المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


مقالات

نجمة ميلاد في "الحارة"!




ادمون صعب ـ صحيفة السفير اللبنانية

خُيّل إلى كثيرين، أول من أمس، ان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ممثلاً بالنائب البطريركي المطران سمير مظلوم، ورئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، قد أضاء نجمة في شجرة الميلاد في حارة حريك يداً بيد مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله.
هكذا بدت لأهل الضاحية الزيارة التي قام بها الاسقفان المارونيان إلى قائد المقاومة. واعتبروا ان إعادة وصل العلاقات بين بكركي ونصر الله هي «إشارة أمل ورجاء» في أسبوع الميلاد، و«مشعل هداية».
لقد أضاء الوفد نجمة أمل في فضاء التيئيس الذي يشعر به فريق كبير من المسيحيين. ذلك أن العشب كان قد نبت على طريق التواصل بين بكركي وحارة حريك، جراء مواقف سيدها السابق البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، والتي كان أخطرها، بل أكثرها استفزازاً وتباعداً بين الطرفين، «النداء السابع» الذي صدر عن مجلس المطارنة الموارنة في 7 أيلول 2006، اثر اندحار الإسرائيليين في حرب الـ33 يوماً على لبنان التي ألحق بها العدو الإسرائيلي الخراب والدمار بالكثير من المنازل والمنشآت والبنى التحتية في الجنوب وبيروت ومناطق أخرى في الجبل والبقاع، إضافة إلى سقوط قرابة 1400 شهيد من المواطنين الأبرياء.
في تلك الأثناء، كان هناك من أوغر صدر سيد بكركي حيال المقاومة، موحياً له ان «حزب الله» هو الذي تسبب في إنزال ويلات بالوطن جراء تفرّده بقرار الحرب بخطفه جنديين إسرائيليين من أجل مبادلتهما بأسرى للحزب في سجون الكيان الصهيوني. وتوّج أصحاب هذا القصور مقاربتهم ما حصل في حرب تموز بنظرية «التفرد بالقرار» التي حددها النداء بالآتي: «هناك جماعات تنفرد بالقرار فتأخذ البلاد إلى حيث لا تريد. وهنا الطامة الكبرى». مضيفاً أنه «كلما انفردت جماعة طائفية بموقف له عواقبه على البلاد جرت الوبال عليها»، في تجاهل لحقيقة ساطعة هي أن إسرائيل، هي التي شنّت حرباً ظالمة على لبنان، وان خطف المقاومة لجنديين إسرائيليين لا يمكن اعتباره «تفرداً بقرار الحرب» التي حمّلت بكركي «حزب الله» مسؤولية ما نتج عنها.
وقد وجّه البطريرك الراعي، الذي خلف البطريرك صفير صاحب النداء، تحية إلى الشهداء الذين حرروا الأرض، خلال زيارته الأخيرة للجنوب، ووجد في استمرار وجود أراضٍ محتلة مبرراً شرعياً لاستمرار المقاومة وسلاحها في الجنوب. وقد جاهر بذلك في الوطن، كما في المحافل الدولية، وكانت هذه الإشارة الأولى من بكركي إلى ضرورة إزالة الأعشاب التي غطت الطريق بينها وبين حارة حريك طوال 5 سنوات، امتنع خلالها «حزب الله» عن التعليق على مواقف البطريرك صفير أو الردّ على تصريحاته في شأن المقاومة وذلك احتراماً لموقع بكركي الوطني. ومثله فعل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بتمنٍٍّ من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يُظهر حرصاً دائماً على الوفاق الوطني والعيش المشترك والوحدة الوطنية. وقد تجلّى ذلك أخيراً في الموقف الذي اتخذه من لقاء بكركي الماروني الجمعة الماضي والذي أعلن تبنيه مشروع «اللقاء الأرثوذكسي» بأن ينتخب المسيحيون نوابهم في أي قانون جديد