المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


التحرير/خطابات الامين العام

كلمة الامين العام لحزب الله في الاحتفال الشعبي بمناسبة الذكرى الثالثة لانتصار المقاومة والتحرير 25-5-2003

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين، وعلى جميع الانبياء والمرسلين والشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم الى قيام يوم الدين.‏

السادة الكرام، الاخوة والاخوات، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.‏

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: "واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون" صدق الله العلي العظيم.‏

الحمد لله الذي أنقذنا من الجهالة وحيرة الضلالة وعرفنا طريق الهدى والكرامة، فآوانا وأيدنا بنصره ونحن شعب مستضعف ومحاصر، وأعزنا بعزه وجعل هزيمة أعداء هذه الامة على أيدينا في هذا البلد العربي الصغير في مساحته وتعداد سكانه والكبير الكبير في ايمانه وتوكله وجهاده ومقاومته وتضحياته. أتينا اليوم الى مدينة بعلبك، الى البقاع، الى منطقة بعلبك الهرمل، لنحيي مع أهلها الكرام الأعزاء الذكرى السنوية الثالثة لعيد المقاومة والانتصار والتحرير، وانتخاب المكان منطلق من حقيقة ما جرى في الزمان وصلة هذا المكان بما جرى في 25 أيار 2000؛ صلة العلة بالمعلول، صلة الانطلاقة والقاعدة والمنطلق، البقاع وبعلبك الهرمل وأهلها، هذه المنطقة التي آوت ونصرت واحتضنت وكانت ملاذ المقاومين والمجاهدين عام 1982.‏

نأتي الى مدينة بعلبك والى البقاع لنؤكد عمق العلاقة بين المنطقة وأهلها والانتصار، ولنذكر العالم كله ولنذكر من قد نسي أن المقاومة ولدت هنا في هذه المدينة وفي هذه الأرض، بالحد الادنى مقاومة حزب الله وحزب المقاومة الاسلامية ولد فـي هذه المدينة، في مدرسة الامام المنتظر الدينية، في مسجد الامام علي (ع)، حيث كانت اللقاءات الاولى للسيد القائد الشهيد، السيد عباس الموسوي مع اخوانه المجاهدين المقاومين. وكان القرار، كان القرار أن نقاتل وأن نقاوم وأن نرفض الذل والهوان، أن لا ننصاع للهزيمة عندما قيل أن لبنان دخل في العصر "الإسرائيلي". قلنا أننا نرفض أن نعترف بالعصر "الإسرائيلي"، نحن شعب حي وأمة حية نصنع زماننا والمكان. نحن الذين نصنع عصرنا والمصير، نحن الذين نصنع تاريخنا والمستقبل، ولا يمكن لأحد، لا أمريكا ولا "إسرائيل" ولا أي طاغية في هذا العالم أن يفرض علينا زمانا أو عصرا أو تاريخا أو مصيرا.‏

من هنا كانت الانطلاقة، والى هنا أوى المجاهدون يتدربون في معسكرات التدريب التي احتضنتها هذه الجبال الشامخة وتلك الاودية الطاهرة واحتضنها أهلها وسكانها. هنا كان الملاذ وكان الملجأ ومن هنا كان المنطلق، وهذه المنطقة تحملت عبء المقاومة منذ الساعات الأولى. كانت تقصف وكانت تضرب وكان يهدد أمنها وأمن سكانها وأمن اقتصادها، هذه المنطقة لم تكن في الجبهة الخلفية، كانت دائما في الخطوط الأمامية، كان شبانها ورجالها يقتلون على خطوط النار في الجنوب وعلى أرض بعلبك في هذه الثكنة وفي جنتا وفي معسكرات التدريب. لطالما شيعت بعلبك الهرمل ومنطقتها وأهلها عرسانا وشبانا في هذا الصراع وفي هذه المعركة، ومن حق هذه المدينة أن نأتي جميعا في هذا اليوم، من حق هذه المنطقة أن نأتي جميعا في هذا اليوم لنقدم لها بعض الشكر وبعض الوفاء وبعض التقدير وبعض التكريم. ولذلك كان احتفالنا هذا العام هنا عندما نختار أن نمضي بسرايانا الى مدينة النبطية يوم القدس فللمكان والزمان حساب. وعندما اخترنا أن يكون عيد التحرير الثالث هنا فللزمان وللمكان حساب.‏

أيها الاخوة والاخوات، اليوم نحتفل بالانتصار، هذا الانتصار الذي كان انتصارا الهيا حقيقيا، ما نحتاجه في عيد الانتصار أن نعزز هذه الروح، روح الانتصار وثقافة الانتصار ومعنويات الانتصار، لأنه المطلوب في هذه المرحلة أن تسقط هذه الروح وهذه الثقافة وهذه النفس. أيها الأخوة، ونحن نستعيد مشاهد اقتحام المجاهدين ومعهم الرجال والنساء العزل مناطق الشريط الحدودي المحتل، ونحن نستعيد مشاهد الهزيمة المذلة والاندحار السريع لقوات العدو، ونحن نستعيد مشاهد قصف الطائرات "الإسرائيلية" للمواقع والدبابات لأنه لم يعد هناك وقت لتفكيكها ونقلها، ونحن نستعيد هذه المشاهد، يجب أن نستعيد معها كل الثقافة والأفكار والقيم والمفاهيم والمعادلات التي صُنعت من خلال ذلك الانتصار وتأكدت من خلال ذلك الانتصار؛ وفي مقدمتها أننا أمة لم يكتب لنا الهزيمة.‏

اليوم نسمع بعد سقوط بغداد الكثير من المحبطين المهزومين ليقولوا، نحن أمة كتبت عليها الهزيمة وكتب عليها الذل وكتب عليها الهوان؛ هذا ليس صحيحا، نحن أمة قادرة على أن تصنع النصر، ما جرى في لبنان من أهم جوانب الحجة فيه أنه البلد الصغير، أنه الشعب المتواضع في امكانياته العسكرية والاقتصادية والمادية والسياسية، أنه البلد الخارج من الحرب الاهلية، أنه البلد الذي مزقته الحساسيات والأحقاد الطائفية والمناطقية والفئوية، البلد الذي كان يُنظر اليه على أساس أنه نموذج الضعف والتمزق والتشتت والقلة والفقر والمسكنة؛ اذا به هو يحصل على شرف صنع النصر. هنا تكون الحجة الالهية على كل الحكومات وعلى كل الشعوب.‏

