المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


عن حرب تموز 2006

«أسـرى فـي لبـنان: الحقـيـقـة عن حـرب لبـنان الثانيـة» 17



علي دربج (جريدة السفير اللبنانية)
في الحلقة السابعة عشرة من كتاب «أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية» للمعلّقين الإسرائيليين عوفر شيلح ويوءاف ليمور، سرد لحكاية هجوم فرقة عسكرية إسرائيلية كاملة على مرجعيون، سرعان ما انهار في أقل من أربع وعشرين ساعة.
بعد ظهر الخميس في 10 آب، وقف قائد تشكيل «عمود النار»، الضابط إيرز تسوكرمان، بالقرب من السياج الحدودي مع لبنان في منطقة المطلة قبالة كفركلا، بينما وقف في مواجهته وبرأس منحنٍ، اللفتنانت كولونيل بِني، قائد إحدى الكتائب المدرعة التابعة للتشكيل. وكان للكلمات التي قالها الأخير مدلولها الواضح بأنه ليس مستعدا لأن يدخل لبنان على رأس كتيبته، كي ينضم الى القوات الموجودة في منطقة مرجعيون الواقعة شمالي شرق مستعمرة المطلة. هذا المشهد الذي لم يشهد تاريخ الجيش الإسرائيلي كثيراً مثله، كان من المشاهد الدراماتيكية للغاية في «حرب لبنان الثانية».
قال بِني لقائده تسوكرمان «أنا لست مستعدا لدخول لبنان كقائد عسكري وإني لست مؤهلاً لذلك». حاول تسوكرمان إقناعه قائلا «يا بِني هذه حرب، وأنا أريد ان تفهم تماما مدلول ذلك»، فأجابه بِني «أنا افهم يا إيرز، لكن أرجوك ان تفهمني. لستُ مؤهلاً لقيادة هذه الكتيبة».
لقد شاركت أربع فرق عسكرية في المرحلة الأخيرة من مراحل الحرب، ومن هذه الفرق جميعا كان تشكيل «عمود النار» يجسّد الى أين قاد الإهمال المتواصل من جانب الجيش الاسرائيلي تجاه قوات الاحتياط، فرفضُ الامتثال للأوامر العسكرية الذي أبداه اللفتنانت كولونيل بِني، يُمثل حادثا خطرا داخل واقع لا يقل خطورة.
تأمل تسوكرمان اللفتنانت بِني بتمعن، وبعد ذلك تمتم قائلا: لو كان قال لي انه يرفض الدخول الى لبنان، لما كنت تبادلت معه كلمة واحدة، بل كنت أرسلته الى الشرطة العسكرية. لكن ما رأيته لم يكن جُبناً، وإنما قائد كتيبة أمضى عاماً في منصبه من دون ان يقوم بأي تمرين، ولا يملك ثقة بقدراته الشخصية. وعلمت أيضاً ان الضابط «موتي» قادم وأنه سيكون قائد الكتيبة الواثق بنفسه والذي تثق الكتيبة به. لذا قررت عدم معاقبته وفي تلك اللحظة علي ان أُصفي حسابي معه بعد الحرب».
عندما دخلت الكتيبة مرجعيون، كان «موتي» يجلس في برج دبابة قائد الكتيبة، في حين جلس اللفتنانت بِني داخل الدبابة كمقاتل. وفي أحاديث خاصة جرت بعد ذلك قال تسوكرمان «كان عليّ ان اصعد الى هذه الدبابة بنفسي، فأدخل برجها، وأضع بِني في الجزء السفلي منها ثم أقود الكتيبة الى لبنان». كان تسوكرمان رُقّي الى هذا المصب لأنه تميز في القتال، لا في الوحدة البحرية الخاصة فحسب، بل ايضاً كقائد للواء «غولاني» في النشاط العسكري داخل المناطق المحتلة فضلا عن انه قاد جنود «وحدة إيغوز» في عمليات مطاردة (المخربين).
إلا ان الإخفاق الأدائي لكل من تسوكرمان وفرقته، لم ينجم قطعا عن الجهل وعدم المعرفة بعلم المدرعات ومنظومات الدبابات، بل لأن تسوكرمان لم يعرف كيف يصبح رجل مدرعات، وأكثر من ذلك لم يعرف كيف يصبح قائد فرقة.
