة، هذه المنطقة عادت إلى سيادة الدولة، والدولة هي التي تقرر من سترسل: قوى الأمن، تعزز المخافر، ترسل أجهزة أمنية أخرى، نحن لا نتحمل أي مسؤولية أمنية في هذه المنطقة على الإطلاق.‏
خامساً: المسؤولية الإنمائية والاعمارية.. حجم الخراب في هذه المنطقة يحتاج إلى دولة، طبعاً حزب الله قدّم دماً وتضحيات، ونحن من خبز المجاهدين سنمد يد المساعدة إلى هذه المناطق، ولكن المسؤولية هي مسؤولية الدولة، والدولة يجب أن تتعاطى مع هذه المنطقة على المستوى الإنمائي بشكل طارئ واستثنائي، وهنا أؤكد أن حجم العمل المطلوب إنمائيا وإعمارياً وخدماتياً هو أكبر من أي مؤسسة، هو أكبر من أي وزارة ، يجب أن تستنفر كل وزارات الدولة لتأتي إلى هنا وتتحمل مسؤوليتها هنا، يعني: المناطق المحررة من الجنوب والبقاع الغربي، يعني قرى المواجهة التي تحملت عبء المقاومة أكثر من غيرها لأنها كانت موضع القصف والعدوان والهجوم المستمر، لكن عندما نتحدث عن إنماء هذه المناطق كجزء من إنمائها وإعادة أعمارها فهناك منطقة لها فضل كبير في هذه المقاومة، وهي منطقة بعلبك الهرمل، هذه المنطقة التي تأسست فيها المقاومة الإسلامية واحتضنت المجاهدين من الجنوب وبيروت، بعلبك هي التي تعرضت بشكل دائم للقصف الجوي وخسرت على المستوى الإنمائي والاقتصادي وقدمت المئات من أبنائها شهداء، ومن الصعب أن نجد قرية في منطقة بعلبك الهرمل خصوصاً والبقاع عموماً ليس فيها شهداء سقطوا من أجل تحرير الجنوب والبقاع الغربي، هذه المنطقة التي صبرت طوال السنين الماضية لأن أولويتها كانت التحرير، كانت مقتنعة معنا بأن أولوية التحرير جديرة بالصبر والتحمل، إبن بعلبك الهرمل الذي قدّم دم ولده لتحرير الجنوب صبر على الجوع والحرمان، والآن إنماء هذه المنطقة يجب أن يتلازم مع إنماء تلك المنطقة، نتحدث عن لجنة طوارئ للمنطقتين إذا كنا نريد أن نكون أوفياء للمستضعفين والمحرومين المعذبين الفقراء الذين قاتلوا وصنعوا النصر.‏
سادساً: أقول للبنانيين جميعاً، يجب أن تتعاطوا على أساس أن هذا انتصار لكل اللبنانيين، ليس انتصار حزب ولا حركة ولا تنظيم، هذا ليس انتصار طائفة وانهزام طائفة، مخطئ وجاهل من يظن ذلك أو يقول ذلك، هذا انتصار لبنان، وهذه المقاومة كانت قوة للوطن، وستبقى قوة للوطن، هذه المقاومة عندما كانت تنتصر كانت تتواضع، وعندما كانت ترتفع بالشهداء كانت تتواضع، وأنا أقول لكم: ستجدون حزب الله والمقاومة الإسلامية بالتحديد أكثر تواضعاً من أي زمن مضى، لأننا في هذا النصر نشعر بعظمة ربّنا وقوّته وجبروته وقدرته، وكم نحن البشر ضعاف، إذا اتكلنا على أنفسنا نبقى مهزومين، إذا اتكلنا على الله فإنّ الله هو العزيز الجبار. وأنا أعدكم بأنه لن يُستخدم هذا النصر في يد أحد على حساب هذا الوطن وعلى حساب أي جزء من شعب هذا الوطن العزيز.‏
سابعاً: اليوم باراك يدعو لبنان إلى اعتبار الانسحاب رسالة سلام، هذا خداع، هو خرج من دون خيارات، ثم يدعونا إلى اعتبار الانسحاب سلاماً بعد قتل عشرات الآلاف من المدنيين، بعد ما لا يقل عن 1276 شهيداً من حزب الله، وإذا ضممنا إليهم آلاف الشهداء من بقية الأخوة في القوى الإسلامية والوطنية اللبنانية ماذا تكون المحصلة؟ بعد عشرات الآلاف من المدنيين الذين قُتلوا في لبنان، بعد أن دُمّر بلدنا واقتصادنا، وهو مازال يحتجز أسرانا في سجونه، ومازال يحتل أرضاً عزيزة علينا هي مزارع شبعا، وهو في الوقت الذي يستقبل فيه المهاجر اليهودي الروسي رقم مليون ويعلن استعداده لتستقبل فلسطين مليون مهاجر في السنوات المقبلة يرفض أن يعيد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره إلى ديارهم وبيوتهم، عن أي رسالة سلام يتحدث باراك ثم يبدأ بالتهديد والتهويل على لبنان، أمام تهويله ووعيده ووعده أقول لكم: الشيخ عبد الكريم عبيد وأبو علي الديراني وسمير القنطار، وكل أسير في السجون الإسرائيلية سيعود إليكم قريباً أن شاء الله. لا يوجد خيار أمام باراك وحكومته، أنصحه بأن يخرج من مزارع شبعاً ويفض هذه المشكلة، وستُثبت الأيام أنه ليس لديه خيار آخر، ونحن لا تعنينا القرارات الدولية، إنّما نفهم أنّ هناك أرضاً لبنانية محتلة يجب أن تعود إلى لبنان، الأسرى سيعودن، وبقية الأرض ستتحرر، ولن يكون هناك خيارات أمام هذا العدو المهزوم في لبنان. أما التهديد والوعيد الإسرائيلي فلا نخاف منه اليوم، هم الخائفون على امتداد هذه الحدود وهذا الشريط، لقد خافوا من بعض النساء والأطفال الذين يقفون على الحاجز الحديدي، يخافون من حجر يرمى عليهم، أنتم الآن هنا بنت جبيل آمنون سعداء، وهم على امتداد مستعمرات شمال فلسطين المحتلة خائفون ومرتعبون أمام المستقبل المجهول، لقد انتهى الزمن الذي كنا نخاف فيه من التهويل والتهديد الإسرائيلي، وهو يعرف أن الزمن الذي كانت فيه تستبيح طائراته سماءنا قد ولى، وأن الزمن الذي كانت تستبيح دباباته أرضنا قد ولى، وأن الزمن الذي كانت تستبيح فيه زوارقه مياهنا الإقليمية قد ولى، وإنّ أي اعتداء على لبنان لن يقابَل بشكوى إلى مجلس الأمن ولا بالدموع، لن يقابَل إلا بالمقاومة.. "إسرائيل" إذا اعتدت على لبنان ستدفع إثماناً غالية.‏
ثامناً: أيها اللبنانيون، أنتم أمام استحقاقات كبيرة، استحقاق استكمال التحرير، واستكمال استعادة الأسرى، واستكمال بناء مؤسسات الدولة، بهذا الانسجام بين المقاومة والدولة، بهذا الإحساس بالمسؤولية الوطنية، بهذا التوحد حول الوطن يمكننا أن نواجه كل الاستحقاقات ونبني لأنفسنا ولأجيالنا القادمة وطناً اسمه لبنان، لبنان الجديد قوّته في قوّته، قوّته في دمه، قوّته في صموده، قوّته في جبروته، قوّته في رفعته وعصيانه على كل الأعاصير والعواصف، لبنان الجديد وطن للعيش المشترك الحقيقي، فلن يسمح بعد اليوم مسلم ولا مسيحي للصهاينة بأن يلعبوا بنا.. بأجيالنا.. بشبابنا.. لبنان الجديد هو وطن للشدة في وجه الغزاة، ووطن للرحمة في تعاطي أهله وفئاته وطوائفه بعضهم مع بعض.‏
تاسعاً: هذا النصر نقدّمه لشعبنا المظلوم في فلسطين ولشعوب أمتنا العربية والإسلامية، ومن بنت جبيل المحررة أخاطب شعب فلسطين المظلوم المعذب المضطهد، يا شعبنا في فلسطين: مصيرك بيدك، أرضك تستطيع أن تستعيدها بإرادتك، بخيار عز الدين القسّام، بدماء فتحي الشقاقي ويحيى عياش يمكنك أن تستعيد أرضك من دون أن يمن عليك هذا الصهيوني بزاروب هنا أو قرية هناك، يمكنكم أن تعيدوا أهلكم إلى ديارهم بفخر واعتزاز من دون توسل لأحد، أنتم تستطيعون أن تستعيدوا أرضكم وحقوقكم المشروعة حتى لو تخلى عنكم كل العالم، دعوا هذه الأدلة والحجج جانباً. إنّ طريق فلسطين يا شعب فلسطين، أن طريقكم إلى الحرية هو طريق المقاومة والانتفاضة، المقاومة الجادة والانتفاضة الحقيقية، لا الانتفاضة في إطار أوسلو ، ولا الانتفاضة في خدمة المفاوض المتنازل في