اليوم نحن بحاجة لأن نؤكد هذا الفهم؛ نعم، نحن قادرون على أن ننتصر بالتوكل على الله، بالفعل والعمل، باستجماع عناصر القوة، بالعزم والارادة. لكن للأسف الشديد حتى في بلدنا وفي أمتنا فضلا عن أعدائنا، هناك من يريد دائما أن يسلب أمتنا وشعبنا طعم الانتصار ولذة الانتصار. بعض المهزومين منذ الخامس والعشرين من أيار 2000 كانوا يقولون ويخطبون ويكتبون أن ما جرى ليس انتصارا، كانوا جاهزين لأن يقبلوا أي تفسير للهزيمة من جنوب لبنان وأي تحليل وأي فرضية الا فرضية الانتصار، لا يمكن أن ننتصر، لا يمكن أن تهزم "إسرائيل"؛ "إسرائيل" كرم أخلاق هي انسحبت، هي أتخذت قرارا لوحدها بتنفيذ القرار 425. بعض هؤلاء من حقهم أن يقولوا ذلك لأنهم مملوؤون بالهزيمة من أعلى الرأس الى أخمص القدمين، وبعض هؤلاء من حقهم أن يقولوا ذلك لأن الانتصار في لبنان فضحهم وفضح خياراتهم وفضح تسوياتهم فوقفوا ليقولوا لا، ما جرى في لبنان ليس انتصارا، هو مسرحية هو صفقة هو أي شيء، ولكن هو ليس انتصارا؛ حتى لو سلموا بأن الذي جرى في الخامس والعشرين من أيار كان انتصارا، سيعملون بل عملوا على محاصرة هذا الانتصار ليقولوا أن الانتصار اللبناني هو استثناء خارج عن القاعدة، خارج السياق الطبيعي لحركة التاريخ والأمة، أن ما جرى في لبنان هو واقعة خاصة بلبنان لا يمكن أن تتكرر. وبالتالي يريدون أن يسلبوا قدرة النموذج وفكرة النموذج. أرادوا أن يقولوا لشعب فلسطين ولأي شعب مضطهد كما أرادوا أن يقولوا اليوم للشعب العراقي، أن نموذج المقاومة في لبنان هو حالة خاصة استثنائية تناسب اللبنانيين دون سواهم، مع العلم أن لدى أي شعب آخر وأي بلد آخر وأي دولة أخرى من الميزات ونقاط القوة أكثر بكثير مما كان يملكه شعب لبنان ودولة لبنان، ولكنهم يخافون هذا النموذج، يخافون الأمل، يخافون الثقة، يخافون ثقافة المقاومة وثقافة الانتصار، فأرادوا أن يخنقوها وأن يحاصروها في لبنان.‏

اذا كان هناك أحد في لبنان يفكر أن الانتصار الذي حصل في 25 أيار 2000 هو فلتة شوط، فأنا اقول لكم، للبنانيين، انه ليس فلتة شوط. نحن قلنا في 25 أيار، مع العدو "الإسرائيلي" بدأ زمن الانتصارات، وبعد أشهر قليلة كانت الانتفاضة التي هزت كيان العدو ومرتكزات هذا الوجود السرطاني وأسسه الاستراتيجية. ونحن اليوم نعيد ونكرر ما قلناه في بنت جبيل؛ نعم مع العدو الصهيوني لا مكان للهزيمة بعد اليوم، مع المقاومة وارادة المقاومة وشعب المقاومة وعشق الاستشهاد لا مكان للهزيمة، لا في لبنان ولا في فلسطين ولا في هذه المنطقة في مواجهة العدو الصهيوني؛ وما حصل مرة يمكن أن يحصل مرة ثانية وثالثة ورابعة. ما حصل في لبنان يمكن أن يحصل في فلسطين ولكننا بحاجة الى زمن، بحاجة الى مواصلة العمل والجهاد. الانتصار في لبنان لم يكن وليد عام أو عامين أو ثلاثة أعوام، بل كان نتيجة عشرين عاما من الجهاد المتواصل في الليل وفي النهار، آلاف الشهداء، عشرات آلاف الجرحى، آلاف المعتقلين، مئات آلاف المهجرين، عشرات الآلاف من البيوت المهدمة، التبعات والتضحيات كانت كبيرة جدا؛ وفي نهاية المطاف كان الانتصار.‏