ففي 27 تموز وهو اليوم الذي وافقت فيه الحكومة على تجنيد ثلاث فرق احتياط، ادرك تسوكرمان ان فرقته بقيت خارج القتال مرة أُخرى. فأسرع الى قيادة المنطقة الشمالية والتقى رئيس أركان الاحتياط البريغادير شوكي شحرور الذي قال في محاولة للتخلص من تسوكرمان العنيد «لقد انتهوا من تجنيد ثلاث فرق» فرد عليه تسوكرمان «صحيح هناك ثلاث فرق كما تقول، لكن تعال نعدّ الجنود. يوجد فقط فرقة واحدة (التشكيل الناري) جُندت بالكامل، وهذا يعني أنه تم تجنيد 40,000 بدلا من 60,000 جندي». بعدها حصل تسوكرمان على لواءين (مشاة ومدرع) سيتوجهان الى لبنان اما الثالث فسيبقى ضمن الاحتياط تحسبا لاشتعال الوضع في الجولان.
تسوكرمان الذي لم ينتظر كي يكلفه أحد بمهمة ما، صار واضحاً له في جميع الاحوال انه وفرقته لا يثيران اهتمام القيادة بصورة خاصة، اكتشف بعد الاطلاع على الخطط القيادية ان (الفرقة 162) التي كانت موجودة في قطاع المطلة حتى ذلك الحين، توشك أن تقوم بهجوم من سلسلة جبال راميم (في المنارة في الجليل الاعلى الشرقي) في اتجاه الغرب. وهنا قال لنفسه «ان احداً لا يشغل نفسه بمرجعيون والخيام وهذه هي فرصتي بالضبط».
استناداً الى ذلك وضع تسوكرمان خطة لاحتلال الخيام من خلال هجوم مع اللواءين، وقد اثارت هذه الخطة الحماسة إذا قال له قائد المنطقة الشمالية أودي أدام «انني أرى اخيراً عملية عسكرية حقيقة على مستوى الفرقة». وعلّق احد الأشخاص الذين كانوا في غرفة القيادة وبصورة غير مفاجئة على ذلك بقوله «ان واضع هذه الخطة الذكي هو نفسه، الذي لم ينشأ في سلاح المدرعات».
لم يكن هناك أي قيود على العملية العسكرية التي قام بها تسوكرمان في قرية الخيام. قيل له قبل العملية إنها قرية شيعية خالية من المدنيين، أي إن الموجودين كلهم فيها من «حزب الله»، وبالتالي لا يوجد أي قيد على استخدام الأسلحة النارية. إلا انه سرعان ما اتضح له انه وقيادته لا ينظران الى هذه المهمة بعين واحدة: ففي حين تحدث هو عن احتلال القرية، أي العبور من بيت الى بيت وتطهير خلايا «حزب الله» وتدمير معداتها القتالية، كانت التعليمات الصادرة عن القيادة تقول إن هذا الأمر غير وارد في الحسبان وإن التعليمات تقضي بالسيطرة على المنطقة فقط.
لم يكن تسوكرمان يعرف بالضبط حجم العدو الذي يقف أمامه، ولا طريقة انتشاره كما أنه كان قلقا إزاء الخلايا المضادة للدروع، ولا سيما تلك التي قد تقوم بضرب اللواء المدرع في أثناء عملية الالتفاف التي سيقوم بها من الشمال أي التحرك على مسافة عشرة كيلومترات في منطقة مكشوفة يتراوح مداها بين 4 و5 كيلومترات (وهو مدى أكبر من مدفع الدبابة)، الأمر الذي يزيل معظم طرق الدفع في هذا التحرك. عدا عن ذلك فإن تجربته في الساحة اللبنانية كقائد وحدة «إيغوز» علّمته أن «حزب الله» يملك مهارة كبيرة في مجال إصابة الدبابات الموجودة خارج مواقعها.