ستوكهولم، الانتفاضة والمقاومة التي لا ترضى إلا بالحق كاملاً كما في لبنان. في لبنان: كل لبنان يرفض أن يبقى جزء بسيط من أرضه تحت الاحتلال، هذا النموذج اللبناني الراقي نقدّمه لشعبنا في فلسطين، لتحرير أرضكم لستم بحاجة إلى دبابات ولا إلى توازن استراتيجي، ولا إلى صواريخ، ولا إلى مدافع، بل على طريقة الاستشهاديين الماضين الذين هزوا الكيان الصهيوني الغاصب وأرعبوه، يمكنكم أن تستعيدوا أرضكم أنتم أيها الفلسطينيون المظلومون والعزل والمحاصَرون، يمكنكم أن تفرضوا على الغزاة الصهاينة أن يعودوا حيث أتوا، فليذهب الفالاشا إلى أثيوبيا، فليعد اليهود الروس إلى روسيا، الخيار عندكم والنموذج ماثل أمام أعينكم، المقاومة الصادقة والجادة يمكنها أن تصنع لكم فجر الحرية، يا إخواننا وأحباءنا في فلسطين، أقول لكم: إنّ إسرائيل هذه التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة، والله هي أوهن بيت العنكبوت.‏
لكن إذا كنتم تريدون الاعتماد على الاتحاد السوفياتي كما كان في السابق فلن تصلوا إلى نتيجة، إذا كنتم تنتظرون المجتمع الدولي فلن تصلوا إلى نتيجة، إذا كنتم تراهنون على المعادلات فلن تصلوا إلى نتيجة.‏
يا شعب فلسطين: إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم، يا شعب فلسطين: إن ينصركم الله فلا غالب لكم.‏
وأقول لشعوبنا العربية والإسلامية: أيتها الأمة العربية، يا عالمنا العربي والإسلامي، الخزي والهزيمة والذل والعار من الماضي، هذا الانتصار يؤسس لحقبة تاريخية جديدة ويقفل الباب على حقبة تاريخية ماضية، ضعوا اليأس جانباً وتسلحوا بالأمل، ضعوا الوهن جانباً واشحذوا الهمم والعزائم، إنني اليوم بإسم كل الشهداء في لبنان، بإسم كل المظلومين في لبنان، أطالب الحكومات العربية، بالحد الأدنى، أن توقف التطبيع مع إسرائيل، أن تقطع علاقاتها بـ "إسرائيل"، أن تفرض موقفها وقرارها على إسرائيل، وأطالب الشعوب العربية بأن تقف إلى جانب فلسطين وشعب فلسطين، وأن ترفض أي شكل من أشكال التطبيع مع هذا العدو.. إسرائيل الكبرى هزمتها المقاومة، إسرائيل العظمى تهزمها المقاومة، وأحد أشكالها المهمة مقاومة التطبيع.‏
في لبنان، لبنان الانتصار، لبنان العزة القومية والعربية الإسلامية، لبنان الشرف، لبنان التضحية، لبنان المقاومة، لبنان الشهادة.. أحيي كل المقاومين المدافعين عن هذا البلد، أقول لهم: أقول للمقاومة الإسلامية، للسرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال، لأفواج المقاومة اللبنانية أمل، لجبهة المقاومة الوطنية.. ومن ورائهم هذا الشعب، أيها اللبنانيون: نحن في جوار عدو متآمر، طبعهم العدوان والإرهاب، طبعهم العنصري يفرض عليهم التآمر الدائم، ولذلك يجب أن نبقى جميعاً في جهوزية دائمة نحفظ مقاومتنا ونحفظ جيشنا ونحفظ دولتنا ونحفظ وحدتنا الوطنية والداخلية، لنحصّن هذا النصر، ولنثبت أن لبنان هو القلعة التي لا يمكن أن تهزمها العواصف ولا الأعاصير ولا يمكن أن تشقّها أعتى الزلازل..‏
مبارك للبنانيين والعرب والمسلمين والمسيحيين ولكل المظلومين في العالم، مبارك لروح الإمام الخميني، لموسى الصدر، للقائد الخامنئي، للرئيس الأسد، لكل لبناني، لكل شهيد، لكل عربي شريف، مبارك هذا النصر الذي وضع الأمة كلها على بوابة مرحلة الانتصارات الآتية ووضع إسرائيل على بوابة مرحلة الهزائم الآتية.‏

19-تشرين الأول-2007
استبيان