ما نريد أن نؤكد عليه أولا، أن ما جرى في لبنان في 25 أيار ليس استثناء ولا قاعدة ولا واقعة خاصة، وانما يمكن أن يتحقق في أي بلد تحتل أرضه ويتخذ شعبه قرار المقاومة، أيا تكن ظروف وصعوبات هذا الشعب. في فلسطين اتخذ الشعب الفلسطيني هذا القرار بشكل حازم، ومضى وحقق انجازات كبيرة جدا خلال أعوام ثلاثة. وفي العراق لن يكون هناك خيار ولا سبيل أمام الشعب العراقي سوى خيار المقاومة. ها أنتم اليوم تشاهدون - أيها الأخوة والأخوات - وقد قال لنا السيد بوش ورامسفيلد وكولن باول وكونداليزا رايس، قالوا لنا راقبوا جيدا العراق هو النموذج. وأنا أقول أيها الناس راقبوا جيدا العراق هو النموذج. يمكنكم اليوم أن تسألوا الكثيرين ممن علقوا آمالا على الادارة الامريكية الذين صدّقوا وعود الادارة الامريكية. أين هي الوعود وأين هي الآمال؟ قوات التحرير للشعب العراقي، قوات تخليص الشعب العراقي من طاغيته أصبحت قوات احتلال وشرعنت على أنها قوات احتلال. ذهبت وعود الحكومة الانتقالية أدراج الرياح، ذهبت وعود الديموقراطية الى المجهول. أين الأمن؟ أين الإعمار؟ أين الجامعات؟ أين الاقتصاد؟ أين أين أين؟ نعم، يمكنك في العراق أن تقول ما شئت ولكنك لا تملك شيئا، يمكنك أن تملك التعبير ولكنك تفقد ملكية أرضك ونفطك ومائك ومصيرك ونظامك السياسي ومستقبلك أيضا، وها هي أصوات المعارضة وأحزاب المعارضة من أوثق الناس صلة بالادارة الامريكية بالبنتاغون وبالخارجية الامريكية ترتفع، هذه هي أمريكا، هذه هي الخارطة السياسية الجديدة للشرق الاوسط، خارطة الاحتلال العسكري الامريكي المباشر، خارطة التدبير لكل مقدرات أي بلد، خارطة العالم العربي والاسلامي الذي يراد له أن يكون ضعيفا ممزقا مهزوما ليس فيه أيا من عناصر القوة، وتكون القوة فقط للجيوش والجحافل الامريكية التي تملأ أرضنا والاساطيل الامريكية التي تملأ بحارنا ومحيطاتنا، والعلو العلو فقط "لإسرائيل"؛ أما الباقون يجب أن يقبلوا بحقيقة الانسحاق والذل والصغار، وأن لا مكان لكم في هذه الأرض وفي هذا العالم، أنتم في العراق وفي كل هذه المنطقة لستم جديرين بالديموقراطية، يجب أن تحتل بلادكم قوات أمريكية لعشرات السنين ليعلموكم ويربوكم على الديموقراطية وعلى حقوق الانسان؛ انتم من مجاهل التاريخ. يريدون لكم أن يعلموكم كيف يُصنع التاريخ وأنا أقول لكم صناعة التاريخ والحضارة الامريكية هي سياسة الابادة، ابادة عشرات ملايين الهنود الحمر في أمريكا وكندا وفي استراليا وفي فلسطين. هذا هو الذي يراد أن يتحقق وأن يحصل. أيها الأخوة والاخوات؛ النموذج هنا يقول لا خيار لنا سوى أن نقاوم، فالمجتمع الدولي لم يعد لنا أرضا بشرف، والقرارات الدولية كانت دائما حبرا على ورق ليس لها في حسابات وقواميس أمريكا و"إسرائيل" أية قيمة، ان كان هناك من أرض تعود بشرف وكرامة هي الأرض التي استعادتها المقاومة.‏

ثانيا، أقول لكل الذين اهتزت عندهم ثقافة الانتصار وأمل الانتصار من خلال الذي جرى في العراق، سمعتمونا وسمعتم الكثير، ثلاث وعشرون سنة ونحن نعد ونقول وننقل عهد الله، "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، وقد وفى الله بوعده للمجاهدين المضحين، ولكن يقف البعض ليقول أين هو الله في العراق؟ "لماذا لم ينصر العراق ودولته ونظامه وجيشه وفدائييه". أيها الأخوة والاخوات؛ لا يجوز أن يقع أحد في أي التباس في المفاهيم؛ عندما تكون الحرب، ولنقل بصراحة وصدق، لأن هناك مفاهيم يجب أن تصان، عندما تكون الحرب بين طاغوتين وبين ظالمين وبين مغتصبين وبين طامعين حينئذ الله سبحانه وتعالى في قوانينه وسننه يترك المعركة لحساب هذا الطاغية وذاك الطاغية، من لديه جيوش أكبر، من لديه دبابات أكثر، من لديه تكنولوجيا وامكانات مالية واقتصادية أضخم، الأقوى ماديا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا هو الذي يغلب، هذه هي القاعدة؛ أما عندما تكون المعركة بين الظالم والمظلوم، بين الطاغية والمعتدى عليه، بين المستكبرين والمضطهدين والمستضعفين والمعذبين، عندما يختار المظلومون والمعذبون والمضطهدون الذين احتلت أرضهم وانتهكت مقدساتهم، عندما يختار هؤلاء أن يقاتلوا وأن يدافعوا وأن يضحوا وأن يقدموا أرواحهم وفلذات أكبادهم شهداء من أجل أوطانهم وأمتهم وكرامتهم ومن أجل عزتهم وشرفهم وأعراضهم، حينئذ نعم هنا يتدخل الله عز وجل، هنا تمتد اليد الالهية لتعين لتعمل لترمي وتسدد الرمية، فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت اذا رميت ولكن الله رمى. هذا ما كنا نشاهده ونشهده طوال سنين المقاومة في لبنان. نعم، لا يجوز لأحد أن يضلل الناس في قياسات خاطئة في الحرب بين الطواغيت، في الحرب بين المستبدين. الحرب لها حسابات أخرى وللنصر قواعد أخرى، أما عندما تكون المواجهة مع قوم مظلومين مستضعفين صادقين صابرين محتسبين مضحين. هنا وعد من الله سبحانه وتعالى، والله أنجز هذا الوعد وحقق هذا الوعد. ما جرى في لبنان هو تطبيق لهذا الوعد الالهي لأن في لبنان شعب معتدى عليه، بلد مظلوم، ولأن في لبنان قامت مقاومة واحتضنها شعبها ودولتها. في لبنان قامت مقاومة ملتزمة ايمانيا ووطنيا واخلاقيا لا تظلم لا تفسد لا تعتدي على أحد لا تطغى، لا تطلب شيئا من حطام هذه الدنيا الفانية، مقاومة تحترم شعبها بل تعشق شعبها، مقاومة تحترم وطنها بل تقدر وطنها وتقدم له دمها، مقاومة مخلصة صادقة مثابرة جادة عاملة في الليل وفي النهار، مقاومة مدروسة محسوبة مخططة في الفعل والأداء والخطاب والزمان والمكان، مقاومة لا تهزم في روح ولا في قلب ولا في ارادة، مقاومة لله وفي عين الله وفي سبيل الله. هنا من المنطقي ومن الطبيعي، القانون والسنة الالهية والسياق الطبيعي التاريخي يقول هذه مقاومة ستنتصر وهذه المقاومة انتصرت. في 25 أيار 2000 انتصرت، ولم يكن هناك أي مجال للمقارنة لا في القوة العسكرية ولا في القوة السياسية؛ وأنا أذكّر، هل في يوم من الأيام وقف أحد منا وقال نحن لدينا امكانيات "إسرائيل" وقدرات "إسرائيل" العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية؟ أبدا، دائما كنا نتحدث عن تفوقهم المادي ولكن في المقابل كنا نتحدث عن تفوقنا المعنوي، كنا نقول أن اختلال التوازن هنا أنهم يكرهون الموت ونحن نعشقه من أجل الحياة، أن نساءهم كانت تبكي أولادها وهم أحياء وكانت أمهاتنا تزف أبناءها وهم شهداء؛ هنا كان الفارق، هنا كان اختلال الميزان وما زال هنا اختلال الميزان.‏