نهار السبت 5 آب جاءه ضيف معروف هو قائد المنطقة الشمالية السابق عميرام ليفين، الذي كان يقوم بجولة في الشمال، وقدم له نصائح تكتيكية وعملانية على حد سواء. ونصحه بإدخال الدبابات وإيقافها بمحاذاة البيوت التي تحميها من الصواريخ المضادة للدروع وتشكل مخبأ لها في آن واحد. في حين ان دخول البيوت من قبل قوات المشاة كان يعني الدعوة الى إطلاق نيران مضادة وقاتلة من الجانب الآخر. لكن أكثر نصائحه أهمية كانت: «دعك من الخيام واحتلال القرى الأخرى وقم بتركيز جهودك على تدمير منصات الصواريخ».
بدأ تسوكرمان، يخطط لكل شيء من جديد، وكان الهدف الذي اختاره هذه المرة هو السيطرة على حوض الليطاني، إذ كانت صواريخ «الكاتيوشا» تنطلق من هناك من داخل مواقع عسكرية أقيمت في أحضان الطبيعة». لم تخطر في باله وكذلك القيادة، فكرة إنزال الوحدات الماهرة في اصطياد الخلايا، مثل وحدتي « شلداغ» او «ماجلان» في تلك المنطقة. وفي وقت لاحق قال تسوكرمان «لقد نسيت الوحدات الخاصة في الطريق الى فوق».
وفي اليومين التاليين بدأ تسوكرمان تجميع الفرقة حوله، وكانت هذه القوات لا تزال تعتقد ان الخطة هي نفسها التي كانت لديهم منذ البداية أي الهجوم المشترك في بلدة الخيام. في المقابل كان تركيز القائد منصباً على منطقة مرجعيون، وقال لنفسه انه سيتمكن من هناك من السيطرة على منطقة حوض الليطاني، وبالتالي التعرض لصواريخ «الكاتيوشا» الموجهة ناحية «كريات شمونة»... وقرر عدم تبليغ القادة بهذا التغيير.
وصلت القوات على مهل، والأسوأ من ذلك ان كل واحدة منها كانت في وضع من الجهوزية مختلف عن الآخر. بعدها وصل رئيس هيئة الاركان دان حالوتس ونائبه موشيه كابلينسكي الى قيادة الفرقة نهار الثلاثاء 8 آب، فقدم تسوكرمان، الخطة التي وضعها بإيحاء من ليفين، وفحواها الدخول الى مرجعيون والسيطرة على مراكز إطلاق الصواريخ الموجودة على ضفة نهر الليطاني.
غضب قائد المنطقة الشمالية أودي أدام غضبا شديدا، إذ شعر ان الجميع يعملون ضده. واحتدم الجدال وكانت النبرات عالية مترافقة مع تجريحات شخصية. وفي نهاية الأمر تدخل دان حالوتس وأصدر التعليمات الى قائد المنطقة الشمالية أدام، وإلى تسوكرمان قائد الفرقة بتسوية الخلاف بينهما، فاجتمعا على انفراد، وبعد بضع دقائق من الحديث الحانق بينهما أُقرت الخطة. وبعد إقرار الخطة جمع تسوكرمان قادة الوحدات التابعة للفرقة كي يقوموا بعملية الرصد بالقرب من المطلة.
نهار الأربعاء في 9 آب دخل لواء المشاة أولاً، وعلى مسافة نحو نصف كيلومتر من المطلة سقطت على قافلة المقاتلين المكتظين قذائف «هاون» دقيقة التوجيه. وشاهد تسوكرمان من موقع المراقبة الذي كان موجودا فيه على جبل «تسفيه» القذائف وهي تسقط وتم تبليغه النتائج وهي قتيل واحد وجريحان. سأل قائد اللواء الكولونيل أنور عما يجب فعله. اصدر تسوكرمان التعليمات بالمضي بالمهمة، فقام اللواء بالتمركز في القليعة ومن دون مشكلات حقيقة. ومع حلول الظلام بدأت القوات المدرعة تتحرك باتجاه مرجعيون. كان يفترض بالكتيبة الطليعية ان تصل البلدة وتدخلها، لكن الكتيبة التي يقودها اللفتنانت كولونيل بِني الذي كان لا يزال يترأس قوته، نفذت حركة غريبة، تمثلت في الذهاب والإياب، إذ دخلت البلدة وأطلقت قذائف الدبابات تجاه الخيام ثم غادرت. فساهم هذا الأمر في زيادة المخاوف.
