المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


عن حرب تموز 2006

"أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية"..حالوتس: سنبدو أضعف من بيت العنكبوت لو خرجنا من بنت جبيل (11)



علي دربج (جريدة السفير اللبنانية)
"خطاب بيت العنكبوت" لم يفهم وزير الدفاع عمير بيرتس لا ماهيته ولا مناسبته ومكانه، إلا ان بعد قدم الشرح له رئيس دائرة البحث في هيئة الاركان العامة يوسي بايدس. في الحلقة الحادية عشرة من كتاب «أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية" للمؤلفين الاسرائيليين عوفر شيلح ويوءاف ليمور، استكمال لرواية العملية العسكرية في مدينة بنت جبيل والمداولات التي جرت بين بيرتس وكبار الضباط وطرح خلالها احد الضباط عليه السؤال "ما رأيك في أن تقوم بإلقاء الخطاب هناك".
اصدر قائد المنطقة الشمالية الجنرال أودي أدام الذي كان ما يزال متردداً في شأن العملية العسكرية في مدينة بنت جبيل، بعد حادثة إطلاق النار على القوات الإسرائيلية وصعود دبابتين من طراز "ميركافا" فوق عبوة ناسفة ومصرع اثنين من أفراد الجيش، اوامره الى كل من قائد لواء المظليين حغاي مردخاي وقائد لواء غولاني تمير يادعي بعدم إخراج قواتهم من بنت جبيل، غير انه كان ما يزال يجد صعوبة في فهم الانجازات العسكرية المحتملة والفائدة المتأتية من تعريض حياة الجنود للخطر من اجل هدف غير واضح مثل قتل عناصر "حزب الله" واخذ اسرى منهم، وهما امران لم يكن لهما في رأيه اي تأثير في نتائج الحرب.
في ذلك اليوم، اي الثلاثاء 25 تموز 2006، أنهى نائب قائد المنطقة الشمالية ايال بن رؤوفين بلورة خطة جديدة تقوم في اطارها فرقة النيران بالعمل الى الغرب من وادي السلوقي، في حين تقوم الفرقة 162 بالعمل شرقي هذه المنطقة.
وفي ساعات الليل، تحدث أدام هاتفياً مع رئيس هيئة الأركان العامة دان حالوتس الذي عاد في هذه الأثناء الى إسرائيل، وقد قال له حالوتس "عليك الآن توسيع الإنجازات". شكك ادام في القدرة على إحراز أي انجازات، متسائلا "ماذا تقصد بكلمة احتلال؟ وهل القصد هو الانتقال من بيت الى آخر؟ إذ أن هذا الامر يتعارض مع خططي". فأجاب حالوتس "إذا كان يجب القيام بالاحتلال فعندها علينا أن نحتلّ"، مع انه كان سمح لأدام قبل وقت قصير من ذلك، بإخراج لواء عسكري من تلك المنطقة. وقد أنهى حالوتس كلامه بالقول "انا لا اعتزم ان أقول لك كيف يجب ان تقوم بذلك".
اما بن رؤوفين الذي روى له أدام مضمون المحادثة فقد صرخ قائلا "أن نحتل مدينة بنت جبيل يعني ان نصل الى الحارة القديمة فيها، أي أنه سيكون هناك عشرات القتلى من دون أي داع لذلك، وحتى قبل أن نكون بدأنا بالمهمة الحقيقية، وأننا سنعلق هناك أسبوعاً". وفي نهاية الامر جرى الاتفاق على توسيع التمركز، أي التقدم نحو خط من البيوت يقع داخل البلدة، يكون على مسافة قصيرة من البيوت التي سبق ان تم الاستيلاء عليها. اما أدام الذي كان اصدر قبل يومين تعليمات معاكسة تماماً (تقضي بعدم دخول المناطق المبنية مهما تكن الاوضاع)، فأصدر هذا الامر عن غير قناعة.
نهار الجمعة 28 تموز، عندما اصبحت علامات الفشل تخيم على الاجواء، استذكر بن رؤوفين هذه المحادثة قال لحالوتس "إنني اجد نفسي حراً في ان اقول ما اعتقده، وسأقوم بإطلاق السهام عليك. ان كل شيء معكوس تماماً. فأنتم تشغلون انفسكم بالمستوى التكتيكي أي احتلال بنت جبيل او عدم احتلالها، اما نحن فنشغل أنفسنا بمستوى المعركة الشامل". وختم نائب قائد المنطقة الشمالية حديثه مع حالوتس بالكلمات القاسية التالية "ان المسؤولية عن الجنود الثمانية القتلى من لواء "غولاني" تقع على عاتقك، وأنت أيضاً من يتحمل ذنب هؤلاء الجنود الذي قتلوا في بنت جبيل".
وخلال العملية العسكرية التي نُفذت في المدينة، اجتمع كبار ضباط الجيش بوزير الدفاع عمير بيرتس لمناقشة الوضع. ووصف هؤلاء الضباط ما جرى، إذ قال رئيس دائرة البحث في هيئة الاركان العامة يوسي بايدس وكمن يتطرق الى حقيقة يعرفها الجميع "هذا هو المكان الذي ألقى فيه الامين لعام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله خطابه(بعد التحرير في الالفين)".