أيها الاخوة والاخوات؛ أمام التطورات الكبيرة التي حصلت في المنطقة وأمام ما يجري، ما هو المطلوب منا بالتحديد وكيف يجب أن نتعاطى وأن نتصرف؟ قلت قبل قليل، أمريكا في هذه المنطقة لا تريد أن يكون أحد قويا، دعونا من الحق، لا مكان للحق وللحقوق في السياسات الامريكية والمشاريع الامريكية، فلنكن واضحين وصريحين. نحن اليم نقف لنقول نحن في لبنان أقوياء بحقنا، أرضنا محتلة ومن حقنا أن نستعيد أرضنا، أسرانا في السجون ومن حقنا أن نطلق سراح أسرانا، بلدنا مهدد بالعدوان كل يوم ومن حقنا أن ندافع عن بلدنا، هذا الكلام هو صحيح وجميل ولكن الأذن الأمريكية والعقل الامريكي والادارة الامريكية لا تسمع ولا تفهم هذا الكلام. يجب أن نحتفظ بقوة الحق ونضعه معنا الى جانبنا دائما، ولكن ما يجب أن نتمسك به هو حق القوة، هو القوة لأننا في هذا الزمن ان كنا ضعافا لن يعترف أحد لنا بحقوق، لا في مزارع شبعا ولا في الجولان ولا في فلسطين ولا في القدس ولا في المسجد الأقصى. غدا سيصلي اليهود في المسجد الأقصى وبعد غد لن يسمح لكم أن تصلوا في المسجد الاقصى، وبعد غد سيكون المسجد في مهب الريح، كلما نبدي ضعفا كلما ازدادوا جرأة وتوغلا في ارتكاب الجرائم الكبرى والتاريخية. نعم، أمريكا تريد أن تنتزع كل عناصر القوة من منطقتنا، ولذلك في اليوم الأول لسقوط بغداد ارتفع الصوت عاليا لتهديد سوريا ودمشق والقيادة السورية ولتهديد لبنان وبعدها بدأت التهديدات لايران، تصوروا ايها الاخوة والاخوات، فُتح دفعة واحدة لسوريا ملف أسلحة الدمار الشامل ومساندة الارهاب وحركات المقاومة والموقف القومي لسوريا الى جانب فلسطين وتواجد سوريا في لبنان الى جانب لبنان، فُتحت كل الملفات في يوم واحد ودفعة واحدة، واليوم في ايران كل يوم عادوا ليتحدثوا عن النووي والقلق النووي، وفرضوا هذا الخطاب حتى على الدول الثمانية التي اجتمعت في باريس والتي تبحث عن بعض حطام للأسف في عقود النفط هنا أو هناك في العراق؛ ثم ما هو مضحك وتصوروا ان الامريكيين لا مانع لهم أن يوجهوا اتهامات يعرف العالم كله أنها كاذبة، المضحك أن الولايات المتحدة أمس تتهم ايران بالوقوف خلف التفجيرات الانتحارية في مدينة الرياض السعودية، وهذا هو أشبه بالنكتة وبالمزاح منه بالحقيقة، ولكنها أدخلته في سياق حملتها وفي سياق حربها. اليوم يجب أن تصبح ايران ضعيفة، يجب أن تصبح سوريا ضعيفة يجب أن يكون لبنان ضعيفا، يجب أن يضعف الشعب الفلسطيني فلا يقوى على الحراك، هذا ما تريده أمريكا في مقابل ألا تضربنا الا تقصفنا ألا تحتل أرضنا؛ اقطعوا أيديكم قبل أن نقطعها لكم، انتحروا قبل أن ننحركم؛ هذا هو المنطق الامريكي السائد الآن. ولكن في هذا الموقف واجبنا أيها الاخوة والاخوات، واجبنا الديني والايماني، واجبنا القومي والوطني والانساني والاخلاقي أن نتمسك بكل عناصر القوة وأن لا نضحي بأي عنصر من عناصر القوة هذه. أي تضحية بعناصر القوة هو انتحار، هو القاء للنفس في التهلكة، هو ذهاب الى المجهول؛ البعض يقول أن نتمسك بسلاح المقاومة يعني أن نعرّض أنفسنا للضياع، أبدا، أن نلقي سلاح المقاومة، أن يصبح لبنان أعزلا وسوريا عزلاء وايران عزلاء والشعب الفلسطيني أعزلا، هذا هو الانتحار بعينه وهذه هي النهاية المأساوية والمحزنة.‏