حدث هذا كله في مقابل قوة صغيرة جدا من «حزب الله»، ففي مرجعيون لم يكن هناك إلا وحدات قليلة تابعة لـ«حزب الله»، وهذا امر كان يعرفه الجيش مسبقاً عن طريق معلومة استخباراتية...
لاحظ ضابط ذو رتبة صغيرة نسبيا، نشاطاً غير عادي داخل المستشفى الفرنسي في الخيام. وتوصل الى نتيجة تفيد بوجود قيادة «حزب الله» هناك، فقام سلاح الجو بقصف المكان نحو 15 مرة، بالمقابل فإن مقاتلي الحزب الميدانيين داخل الخيام لم يرفعوا رؤوسهم، بل اختبأوا او انتظروا الهجوم الإسرائيلي الذي لم يحدث، كما انتظروا وقوع خطأ من جانب القوة التي تقوم بالمناورة ذهابا وإيابا.
فجر الخميس في 10 آب دخلت القوة المدرعة بقيادة الكولونيل غيل الى مرجعيون، فجوبهت بنيران قذائف «آر بي جي» من مسافات قصيرة، كما اصطدمت بعبوات ناسفة كانت عُلّقت على جدران البيوت بارتفاع الدبابات، لكنها لم توقع إصابات في صفوف القوة بسبب تعليمات مسبقة من تسوكرمان بضرورة إغلاق أبراج الدبابات داخل المنطقة المبنية. أحدث الاصطدام بنيران هذه القذائف حالة من الفزع في القوة. وتسبب ايضاً بحالة من الارتباك في صفوف ضباط القيادة. هناك عدة روايات لما جرى بعد ذلك، غير انه من الواضح ان قسماً من الكتيبة الأمامية انسحب في حالة من الذعر باتجاه الأراضي الإسرائيلية.
توجه الى عملية الإنقاذ قائد سرية ومساعده لكنه ضل الطريق ونزل إلى الغور حيث علق بين قنوات الري (سهل الخيام ـ مرجعيون)، ومع طلوع النهار أصبحت هذه القوة مكشوفة أمام أعين خلايا «حزب الله» التي كمنت في المنطقة.
من الصعب أن نجد تعبيرا لهذا الوضع أفضل من تعبير «طيور الإوز في مرمى النار». دبابات «الميركافا» ومركبات من طراز «بوما» تتلقى ضربات مباشرة. أحد الجنود لقي مصرعه. قائد سرية الهندسة أصيب إصابة خطرة. وهكذا انتشرت القوة كلها في الوادي. بينما نزل الجنود مذعورين من المركبات واختبأوا داخل المنطقة، كما سقطت دبابتان في القنوات وغرقت فوهتا مدفعيتهما فيها الأمر الذي زاد من صعوبة إنقاذهما... ولاحقا تبين أن حصيلة العملية ثلاثة قتلى من الجيش الاسرائيلي.
في غضون اقل من أربع وعشرين ساعة انهار الهجوم الإسرائيلي الذي شنته فرقة عسكرية كاملة، على بعد عشرات الأمتار من السياج الشائك، وأمام عدو ضئيل لم يبادر الى شيء، وليس هناك أي طريقة لإجمال الأمور سوى القول ان «تشكيل عمود النار ألحق الهزيمة بنفسه».
في اليوم التالي، تلقى تسوكرمان قرارا يحظر عليه اجتياز وسط مرجعيون في اتجاه الشمال، في الوقت الذي كان يخطط لهجوم مشاة من الجنوب على قرية الخيام. كان الجميع منهكاً ومهزوما نفسياً ويتملّكه الشعور بالإخفاق، لذا قام قائد المنطقة الشمالية أودي أدام بإصدار الأمر بإلغاء الهجوم على الخيام، وبذلك انتهى القتال الذي خاضه تشكيل «عمود النار».
(الحلقة المقبلة: مكشوفون في السلوقي)
27-كانون الثاني-2012

تعليقات الزوار

استبيان