لم يُخف بيرتس عدم معرفته فسأل "أي خطاب؟ وفي حين كان الضباط في الغرفة، يبذلون جهودهم كي لا ينظروا في عيون بعضهم بعضاً، شرح بايدس بأناة وصبر ان المقصود هنا هو "خطاب بيت العنكبوت"، الذي القاه نصرالله بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان والذي سخر فيه من قوة إسرائيل وقال انها اضعف من بيت العنكبوت. ثم طرح احد الحاضرين فكرة، إذ قال لبيرتس "ما رأيك في أن تقوم بإلقاء الخطاب هناك".
ليس ثمة شك في أن هذه الفكرة لاقت استحسان بيرتس، لكن لا صحة للقول الذي ذكر لاحقاً وهو ان الجيش أصرّ على استمرار العملية في المدينة، لأن بيرتس أراد أن ُيلقي شخصياً خطاباً في قلب عاصمة "حزب الله". من جهة أخرى، من الواضح انه طول العملية العسكرية، بما في ذلك القرارات التي اتخذها حالوتس، إزاء خلافات الرأي بين ادام ونائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي، بشأن ما إذا كان يجب الخروج من المنطقة يوم الثلاثاء في 25 تموز وفقاً للخطة او مواصلة العملية العسكرية مقابل ضآلة الإنجازات.
يدل اسم العملية العسكرية بحد ذاته على ذلك. إذ أُطلق عليها، وليس عن طريق المصادفة اسم "خيوط الفولاذ".
قرر حالوتس البقاء في بنت جبيل، وذلك انطلاقاً من تلك الاسباب نفسها التي بموجبها سنبدو كأننا أضعف من بيوت العنكبوت لو خرجنا من هذه البلدة. ومع طلوع فجر اليوم التالي، اتضحت مرة أخرى تلك المسافة بين القرار المتعلق بـ"توسيع الإنجازات" والنشاط العسكري في الميدان، وبين ما سُجل في وعي المواطن الاسرائيلي.
وقبل وقت قصير من فجر الأربعاء 26 تموز، بدأت الكتيبة (51) تحسيناً إضافياً وطفيفاً على مواقعها في اطراف المدينة، استناداً الى التوجيهات التي مكنت من الدخول قليلاً الى المنطقة المبنية، وتحركت الكتيبة بقوتين واحدة بقيادة يانيف عاشور والثانية بقيادة مساعده الميجر روعي كلاين.
باشرت فصائل الجنود اقتحام البيوت بهدف التمركز فيها. عدد من عمليات الاقتحام الهادئة لم ينجح، فاضطرت القوات الى أن تستخدم الشواكيش أيضاً، بالإضافة الى الطلقات النارية والمتفجرات لفتح الأبواب. وهكذا تحولت العملية الهادئة الى صاخبة الأمر الذي دعا عناصر "حزب الله" الذين كانوا في المنطقة الى التحرك بسرعة. وفي حين كانت إحدى القوات بقيادة اللفتنانت عميحاي مرحافيا، تقتحم البيوت، لاحظ أحد أفراد القوة، وكان يحمل رشاشاً على كتفه من طراز "نيغف"، طيفاً على مسافة عدة أمتار من زاوية البيت فأطلق النار نحو وأصابه.
لم يكن هذا البيت كميناً خطط له "حزب الله"، وانما مجرد اشتباك جرى مصادفة. فقد كان هناك في البيوت المجاورة عناصر من الحزب، اختبأوا من النيران ومن نقاط مراقبة الجيش. وكان الاعتقاد السائد أنهم نائمون جميعاً، ولذا فإنهم لم يطلقوا النيران إلا بعد ان أدّت عملية اقتحام البيوت واصوات نيران الرشاشات الى إيقاظهم. وعندها استيقظوا وأطلقوا نيراناً كثيفة من خلال النوافذ. ولسوء الحظ فإن البيوت التي كانوا فيها شكلت دائرة شبه مغلقة حول المنطقة التي تمركز فيها جنود "غولاني".
خرج عميحاي مرحافيا وجنوده من البيت وهم يركضون، فاصطدموا بالعيارات النارية وبالقنابل التي أصابت أربعة منهم من ضمنهم مرحافيا نفسه الذي قتل. وفي هذه المرحلة استيقظ عناصر "حزب الله" جميعهم، فانطلقت العيارات النارية من اتجاهات متعددة. وقد وقعت المعركة من مسافات قصيرة، من بيت الى آخر تقريبا. وبدأت السرية (أ) (التي اصيب قائدها بجروح) بقيادة مساعده قائد الكتيبة روعي كلاين، وضابط يدعى إيتمار كاتس كان قائد سرية في السابق وقد انضم الى هذه السرية لدى دخول جنوب لبنان وتولى قيادتها بعد إصابة قائدها، بالهجوم على بيت مجاور انطلقت منه عيارات نارية عدة من قبل عناصر "حزب الله".
