المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


أخبار

في ذكرى يوم الشهيد.. العهد يستذكر عملية الاستشهادي أحمد قصير

الحاج عماد رافق الشهيد حتى آخر نقطة.. ليكمل بعدها ويسمه دوي الانفجار

سامر حاج علي

يحتفل حزب الله في الحادي عشر من تشرين الثاني من كل عام بيوم الشهيد الذي يتواصل احياؤه منذ انطلاقة المقاومة مع اختلاف في الأسلوب. فالعيد المرتبط بذكرى العملية الاستشهادية للشهيد أحمد قصير الذي نسف مبنى الحاكمية العسكرية "الإسرائيلية" في مدينة صور في مثل اليوم من عام 1982 أسس لبداية نهاية العصر "الإسرائيلي" والهيمنة الصهيونية الساعية للقضاء على روح المقاومة، فكان دم قصير ومن تبعه من ثلة العشق الحسيني بمثابة الحبر الذي كتب حكاية الانتصار منذ بدايات الحصار..

في ذكرى يوم الشهيد.. العهد يستذكر عملية الاستشهادي أحمد قصير

أوائل حزيران/ يونيو من العام 1982 أطلقت "اسرائيل" حرب لبنان الأولى وبدأت باجتياحه من الخط الحدودي مع فلسطين المحتلة حتى وصلت إلى بيروت على وقع القتل والتدمير وضمن تحالفات مع ميليشيات لبنانية لطالما تباهت بتعاملها وعلاقتها بالكيان الصهيوني، وهي علاقات يتحدث عنها بصراحة رئيس مجلس أمنه القومي السابق غيورا آيرلند، فيشير إلى أن "حزب الكتائب قال لنا إن دخولنا إلى لبنان سيجعل من لبنان الدولة الثانية بعد مصر التي توقع اتفاقية سلام معنا، وذلك بعد صعودهم إلى السلطة".

لم يكن أحد يتصور أن توقيع اتفاقية سلام بين لبنان و"اسرائيل" هو أمر صعب بعد سقوط العاصمة بيروت. ولكن تغيرات جذرية حصلت في الواقع اللبناني وأهمها التوجه نحو التأسيس لمرحلة البدء بعمليات جدّية تؤلم العدو وتسقط عصره في لبنان، فكانت فتوى الإمام الخميني بمقاومة العدو بكل الوسائل المتاحة، وانطلقت عمليات المقاومة في بيروت حتى أجبر العدو على الانسحاب أواخر أيلول من العام نفسه باتجاه الجنوب حيث كان نشاط المقاومة قد بدأ يتبلور وينشُط بمساعدة الحرس الثوري الإيراني الذي أُرسل إلى لبنان لمساعدة اللبنانيين في وجه آلة الحرب "الإسرائيلية".

نائب وزير الحرب في كيان العدو في تلك المرحلة أفراييم سنيه، يقول إنه اشتم رائحة لوجود نشاط معادٍ في جنوب لبنان: "أنذرت رؤسائي للتحرك وقتل هذا النشاط في مرحلته الأولى حتى لا نقع في ورطة كبيرة فيما بعد.. وهذا ما حدث فعلاً". بموازاة العمليات العسكرية والأمنية التي كان يصفها العدو بالقبضة الحديدية آنذاك وينفذها قرابة الثلاثين ألف جندي كانت المقاومة غير مباليةٍ وكانت مجموعاتها تنفذ العمليات البطولية والضربات المؤلمة ضربة تلو ضربة حتى دقت ساعة السابعة والنصف من يوم الخميس في الحادي عشر من تشرين الثاني 1982.