اليوم أيها الاخوة والاخوات؛ الادارة الامريكية تريد أن تحقق ما عجزت عنه "إسرائيل" خلال عشرين عاما، تريد بالضغوط السياسية والنفسية أن تحقق ما عجزت عنه "إسرائيل" وجيش "إسرائيل" وموساد "إسرائيل" وأجهزة "إسرائيل" الامنية. على مدى عشرين عاما، عملت "إسرائيل" على تصفية المقاومة في لبنان، قتلت قادتنا السيد عباس والشيخ راغب وخيرة المجاهدين، دمرت بنانا التحتية، أرهبت شعبنا ليتخلى عن المقاومة، وسقط الكثير من الشهداء، عمليات اغتيال، عمليات تجريف المنازل وتهجير السكان، حرب تصفية الحساب في الـ93، حرب عناقيد الغضب في الـ96، مجزرة في قانا وسحمر والنبطية وغيرها وفشلت وفشلت وفشلت.. كل الحروب التي شنتها "إسرائيل" على لبنان خلال الاعوام الماضية كان هدفها تصفية المقاومة في لبنان، كلنا يعرف أن الهدف الاول للاجتياح "الإسرائيلي" عام 1982 كان هدفه القضاء على المقاومة وعلى أي امكانية مقاومة في لبنان في المستقبل وفشلت "إسرائيل" وعجزت؛ جيشها الاسطوري تهاوى أمام المقاومة التي جاء لتصفيتها. اليوم أمريكا تريد من اللبنانيين، من السوريين، أن ينجزوا ما عجزت عنه "إسرائيل"، في فلسطين المحتلة، ومنذ ثلاث سنوات هناك قتل يومي تمارسه "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطيني، تقتل خيرة قيادات وكوادر الفصائل الجهادية في فلسطين، تقتل النساء والاطفال والشيوخ، تجرف المنازل والمزروعات، تقتحم المدن والمخيمات ثلاث سنوات وهي تفعل ذلك ولكنها لم تستطع أن تضرب وأن تصفي البنية التحتية للحركات الجهادية في فلسطين، ما شهدناه قبل أيام خلال الـ48 ساعة، خمس عمليات استشهادية، وبعد سقوط بغداد وبعد شيوع مناخ الاحباط واليأس في الامة، يخرج شباب فلسطين وشابات فلسطين ليقولوا أن المقاومة ما زالت هنا وأن ارادتها هنا وأن روحها هنا وأن عزمها لا يلين. "إسرائيل" اجتاحت الضفة الغربية في عملية السور الواقي، اعتقلت الآلاف وهي تحتل كل مكان في الضفة، ولكنها لم تستطع أن توقف العمليات ولم تستطع أن تصادر كل سلاح وكل عبوة، المطلوب اليوم من حكومة أبو مازن أن تفعل ما يعجز عنه جيش "إسرائيل" وموساد "إسرائيل" ومخابرات "إسرائيل"، أنا هنا لا أريد أن أتحدث في المعادلات السياسية، هل هناك عاقل يقطع يده ويصفي قوته ويضعف روحه وجسده بدعوى أنه يريد أن يذهب للتفاوض؟ اليوم المطلوب هو الفتنة، الفتنة في لبنان والفتنة في فلسطين والفتنة على مستوى الأمة والفتنة في العراق ويجب أن نواجه الفتنة بالوحدة، بوحدتنا الوطنية في لبنان، بالوحدة الوطنية في فلسطين، بالتضامن بين كل أولئك الذين مازال في ضميرهم وفي أرواحهم وفي نفوسهم بقية شرف، على مستوى هذه الأمة.‏

في هذه المرحلة يجب أن نكون حذرين جدا من كل خطاب للفتنة أو شعار للفتنة أو طرح للفتنة، سواء كان سياسيا أو أمنيا أو حتى انمائيا ومعيشيا. أي فتنة اليوم، أي شكل من أشكال الفتنة اليوم في أي بلد وخصوصا في لبنان وفي فلسطين هو خدمة مجانية لأمريكا و"لإسرائيل". أنا أتوسل وألتمس من كل الزعامات والقيادات في لبنان أن تؤجل كل الاستحقاقات الانتخابية، سواء كانت رئاسية أو نيابية أو بلدية، فلتؤجلها قليلا عندما تكون المنطقة كلها تواجه مصيرا ومرحلة تاريخية. لبنان والمنطقة بحاجة الى الرجال الكبار الى الزعماء الكبار، ليس الى زعامات الزواريب، ليس الى زعامات الطوائف وليس الى زعامات المناطق؛ لبنان بحاجة الى الزعامات الوطنية، الى الزعامات التي تفكر بمستوى الأمة، لأن ما نتعرض له اليوم هو كبير وخطير جدا.‏