كلاين الذي يبلغ من العمر 35 عاما وهو من سكان مستوطنة عيلي في نابلس، وخريج معهد بني دايفيد شبه العسكري في المستوطنة المذكورة، قاد جنوده على غرار ما فعل مرحافيا في عملية التفاف في اتجاه البيت الذي أطلقت منه النيران، فأُطلقت من داخله قنبلة يدوية أيضا. واستناداً الى شهادة جندي اللاسلكي المرافق لكلاين، فإن هذا الأخير ألقى نفسه فوق القنبلة، ونجح في إنقاذ حياة جنوده، إلا انه دفع حياته ثمناً لذلك.
وفي غرفة القيادة في المالكية، وجد قائد لواء "غولاني" تمير يادعي صعوبة في قراءة صورة المعركة. فقد شاهد النيران المنطلقة من خلال الصور التي التقطتها طائرة صغيرة من دون طيار، لكن كل شيء في هذه الصور كان كثيفا، إذ أن الطلقات النارية جاءت من الاتجاهات كافة. وفي نهاية الامر لاحظ ان عناصر "حزب الله" يتمركزون في معظمهم، بجانب مسجد قريب من مكان الاشتباك. وعلى الفور استدعى طائرة من سلاح الجو قصفت المسجد بصاروخ، الأمر الذي أسفر عن قتل عدد من (المخربين). كذلك أصيب عدد آخر من عناصر "حزب الله" في المنطقة نفسها، جرّاء نيران اطلقها جنود السريّة المعاونة التابعة للكتيبة (51) والتي كانت استدعيت لمساعدة الجنود.
عبر قائد الكتيبة يانيف عاشور الطريق تحت وابل من النيران وانضم الى مقاتليه. ضابط عمليات الكتيبة يوني شبطون، الذي حاول الوصول الى منطقة الحادث اصطدم في الطريق بمنصتين لإطلاق صواريخ الكاتيوشا، وكانتا موضوعتين تحت شجرة زيتون، وبجانبهما نحو 30 صاروخا. وقال عاشور في وقت لاحق من المحتمل أن تكون هذه المنطقة كلها عبارة عن حيز لإطلاق الصواريخ، ولذ وُجد فيها عناصر "حزب الله" بأعداد كبيرة للغاية وقد قاتلوا بضراوة بعد ان تم اكتشافهم..
هذه الضراوة في القتال جابهها جنود "غولاني" بجرأة وتضحية. في هذه المعركة (التي لم يكن لدى هؤلاء الجنود أي تفوق إذ انهم لم يعرفوا الأرض، كما أنهم كانوا محاطين من كل اتجاه تقريبا) قتل جنود عاشور، على الرغم من عدد المصابين، عددا من مقاتلي الحزب.
بالمقابل كان الثمن في هذه المعركة باهظاً. إذ قُتل 8 من لواء "غولاني" ومن ضمنهم كلاين ومرحافيا، واصيب 23 جنديا. وفقط في الساعة التاسعة صباحاً هدأ إطلاق النار الشديد بالتدريج، غير أن إطلاق النار المتقطع استمر حتى ساعات ما بعد الظهر. وخلال المعركة كان عاشور قلقاً إزاء عزم "حزب الله" اختطاف جندي او جثة جندي، لذ كلّف احد الجنود المسؤولية عن هذا الأمر فقط.
بعد ذلك استدعى عاشور بواسطة جهاز لاسلكي، سرية الهندسة التابعة للواء "غولاني" حيث قامت بإنقاذ عدد من الجرحى التابعين للقوة التي يرئسها كاتس، إذ نقلتهم الى المبنى الذي وجد في قائد الكتيبة. كذلك قامت قوة تابعة لدورية "غولاني"، بقيادة قائد كتيبة الدورية يوآف ياروم، بإجلاء جميع الجرحى الى نقطة الهبوط المرتجلة الخاصة بالمروحيات العسكرية. وفي الطريق اصطدم جنود الدورية مرتين بنيران "حزب الله"، وعملت ست مروحيات على نقل الجرحى الى داخل الأراضي الإسرائيلية.
بدا واضحا إن المعركة التي وقعت في بنت جبيل، كانت أنموذجا للطريقة التي لم ينجح فيها الجيش الإسرائيلي، بسبب التعليمات والتخطيط، وفي انهيار مجالات تفوقه في القوة والنيران. فلواء المظليين الذي كان على الطرف الآخر من البلدة لم يشارك في القتال قط. مع انه استمر ساعات طويلة، كما ان الدبابات التابعة للواء السابع، والتي كانت على بعد نحو كيلومترين فقط عن موقع المعركة، بقيت هي أيضا خارج الأراضي اللبنانية تحسباً للعبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع، بحيث لإن قوتها النارية لم تستغل.

في الحلقة المقبلة: البحث عن صورة انتصار.. وقصة "هجوم الراية"
18-كانون الثاني-2012
استبيان