المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


خاص مقاومة

هكذا دأب شعب المقاومة

مررت بالأمس في أحد شوارع محلة حارة حريك، وكنت أسير ببطء بسيارتي بسبب ضغط السير المعتاد في الشوارع الداخلية للضاحية الجنوبية والتي لم ولا يتوقف نبضها، ولاحظت سيارة حديثة الصنع جديدة وخلفها سيارة قديمة الصنع متهالكة، متوقفتين وبجانبهما شابان يحمل كل منهما غالون ماء يضعانه في صندوق سيارتيهما، وما إن غادرت السيارتان، ظهر أمامي خزان مياه حديدي مطلي باللون الأبيض عليه شعار مؤسسة جهاد البناء ومكتوب عليه عبارة "مشروع العباس لمياه الشرب".
سرعان ما عاد بي الزمن عشرات السنوات حين كانت الأزمات الاجتماعية تعصف بمناطقنا نتيجة حصار داخلي أولاً وفي ظل سياسة تجويع وقهر للناس بهدف تركيعهم وإبعادهم عن خيار دعم المقاومة؛ يومذاك كان الناس يتجوّلون في شوارع الضاحية، ويتوّقعون في كل لحظة انفجار عبوة ناسفة أو قصفاً غادراً وينتظرون طوابير أمام محطات الوقود وأمام الأفران، والدولة غائبة لا تؤمن أدنى مقوّمات العيش بل كانت مؤسسات الدولة تساهم في إفقار هذا المجتمع الذي أعلن الرفض واختار نهج الممانعة متكبّداً عناء دفع ضريبة خياره وموقفه.. وهذا هو صبر المقاومة.

مشروع العباس عليه السلام لتأمين مياه الشرب

استذكرت سريعاً ونحن في العام 2018 كيف كانت صهاريج مؤسسة جهاد البناء توزّع خزانات الماء وتجول يومياً مرتين على هذه الخزانات تملأها، لأن ماء الدولة مقطوعة، وماء الشرب غير متوفرة، والفقر لا يسمح لكل الناس بشراء الماء، واستذكرت كيف كنت أجول برفقة مجموعة من الشبان على المنازل في الضاحية، نملأ طلبات الإعانة الاجتماعية المقدّمة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فيحصل كل منزل على حصة غذائية تتفاوت بحسب عدد أفراد العائلة وعلى منحة مدرسية للأولاد في المراحل الابتدائية والمتوسطة.. وهكذا هو ماء المقاومة.
استحضرت في ذاكرتي ذلك الطلب الذي احتوى على اسم لعائلة أرمنية تسكن في برج البراجنة، وقصدته والحشرية تسابقني، وبالفعل كان صاحب الطلب أرمنياً مسيحياً وليس شيعياً، وطلب آخر لعائلة من آل الحوري من البقاع، وكان صاحب الطلب سنياً وليس شيعياً، وكلاهما كان مستحقاً لهذه الإعانة ونالاها، وقدمها الشباب لهما بكل احترام وخجل لأنها لا تفي بالمطلوب، ولكن هذه التقديمات هي أقل الواجب لرفع الحرمان عن كاهل شعبنا تنفيذاً لوصية السيد عباس الموسوي: "سنقاوم الحرمان كما نقاوم الاحتلال".. وهذا هو عطاء المقاومة.
استذكرت ذلك المنزل من آل شميس الذي قصدته حاملاً إليه حصة غذائية ومنحة مدرسية أمّنتها التعبئة التربوية في حزب الله لأولاده.. استغرب صاحب المنزل الذي استقبلني، ونادى زوجته مستفسراً فأوضحت أن الشباب أتوا منذ أسبوع وملأوا لها استمارة، فما كان منه إلا أن دعاني إلى الداخل على فنجان قهوة شاكراً، ورفض استلام المنحة لأن هناك من هو يستحقها أكثر منه، وحين المغادرة قال: كيف لي أن أساهم؟! فسلّمته صندوق تبرّع منزلي لهيئة دعم المقاومة الاسلامية كان في سيارتي.. وهذا هو جوهر المقاومة.

الهيئة الصحية الاسلامية في خدمة أهل المقاومة

استحضرت في ذاكرتي سيارة إسعاف الهيئة الصحية التي كانت تجول في الشوارع على وقع الأناشيد لتقف وتقدّم الأدوية واللقاحات والفحوصات والعلاجات السريعة لمن لا استطاعة لهم الذهاب إلى المستشفى، فتلك كانت قدرة هذا الجهاز الصحي ليقدمها للناس المضحّين، وتطوّرت هذه السيارة إلى مستوصفات منتشرة في كل لبنان، والمستوصفات إلى مراكز صحية ومستشفيات كي لا يضطر المستضعفون إلى تنكّب عناء اللجوء إلى مستشفيات لا يستطيعون تحمّل أكلاف الاستشفاء فيها.. وهذا هو بلسم المقاومة.
استذكرت ذلك الرجل الكهل صاحب العمامة السوداء السيد عيسى الطباطبائي الذي ما إن وضع الاجتياج الإسرائيلي عام 1982 أوزاره حتى جاء بتكليف من الإمام الخميني (قدس سره) حاملاً حقيبته مصطحباً معه الحاج أبو إسلام (أحمد المصري) ليجول على الناس في الجنوب والضاحية الذين تعرضت منازلهم للدمار واستشهد لديهم أبناء وأقارب ليقدم لهم مساعدة مالية متواضعة، ليتطوّر هذا المشروع ويصبح مؤسسة تعنى بالعناية بعوائل الشهداء، ومؤسسة أخرى تعنى بمساعدة الفقراء المستضعفين .. هذه هي روح المقاومة.
انطلقت المقاومة بثلة قليلة من الشباب وصمدت وتطوّرت وانتصرت، ولم تكن تملك الجحافل والعدد والعدة ولكنها صبرت وربّت وخرّجت أجيالاً من المقاومين، ولم تكن تحسب حساب المستقبل ولم تدّخر الأبناء والأرزاق للدنيا فأعطت الدماء والشهداء لتعطي للوطن قيمته وللأرض قداستها وطردت المحتل ولم تطلب الثمن في المقابل، وكان ناسها هم الدفع الإلهي للمسيرة على الرغم من المعاناة والاستهداف والقهر والحصار، وها هي المقاومة اليوم باتت محور المعادلة، وفي قلب الاستهداف المباشر من الداخل والخارج، فمن كان فيها ومعها وفي قلبه ضوء من وفاء سيكون معها كما كان.. وهكذا دأب شعب المقاومة.

07-آذار-2018

تعليقات الزوار


استبيان