أيها الاخوة والاخوات؛ نحن في مواجهة المحنة والمؤامرة يجب أن نتمسك بالوحدة، أن نبتعد عن أي منطق أو شعار أو تحرك تفوح منه رائحة الفتنة، يجب أنت نتمسك بالمقاومة؛ وأنا أشكر كل الذين دافعوا عن المقاومة وسلاحها في لبنان. ولكن أريد أن أقول أيضا، من الواجب على لبنان أن يحمي المقاومة وأن يحمي سلاحها وليس من باب المنة أو التفضل، وانما من باب المصلحة الوطنية الكبرى والعليا، لا من أجل عيون أحد وانما من أجل عيون البلد والشعب والوطن والأمة. اليوم نحن في مرحلة في مهب الريح، بالأمس عندما أردنا أن نشرب ماء من الوزاني وهدد شارون بالحرب على لبنان هل كان السبب سلاح حزب الله؟ أم أن السبب أن لبنان يريد أن يشرب بعضا من مائه الذي يحق له، قبل أيام قالت نشرة "إسرائيلية" أن شارون كان يخطط للعدوان على لبنان متزامنا مع الحرب الامريكية على العراق، ولكن الادارة الامريكية طلبت منه الا يفعل ذلك، مع العلم أنه لم يكن هناك أي خلل على الحدود وأي عمليات في مزارع شبعا منذ أشهر. عندما نكون بلدا مهددا يجب أن ندافع عن بلدنا، وفي الدفاع عن بلدنا نحن بحاجة الى الجيش الوطني، نحن بحاجة الى القوات السورية، ونحن بحاجة الى المقاومة ونحن بحاجة الى كل الاحزاب وكل الطوائف وكل الرجال وكل النساء. البعض يقول لندافع عن لبنان هناك الجيش اللبناني، هذا صحيح والجيش اللبناني الآن الموجود في الجنوب يقوم باطلاق المضادات على الطائرات "الإسرائيلية" كما تفعل المقاومة تماما في جنوب لبنان، ولكن كلنا يعرف عندما يتعرض بلدنا لأي عدوان يجب أن نكون جميعا جاهزين ومهيئين وحاضرين لأن نقاتل، هذا ليس انتقاصا من امكانيات وقدرات ومعنويات الجيش اللبناني بل هذا قراءة واقعية لامكانيات العدو وقدرات العدو وتفوق العدو العسكري الذي لا يمكن أن يواجه فقط بقوة الجيش وامكانية الجيش؛ وأنا أزيدكم، ولا يمكن أن يواجه فقط بامكانيات المقاومة الاسلامية في حزب الله، وانما أنا أقول نحن بحاجة ليس أن نعيد النظر بالمقاومة الموجودة فعلا، أنا أريد أن أدعو في عيد المقاومة والتحرير الأحزاب الوطنية وخصوصا القوى الاساسية الى اعادة احياء أطر المقاومة لديها، لأننا يجب أن نكون جاهزين ومستعدين في مواجهة أي تحدٍ. في هذا السياق أعتقد أننا لسنا بحاجة على المستوى الوطني لتقديم تطمينات، أظن أن تجربة المقاومة طوال السنوات الماضية ـ يعني تطمينات تتعلق بسلاح المقاومة ـ أظن بأن أداء وتجربة المقاومة طوال السنوات الماضية اثبتت صدقيتها، أن هذا السلاح يتجه الى قبلته المعروفة، أن هذا السلاح عقيدته وثقافته ودينه وخطه وكل ما فيه هو أن يقاتل هذا العدو، وأن يحمي كل هذا البلد وكل هذا الشعب وكل هذا الوطن، تجربة أداء المقاومة الاسلامية تحرير جزين، تجربة المقاومة الاسلامية في 25 أيار 2000 أعتقد أنها كافية لتطمئن من ما زال يعيش بعض القلق في قلبه. أنا هنا مجددا أعلن وقد سبق الفعل القول، لقد سبق الأداء في الميدان وفي الساحة كل كلام، سلاح حزب الله هو ليس سلاحا حزبيا وليس سلاحا مذهبيا وليس سلاحا طائفيا، أثبت خلال التجربة كلها أنه سلاح للوطن وأنه سلاح للبنان لكل شعب لبنان، وأنه سلاح للأمة، ويجب أن يحفظ هذا السلاح المدخر والمنذور - للذين يعرفون بالنذر - والموقوف - للذين يعرفون بالوقف - المدخر والمنذور والموقوف لقتال الصهاينة وكل غزاة يمكن أن يفكروا بالاعتداء على لبنان، هنا نتوحد في الساحة، يحضر جيشنا الوطني ومقاومتنا الشريفة ويحتضنها الوطن ومعنا سوريا، سوريا عرين الأسد التي كانت وستبقى عرين الأسد ومن خلفنا الجمهورية الاسلامية في ايران التي تثبت وتتمسك بمبادئها وبقيمها، ومن أمامنا الشعب الفلسطيني المضحي، الشعب المعجزة القادر على أن يصنع المعجزة. ان كان اللبنانيون قد حققوا استثناء أنا أتنازل وأقول استثناء في 25 أيار 2000 فان ما شهدناه خلال الأعوام الثلاثة الماضية من الشعب الفلسطيني وما شهدناه خلال الايام القليلة الماضية يؤكد أن الشعب الفلسطيني هو أقدر على أن يصنع اسثناء أعظم وأكبر من الاستثناء اللبناني؛ هنا نتمسك بحقوقنا وعناصر قوتنا. يقال لنا لماذا لا تعترفوا بالمتغيرات، في الـ91 قيل لنا نفس الشيء في 90-91 بعد عاصفة الصحراء قالوا دخلت المنطقة في العصر الأمريكي، وبعد مؤتمر مدريد قالوا لم يعد هناك مكان لا للمقاومة ولا لخطاب المقاومة ولا لسلاح المقاومة، ضعوا المقاومة جانبا. وبعد أوسلو قالوا لنا " الله يعطيكم الحج والناس راجعة " هذه أوسلو قد شطبت فلسطين، على ماذا تراهنون أنتم والى أين تتطلعون؟ أنتم وبعد وادي عربة قيل لنا هذا الحصار يشتد، أنا أسألكم بالله، هل كانت أمريكا ضعيفة في العشر سنوات الماضية؟ هل كانت أمريكا دولة عادية في العالم؟ أم كانت القوة الاولى في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؟ هل كانت "إسرائيل" ضعيفة أم كانت "إسرائيل" قوية؟ هل كانت الأمة العربية ضعيفة أم كانت قوية، الأمة العربية كانت ضعيفة والمقاومة كانت مستفردة ومتروكة وأمريكا كانت قوة عظمة على المستوى الدولي و"إسرائيل" قوى عظمة على المستوى الاقليمي. ما الذي حصل؟ استمرت المقاومة في لبنان عاما بعد عام، صمد لبنان في الـ93 وصمد لبنان في الـ96 وكانت النهاية أن انتصر لبنان في 25 أيار 2000، بعد ماذا كان الانتصار؟ ! كان الانتصار بعد عاصفة الصحراء، بعد القواعد العسكرية في الخليج والأساطيل الأمريكية في البحار، البعض يقول لنا هناك جديد، أمريكا أصبحت على حدودنا، أصلا هي من الأول على حدودنا، هي من الأول "إسرائيل" على حدودنا ودائما الأساطيل على مقربة عشرات الكيلومترات من سواحلنا؛ ومتى كانت أمريكا بعيدة حتى نقول أنها قربت؟ ومتى كانت ضعيفة حتى نقول أنها قويت وحتى نأتي ونقول نعم هناك متغيرات يجب أن نعيد النظر؟ ان ما نتمسك به هو حقنا في العيش، هو حقنا في الحياة الكريمة هو حقنا في أرضنا وهم يريدون أن ينتزعوا منا قوتنا لنبقى أصحاب حق بلا قوة ونحن نرفض أن نفعل ذلك.‏

اليوم أيضا يجب أن يستمر هذا الرهان على المقاومة، لا يجوز أن نيأس على الاطلاق، وأنا أقول لكم، ما يجري في فلسطين هذه الأيام هو دليل خير، واستمرار العمليات الجهادية والاستشهادية هو تعبير عن هذه الارادة، عن صمود لبنان وسوريا في وجه التهديدات، هو علامة خير ودليل على هذه الارادة، ان بقاءنا في ساحة المقاومة في الجنوب، ان تمسكنا بسلاحنا واستعدادنا للتضحية.‏

