المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


عن حرب تموز 2006

"أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية" (20)

قصاصة ورق تسكت «خطاب المعجزة»: 12 قتيلاً بكاتيوشا على كفار غلعادي 



«قصاصة من الورق» منعت رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت من اكمال «خطاب المعجزة الكبيرة» الذي كان يلقيه خلال جلسة لحكومته في السادس من آب 2006، وتضمن عددا من الأقوال البلاغية بشأن حجم رباطة جأش الحكومة و«إنجازاتها». القصاصة المذكورة كتب فيها: «صاروخ كاتيوشا سقط بالقرب من كفار غلعادي شمال كريات شمونة وأوقع إصابة مباشرة بقوة من جنود الاحتياط». وهكذا انتهت الجلسة من دون قرار حقيقي.
تعرض الحلقة الحالية من كتاب «أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية» للمعلّقين الإسرائيليين عوفر شيلح ويوءاف ليمور، لقصة صاروخ الكاتيوشا القاتل الذي أدى الى مقتل 12 جنديا من المظليين، بعدما اختبأوا بجانب حائط، هربا من غبار المحجر الذي تجمعوا فيه في كيبوتس كفار غلعادي.
نهار السبت في 5 آب، اجتمعت مجموعة الوزراء السبعة في رابع جلسة لها، وهي الأخيرة خلال حرب تموز، كما انه في اليوم نفسه، أعلنت الولايات المتحدة وفرنسا أنهما بلورتا مسودة قرار في مجلس الأمن. وأوضح التقرير الذي قدمته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني للحضور ان الوقت آخذ بالنفاد من دون أن تكون هناك إنجازات. وبذلك تكون المرحلة الأخيرة للحرب بدأت عملياً وهي المرحلة التي تحول فيها رئيس هيئة الأركان دان حالوتس من أكبر معارض للنشاط البري الى الشخص الذي دفع أكثر من الجميع الى تنفيذ اكبر حملة عسكرية (خصوصا عملية النقل الجوي الأكبر في تاريخ الجيش الإسرائيلي التي عرضنا لها في الحلقة الماضية).


وقد انجرّ وزير الدفاع عمير بيرتس وراء حالوتس مثلما كان انجرّ قبل ذلك في الاتجاه المعاكس، كما اقر رئيس الحكومة إيهود اولمرت خطوات لم يكن يؤيدها سابقاً.
نهار الأحد في 6 آب عقدت الحكومة جلسة جديدة، ولم يكن برز في بدايتها الانقلاب في موقف القيادة العسكرية، وقدم خلالها رئيس شعبة العمليات غادي أيزنكوت صورة وردية نسبياً للوضع «اننا موجدون اليوم دخل حزام يتراوح ما بين 5 و 10 كيلومترات».
بعده، تحدث وزير الدفاع مؤكدا أنه ضد الدخول البري الواسع وقدم أسبابا من الماضي قائلاً «في سنة 1982 خلال حرب لبنان الأولى كان هناك 240 قتيلا في الأسبوع الأول، وحدث هذا عندما كنا في مواجهة الفلسطينيين، وكان السكان يلقون علينا الأرز. أما الآن، فيوجد أمامنا 6000 مقاتل (لم تكن هذه الأقوال دقيقة).

دلت أقوال بيرتس على نوعية الاستخبارات التي كانت لدى الجيش، وكذلك على الإلمام التاريخي لدى وزير الدفاع. فبعد ثلاثة أيام، بلّغ رئيس شعبة الاستخبارات أيزنكوت المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية أن ما يتراوح بين 3000 و4000 مقاتل من «حزب الله»، يقفون أمام إسرائيل، وفي سنة 1982عندما دخل الجيش الإسرائيلي لبنان، وقف في مواجهته نحو 15,000 من مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية.
وهاجم وزير البنى التحتية بنيامين بن إليعزِر موقف بيرتس، وقال ان «ما يمكن عمله إزاء صواريخ الكاتيوشا يتمثل في احتمالين: احتلال بري والانتقال من بيت الى بيت، أو التسوية السياسية».