للانتخاب. فهو احتوى ردود الفعل السلبية، إسلامياً ومسيحياً، من هذا الموقف بدعوته المعترضين على الطرح الأرثوذكسي للنظر إليه «ليس كسبب بل كنتيجة لهواجس متراكمة، وتجارب سابقة، ومسار طائفي عام في البلد». والرئيس بري أدرى الناس بمن وبما أوصل المسيحيين إلى هذه الحال حيث تحول العيش المشترك، في نظرهم، وهماً وتوجسوا من مشروع انتخابي جديد، قبل إكمال مستلزمات الطائف، على أساس انهم دفعوا أغلى الأثمان منذ وضع أول قانون انتخاب بعد الطائف عام 2000 وعرف بـ«قانون غازي كنعان» لأنه جرى تفصيله على قياس الرئيس رفيق الحريري و«الحريرية السياسية» التي توسّلت هذا القانون للإمساك بالسلطة، والهيمنة على المؤسسات، وجعل المال السياسي مفسدة للديموقراطية. وقد تحوّل عدد كبير من النواب المسيحيين تابعين لهذه الحريرية نظراً إلى ان مفتاح ترشيحهم وفوزهم في الانتخابات بفضل المال وتقطيع الدوائر ونقل النفوس، بين أيديها. وهذا «النظام» لا يزال قائماً حتى اليوم، ويا للأسف، بشهادة الرئيس بري الذي دعا إلى مقاربة موقف بكركي المتعاطف مع طرح «اللقاء الأرثوذكسي» في إطار النسبية والمناصفة، على أساس «ان هناك حاجة حقيقية وعميقة ـ في نظر بري ـ لمعالجة مشكلة فعلية في البلد تتعدى إطار المشروع الانتخابي»، وتستدعي «إيجاد حل متكامل يطمئن كل اللبنانيين ويعطيهم حقوقهم».
ويُظهر موقف بري هذا مدى الحاجة إلى التعجيل في إحياء طاولة الحوار الوطني التي كان رئيس المجلس المبادر في شأنها قبل أن تؤول إلى رئيس الجمهورية الذي يواجه صعوبات وعراقيل من أجل معاودتها اجتماعاتها، خصوصاً جانب الحريريين الذين يُعتبرون الهدف الرئيسي للشكاوى المارونية من تهميشهم، وتحويل المناصفة، التي يكرر الحريريون تمسكهم بها، من وسيلة للإنصاف، إلى تهديد بإعادة النظر فيها إذا ما تمرّدت المرجعية المسيحية على الإرادة الحريرية.
وإذا كانت الحاجة ملحة لعقد مؤتمر وطني للحوار تجاوباً مع دعوة البطريرك الراعي إلى عقد جديد بين اللبنانيين يقوم على إتمام الطائف وتعديل ما يثبت وجود نقص فيه، وتبني الزواج المدني الإلزامي وفصل الدين عن الدولة، على أمل إلغاء الطائفية السياسية مقدمة لإلغاء الطائفية كلاً والسير في انصهار وطني يؤدي إلى دولة مواطنة ومجتمع متجانس تتقدم فيه الهوية الوطنية على أي هويات فرعية سواء أكانت طائفية، أم مذهبية، أم اتنية ـ فإن ثمة حاجة إلى رياضة روحية مسيحية في بكركي يدعو إليها البطريرك أمراء الحرب المسيحيين والزعماء والمفكرين وممثلي المجتمع المدني من الجنسين، للبحث في الأسباب التي أوصلت المسيحيين إلى «حافة الهاوية» هذه، والتي وصفتها إحدى الباحثات الفرنسيات، وهي متخصصة بمشكلات مسيحيي الشرق، ومنهم لبنان، بـ«الصدمة التي أحدثتها إخفاقات الزعماء المسيحيين وانحرافاتهم، بالإضافة إلى التجاوزات الميليشياوية المسيحية»، داعية إلى «حركة تنظيمية تصحيحية داخل المجتمع المسيحي» مما يزيل من الأفق الهواجس والتوجسات ومظاهر القلق على المستقبل. وهذه خطوة ضرورية لمصارحة الذات وتحديد المسؤوليات عما أوصل المسيحيين إلى مرحلة بات بعضهم يفكّر في تحويل الوطن مجموعة منابذ ومحميات، والمؤسسات الدستورية فيه مجالس ملّية تذكرنا بالعصور الوسطى.
فليبدأ المسيحيون بأنفسهم، قبل إلقاء تبعات تهميشهم على الآخرين.
22-كانون الأول-2011
استبيان