نحن اليوم في عيد المقاومة، قد يتصور البعض وقد يحلو للبعض أن يتصور أننا غادرنا ساحة الجهاد، أن روح الجهاد والمواظبة والاستعداد والجهوزية قد تراجعت لدينا، أن عيوننا بعد 25 أيار باتت مشدودة الى الخلف وعقولنا في الخلف وقلوبنا في الخلف، لا وأنتم لاحظتم ذلك. نحن لا زلنا في الخط الأمامي وعيوننا في فلسطين وقلوبنا في فلسطين وحضورنا في الجبهة، لم نضعف، بل عملنا لنكون أقوى لنكون جاهزين أكثر لأننا نعرف طبيعة هذا العدو الذي يحتل بقية أرضنا وأرض الجوار؛ ولذلك أنا أعلن هنا في عيد المقاومة والتحرير والانتصار، أعلن وليس من باب لا الحماس ولا الانفعال ولا المزايدة، أبدا و الاسرائيليون يستمعون كل مانقول ويقول أننا نفتعل حربا نفسية وأننا لا؛ أساسا هم كل شغلهم حرب نفسية، أنا لا أشتغل حربا نفسية، أنا أريد أن تعرفوا واقع الحال هنا في بلدكم في لبنان. هذا اليوم، أليست الصحف "الإسرائيلية" قالت أن شارون كان يريد أن يشن عدوانا على لبنان متزامنا مع العدوان الامريكي علىالعراق؟ في ذلك اليوم نحن كنا في أعلى درجات الاستنفار، لم نعلن ذلك لأننا لا نريد أن نشتغل اعلام ولا نريد إخافة أحد، كنا في أعلى درجات الاستنفار والجهوزية وكنا في أعلى درجات الاستعداد والنفس. الذي كان في ذلك اليوم هو أقوى من أي زمن مضى لأننا نجمع اليوم نفس الجهاد ونفس الانتصار. أصلا ليس هناك مجالا للمقارنة المعنوية بين مجاهدي المقاومة الاسلامية وجنود وضباط جيش الاحتلال، أنا أريد أن أقول أكثر من هذا لعدونا الأحمق، ان أكبر خطأ تاريخي يمكن أن ترتكبه الادارة الامريكية أو حكومة شارون هو أن تشن في أي وقت قريب عدوانا عسكريا على لبنان أو على سوريا، لأن هذا العدوان سيواجه بمقاومة استشهادية وسيكون الانتصار كبيرا وستقلب الطاولة على الجميع وستعود المنطقة الى زمن المتغيرات، ليست المتغيرات التي تصنعها أمريكا و"إسرائيل"، هنا في لبنان المتغير يصنعه الشهداء المجاهدون المقاومون والدماء الزكية. نحن في مواجهة أي عدوان لا يتوقع أحد منا أن ننهزم أن نهرب أن نخاف، نحن على هذه الأرض، هنا ولدنا، وأنا كنت أقول دائما، هنا ولدنا وهنا عشنا وهنا نموت وهنا ندفن، نحن هنا في هذا البلد قرارنا وخيارنا أن ندافع عن وطننا وشعبنا وكرامتنا وعزتنا وشرفنا، وأيا تكن الجحافل التي تستهدف هذا البلد. كيف نواجه الجحافل أيها الأخوة والأخوات؟‏

من الدرس الذي تعلمناه في التاريخ، من شعارنا الذي لا يمكن أن يتبدل أو يتغير "هيهات منا الذلة، هيهات منا الذلة". نحن هنا شعب الشهداء ومقاومة الشهداء ومسيرة الشهداء ولا يمكن أن نتطلع الى الخلف، بالعكس عندما ننظر الى الخلف ونرى قادتنا وشهداءنا وأحبتنا نخجل أن نتردد، نندفع الى الأمام أكثر؛ هذا هو المطلوب منا في هذه المرحلة، أن نؤكد خيار المقاومة، أن نحمي سلاح المقاومة، أن يتحمل الجميع في لبنان مسؤولية حماية هذا السلاح، ألا يطعن أحد بهذه المقاومة التي هي قوة للبنان، ومن كان لديه نقاش أو قلق أو تردد اتجاه حقيقة هذه المقاومة أو نوايا هذه المقاومة فليتفضل؛ نحن جاهزون لأي حوار داخلي ولأي نقاش داخلي، لكن المهم أن نتماسك بقوة.‏

في هذه المرحلة في فلسطين الأمور ستستمر في هذا الاتجاه، نحن هنا جاهزون لمواجهة أي تحد، وأنا أقول لكم وليس كلاما جديدا، المنطقة دخلت في مرحلة صعبة هذا صحيح، ولكن لسنا وحدنا الذين نعيش الصعوبات، أمريكا نفسها بدأت تواجه وستواجه الكثير من الصعوبات في هذه المنطقة، فشلها في ادارة شؤون العراق واضح وأكاذيبها انكشفت وأنا أقول لكم أيضا ولدينا معلومات أكيدة على هذا الصعيد عندما تسمعون في وسائل الاعلام كل يوم تقريبا جندي أمريكي مات قتل واثنين أو ثلاثة جرحوا، اثنين أو ثلاثة قتلوا وثلاثة أو أربعة جرحوا، طيب أول اثنين انقلبت بهم الملالة وثاني اثنين تشقلبت فيهم الدبابة وثالث اثنين وقعت فيهم الطائرة، كل يوم هؤلاء يبدو سمعنا نحن في وسائل الاعلام أنهم استعانوا بجنرالات وخبراء "إسرائيليين" أثناء غزو العراق وأنهم اليوم يستعينون بخبراء "إسرائيليين" في مواجهة أي حركة مقاومة محتملة في العراق، وهذا الخبر يبدو صحيحا لأن هذا الذي نسمعه الآن هو تجربة "إسرائيلية". في جنوب لبنان كنا نقتل الجنود "الإسرائيليين" وندمر دباباتهم وبعد عدة أيام يعلنون أن ثلاثة أو أربعة - تصوروا نفهم أن الكهرباء تلطش واحد ولكن هل تلطش دبابة؟! - كانت الكهرباء تلطش الدبابة والولس والشاحنة في جنوب لبنان.‏