صاروخ الكاتيوشا القاتل


هنا ألقى أولمرت «خطاب المعجزة الكبيرة» لكن أقواله البلاغية بشأن حجم رباطة الجأش الحكومة وإنجازاتها قوطعت عندما جرى إدخال قصاصة من الورق الى الغرفة كتب فيها: «صاروخ كاتيوشا سقط بالقرب من كفار غلعادي شمال كريات شمونة وأوقع إصابة مباشرة بقوة من جنود الاحتياط». وهكذا انتهت الجلسة من دون قرار حقيقي.
الجنود الذين أصيبوا ينتمون الى «الكتيبة 9255» التابعة «للواء المظليين الشمالي» وكانوا جُنّدوا قبل أيام قليلة ونقلوا الى منطقة «إصبع الجليل». ولأن إطلاق صواريخ الكاتيوشا اتسع وامتد الى منطقة بحيرة طبريا، حيث يوجد قسم كبير من قوات الاحتياط التي كانت جُنّدت قبل ذلك. فقد قررت «الفرقة 162» التي وضع اللواء بإمرتها تركيز سرية قيادة الكتيبة داخل محجر تابع لكفار غلعادي.

أزعج الغبار الذي تصاعد من المحجر الجنود، فقرروا تغيير المكان، لكن الجندي الذي كان يحرس مدخل «الكيبوتس» قال لهم انه وفقا للتعليمات التي تلقاها، فان دخولهم «الكيبوتس» يحتاج الى موافقة. لذا عسكروا في هذه الأثناء، داخل موقف قريب يُستخدم للمركبات بالقرب من مقبرة «الكيبوتس»، بينما اختبأ جنود آخرون قريبا من جدار المقبرة، اعتقاداً منهم أن هذا الجدار سيحميهم، لكن صاروخ الكاتيوشا القاتل سقط هناك بالضبط، فلقي اثنا عشر جنديا مصرعهم نتيجة انفجاره . وقد كشف هذا الحادث كم كان الجنود مكشوفين للإصابة، وذلك في مقابل المواطنين الذين كانوا موجودين داخل الملاجئ.

أولمرت ولعنة الكاتيوشا


بعد حادثة كفار غلعادي، في 6 آب، قال النائب الأول لرئيس الحكومة شعمون بيريس لأولمرت «إذا استمرت صواريخ الكاتيوشا في السقوط أسبوعاً آخر، وإذا قُتل عشرة أشخاص آخرين جرّاءها، فإنك لن تبقى رئيساً للحكومة».
وكان الاسبوع الذي مضى قبل التوصل الى وقف لإطلاق النار، حمل معه وابلاً من صليات صواريخ الكاتيوشا قتلت أكثر من خمسين جندياً، أي نحو نصف عدد الجنود الذين قتلوا خلال الحرب كلها. وهكذا في نهاية هذه الحرب، لم تعد الأغلبية الحاسمة من مواطني إسرائيل راغبة في بقاء اولمرت رئيسا للحكومة.
«هناك ظاهرة معروفة على امتداد التاريخ، لا علاقة لها بالمكان والزمان، هي ميل الحكومات الى تنفيذ سياسة تتعارض مع مصالحها الذاتية». هذه الجملة التي اقتبست من كتاب «مسيرة الحماقة» لبربارة توخمان كانت فقط بداية حكاية ردود أفعال قادة إسرائيل في الأسبوع الأخير من حرب لبنان الثانية، إذ ان ما قرره كل من رئيس الحكومة ووزير الدفاع، في تلك الأيام، كان مناقضاً لما كانا قالاه وآمنا به، بنفسيهما، وليس فقط قبل ذلك الأسبوع بل أيضا خلال مجريات الاحداث كلها.

نهاية فاشلة

نهار الأحد صباحاً في 13 آب، بعد أن عبرت قوات المدرعات وادي السلوقي ايضاً وتمركزت في هضبة فرون ـ الغندورية، اصدر أدام الأمر لهذه القوات بوقف تقدمها نحو الغرب، إذ لم يكن هناك في رأيه معنى لتورط آخر. ان النهاية التي توصل إليها الجيش الإسرائيلي، لم يتم فيها إحراز أي شيء من الأمور التي كان عرضها رئيس الأركان داني حالوتس نهار الأربعاء في 9 آب أمام المجلس الوزاري المصغّر: «لا توجيه ضربة جوهرية ضد «حزب الله»، ولا إبراز للإصرار والقدرة على الأرض، وطبعاً لا إحساس بإحراز الانجاز».

في تلك الساعات، قال نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي ان الهدف هو التوصل الى وقف لإطلاق النار والخروج من هناك بأقصى سرعة ممكنة. وسنقوم بتسليم المنطقة الى من يأتي حاملاً علم لبنان أو الأمم المتحدة. وكانت مخاوف الجيش هي ان المكوث الطويل والأكثر مما يجب سيمكّن «حزب الله» من البدء بملاحقة القوات الإسرائيلية، الأمر الذي سيحوّل خروج هذه القوات من الأراضي اللبنانية الى رحلة اهانة. وهكذا فإن السيطرة على الأرض من دون حسم، تحولت الى عبء على الجيش بدلاً من ان تشكل إنجازاً له.