ما أود أن أقوله هو التالي، كنا أو كان البعض منا ينتظر ويقول أن انطلاق عمليات مقاومة في العراق ستحتاج الى شهور أو الى سنوات طويلة، ولكن يبدو، المعلومات تؤكد أن هؤلاء لا يقتلون في حوادث السير، ولا تلطشهم الكهرباء، هؤلاء يقتلون بالرصاص، يقتلون بالعبوات، وهذا أمر طبيعي جدا، هذا رد فعل طبيعي جدا لأي شعب يشعر بأن أرضه محتلة، وأنا أعتقد بأن هذه الحالة ستكبر يوما بعد يوم لأن الرهانات السياسية بدأت تتلاشى، لأن وعود الربيع بدأت تذهب سريعا جدا. يبدو أن العراقيين لن يكونوا بحاجة الى سنة لاختبار نوايا الولايات المتحدة، الولايات المتحدة لم تصبر شهرين. شهيتهم أيها الاخوة والاخوات، كلنا نعرف لماذا أتى الأمريكان الى العراق، ليس من أجل ديموقراطية ولا من أجل الحريات العامة ولا من أجل انقاذ الشعب العراقي، اليوم عندما ترون المقابر الجماعية، حتى لا يلتبس الموضوع على أحد، ننظر الى المقابر الجماعية فنقول أف.. صدام حسين ماذا فعل بشعبه، الامريكان معهم حق أن يزيلوا صدام حسين، طبعا ذهاب صدام حسين هو مطلب للعدل للحق، لكن ليس مع الامريكان هذا الحق، حتى وأنتم تشاهدون بالتلفزيونات لا تدعوا الموضوع يلتبس عليكم، هذه المقابر الجماعية التي تضم، لأنه يوجد أيضا عشرات الآلاف من المفقودين، يوجد 200 ألف مفقود في العراق، بعد انتفاضة الجنوب العراقي بعد عاصفة الصحراء، عندما انتفض الشعب العراقي واخذ البصرة والنجف وكربلاء والمساوا والكوت وو.. ووصلت الانتفاضة الى أبواب بغداد، كل الوثائق والمعلومات تقول أن صدام حسين انهار وأنه طلب اللجوء السياسي الى مصر أو الى الجزائر وأنه تجهز للرحيل، لكن تدخلت بعض الدول العربية ولأسباب ترتبط بحقد دفين، وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية وأعطت الضوء الأخضر وقدمت المساعدة لصدام حسين ليدمر الانتفاضة، ليدمر المدن في جنوب العراق، ليقتل 200 ألف عراقي خلال أيام قليلة. أيها الناس، في العالم وخصوصا في لبنان والعالم العربي، أنتم الذين تسمعونني الآن، يجب أن تعرفوا جيدا أن هذه المقابر الجماعية لم يصنعها صدام حسين لوحده، صنعتها معه أمريكا، صنعها معه الدعم الامريكي والحماية الامريكية، وأمريكا هي شريك في كل الجرائم التي ارتكبها صدام حسين بعد عاصفة الصحراء وقبل عاصفة الصحراء، هذه هي الحقيقة اليوم. هذا الشعب العراقي لن ينتظر على ما يبدو ولن يحتاج الى سنة، لأن الأمور باتت واضحة ومحددة. اذا نحن ايها الاخوة والاخوات في مرحلة مصيرية، كنت أود في بقية الوقت، ولكن لم يبق وقت أن أتحدث قليلا عن الشأن الداخلي والاقتصادي والمعيشي والانمائي، ولكن هذا لوحده يتطلب كلاما، وأنا أعتذر منكم أنه لم يبق وقت لهذا الكلام، ولكن أريد أن أقول في هذه المرحلة المصيرية، المرحلة لا تقتضي أن نتخلى عن سلاحنا، انما نقول من لم يكن لديه سلاح فليحصل على السلاح، ان من ليس لديه ارادة فليذهب وليفتش كيف يصنع ارادة ويبني ارادة، من كان يشعر بالضعف عليه أن يتطلع الى ربه والى الشهداء والمجاهدين وهذه الأمة المليئة بالخير من حوله، ليستعيد بعض القوة وبعض العنفوان، نحن في مكان لا مكان فيه للاستسلام، خلال عشرين سنة لم نستسلم، لم نضعف، بل بالعكس، القتل زادنا قوة، دماء السيد عباس وام ياسر زادتنا قوة، قيود الشيخ عبد الكريم ومصطفى الديراني والأسرى في السجون زادتنا قوة، جرحانا الذين فقدوا عيونهم أو أعصابهم أو أيديهم أو أرجلهم زادتنا قوة، أمهاتنا والآباء زادونا قوة، التجربة تقول لنا ذلك، وهذه القوة نحن مؤتمنون عليها، هي قوة لكم جميعا. أنا لا أتحدث عن انتخابات نيابية نتنافس فيها، أنا لا أتحدث عن انتخابات بلدية نتنافس فيها، أنا لا أتحدث عن حصص بغيضة في النظام الطائفي البغيض في لبنان نتنافس عليها، أنا أتحدث عن لبنان عن وطن عن شعب عن مصير عن أمة عن مستقبل لا يمكن أن نحميه لا بالدموع وانما بالدماء، لا بالشعارات وانما بالسلاح، لا بالصراخ وانما بالمقاومة والقتال، لا بالوهن والضعف وانما بالقوة وبالثبات، هذا اذا كنا نريد لشعبنا أن يبقى في هذه الأرض وأن تبقى خيراتنا لنا ومياهنا لنا.‏

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ليس عندنا نفط، لو كان لدينا نفط لأتوا إلينا الامريكان. هنا اذا اردنا أن تبقى خيراتنا لنا وأرضنا لنا وكرامتنا لنا، هذا ما نحتاجه وهذا ما يجب أن نحميه في عيد المقاومة وفي عيد التحرير.‏

مبارك للأمة كلها، لشعوب أمتنا العربية والاسلامية، للبنانيين من كل الطوائف ومن كل المناطق ومن كل الاتجاهات، للدولة والشعب والجيش والمقاومة، لعوائل الشهداء وعوائل الاسرى والاسرى والجرحى، للمجاهدين والمقاومين والمرابطين، مبارك هذا الانتصار ومباركة لكم جميعا ارادة المقاومة وعزم المقاومة وصمود المقاومة. بهذه الوجوه الطيبة والمنيرة، وبهذا الحضور الكبير الذي نعتز به من السادة الوزراء والنواب والعلماء ومسؤولي الاحزاب والشخصيات والفعاليات، ان شاء الله الشعب المتضامن والعازم والمصمم لن يرى في هذا البلد الا الخير والسعادة والنصر.‏

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏

23-تشرين الأول-2007
استبيان