وفي الوقت الذي كانت تدور فيه المعارك الأخيرة في الجنوب اللبناني، اجتمعت الحكومة الإسرائيلية صباح الأحد 13 آب من أجل المصادقة على اتفاق وقف إطلاق النار، وكان جو الكآبة مخيما على الجمهور الإسرائيلي، وهو ما برز في أقوال الوزراء، وليس في التقرير الذي قدمه رئيس شعبة الاستخبارات عاموس يادلين الذي واصل وصف «الانجازات التي تحققت»، وتوجّه الى وزير البنى التحتية بنيامين بن إليعزِر المتجهّم الوجه قائلا له «لم نخسر الحرب. «حزب الله» ليس هو «حزب الله» الذي كان سابقا كما أن نصر الله ليس هو نصر الله نفسه».

بدا وزير المواصلات شاؤول موفاز متحفظاً. وقال «لقد كانت هناك إنجازات، لكنني لا استطيع تأييد المصادقة على الاتفاق (وقف النار)، لأنه لا يتضمن ذكراً لموضوع المختطفين. ويجب أن تكون لنا إضافة على هذا الاتفاق، يصبح بموجبها، مقياس جدية الطرف الثاني هو اولاً وقبل أي شيء، إعادة المختطفين من دون أي شرط، وهذا الأمر يظهر في قرار الحكومة الصادر في 17 تموز.. والحد الأدنى الذي نقبل به هو نقل المختطفين الى طرف ثالث. ويجب أن نقرر أيضا انه إذا ما أخلّ «حزب الله» بقرار وقف إطلاق النار، فإن هذا القرار لن يعود ساري المفعول بعد ذلك».
وسارع آخرون الى الوقوف الى مهاجمة بعضهم بعضاً بسبب انعدام الإخلاص، فوزير الداخلية روني بار أون هاجم موفاز قائلا «ما المقصود بالقول «إننا فشلنا وخسرنا وإننا أكلناها؟ وهل الجيش بحاجة الى إعادة بناء وتعمير؟ إن الجيش قوي وهو يثبت ذلك المرة تلو الأخرى».

وختم رئيس الحكومة النقاش بقوله «قبلتُ ألا يكون موضوع المختطفين سبباً في عدم احترام القرار». وبكلمات أخُرى، ان عدم تحقيق الأهداف التي عرُضت على الجمهور قبل شهر ليس ذا صلة بالمصادقة على وقف إطلاق النار. وبعد هذه الجلسة التي تمت فيها المصادقة على الاتفاق بأغلبية كبيرة، قالت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني «لقد ثبت ان الاهداف التي وضعتها إسرائيل لنفسها ليس من الممكن إحرازها بالقوة العسكرية». وكان موفاز هو الشخص الوحيد الذي امتنع عن التصويت.

كان الجميع يعرف أن ما ينتظر الحكومة اعتباراً من الغد هو السؤال الآتي: «لماذا استخدمت القوة العسكرية، وكيف تم استخدامها، ولماذا حُددت هذه الأهداف منذ البداية»؟ وقد أعطى وزير الدفاع في الجلسة الإشارة الأولى الى حالة التأهب للمعركة المقبلة التي ستجري في الساحات وفي التظاهرات الاحتجاجية وفي أجهزة التحقيق، إذ قال «ان الحرب كشفت ان موضوعات كثيرة سواء في القتال او في الجبهة الداخلية بحاجة الى فحص واستخلاص نتائج، إلا ان هذا ليس هو الوقت الملائم للانهماك في ذلك». وأراد بيرتس هنا الاشارة الى التكتيك المفضل لدى القيادة السياسية وفحواه «إما ان نكون متراصين جنباً الى جنب، وإما ان نكون على حبل المشنقة جنبا الى جنب».

وفي اليوم الأخير من الحرب قام «حزب الله»، انطلاقا من إخلاصه لمفهومه بإطلاق كل ما لديه بإطلاق نحو 200 صاروخ سقطت على شمال إسرائيل، على امتداد الجبهة كلها، وقد قتل في هذا اليوم ماضي خياط (83 عاماً) وهو من السكان المهجرين في قريتي إقرت وبرعم، كما أصيب العشرات بجروح.
وفي يوم الاثنين في 14 آب، وفي الساعة الثامنة صباحا دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فتوقف كل من «حزب الله» والجيش الإسرائيلي عن إطلاق النار، وهكذا عاد الهدوء الى الشمال بعد 34 يوماً.
 

علي دربج ـ صحيفة "السفير"


02-شباط-2012

تعليقات الزوار

استبيان