في ذكرى يوم الشهيد.. العهد يستذكر عملية الاستشهادي أحمد قصير

كبير المؤرخين العسكريين "الإسرائيليين" "أوري ميليشتاين" وفي محور حديثه عند تلك الفترة يكشف عن أنه أجرى حواراً مع ارون زكاي وهو أحد ضباط الموساد والذي كان يعمل في لبنان، وقد شهد كل ما حصل وتعرف على كل الجهوزية التي كانت تتحضر في جنوب لبنان، يشير إلى أن الأمور تطورت كثيراً حتى نشأ حزب الله.. هذا ما يعني العدو ولكن ما يعني المقاومة هو ما يكشف عنه هادي وهو أحد ضباطها فيقول: قبيل انسحاب العدو من بيروت كنا قد بدأنا بالتفكير جدياً بنقل المعركة لخلف خطوطه وتحديداً إلى الجنوب. وقد جرى اتخاذ القرار بتوجيه ضربة كبرى هدفها اسقاط أكبر عدد من الاسرائيليين في مكان واحد. وقد بدأت عمليات الرصد والاستطلاع لعمليات العدو في الجنوب بشكل عام ليحدد الشهيد القائد الحاج عماد مغنية الهدف المنوي تدميره "مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في مدينة صور".

الحاج عماد قام بعملية الرصد..ورتافق الشهيد طوال الرحلة إلى ما قبل مدخل المبنى

يتذكر هادي كيف أن الحاج عماد وأحد المجاهدين كانا يرصدان بنفسيهما المكان بشكل مباشر وقد قاموا برصد مباشر للمبنى من على مسافة قريبة ولمدة ساعات لمرتين دون أن يكتشفهم أحد، ويضيف "كان واضحاً بالنسبة لنا أن قتل أكبر عدد ممكن من الجنود لن يتحقق إلا عبر عملية نوعية غير تقليدية، وكان الكلام هنا يدور عن شكل العملية"..

المعطيات الواردة حول العملية التي يطلق عليها العدو اسم "كارثة صور الأولى" تشير إلى أن العديد من المقاومين الذين استشهد بعضهم في محطات لاحقة قد شاركوا في التحضير للعملية، ومن بين هؤلاء الشهيد عبد المنعم قصير الذي كان من ضمن عديد المجموعات التي عمل القائد الحاج عماد مغنية على تحضيرها للتأسيس للبنية اللوجستية للعمل المقاوم في الجنوب.

يكشف الضابط في المقاومة عن أن "الشهيد عبد المنعم قصير هو من أشار لنا بأن الشاب أحمد قصير على استعداد تام لتنفيذ العملية، في حين كان يفصح عن رغبته الشخصية بأن ينال شرف التنفيذ في ظل إصرار أحمد على ذلك، وهنا حسم الحاج رضوان الامر بأن احمد هو من سينفذ".

فتوى الإمام مفتاح السر

قبل تنفيذ العملية استحصل الشهيد عماد مغنية على فتوى شرعية من الإمام الخميني بجواز القيام بالعملية الاستشهادية. عندها تم انتخاب سيارة بيجو بيضاء من نوع 504 موديل عام 1976 وجرى تحميلها بثلاثمائة كيلوغرام من المتفجرات وتدعيمها بألغام مضادة للدروع، وقد أشرف وفق المعلومات الحاج عماد على وضع اللمسات النهائية المتعلقة بالتجهيز ودرّب احمد على تنفيذ العملية وكانا يتجولان معاً في السيارة ويستطلعان مكان التنفيذ.

يتحدث هادي عن اللحظات الأخيرة قبل تنفيذ العملية، فيكشف عن أن الشهيد قصير انطلق في سيارة البيجو باتجاه مفرق العباسية فيما واكبه الحاج رضوان وأحد رفاقه، لينطلق بعدها وحده باتجاه المبنى الذي يبعد حوالي ألف ومئة متر عن المفرق، وقد تقدم بهدوء نحوه ثم دخل إليه وضغط زر التفجير فأحدث دوياً هائلاً "وشعرنا للحظة أن زلزالاً ضرب المكان".

زلزال يتحدث عنه عبد الله شاكر وهو أحد المواطنين الذي كان يسكن وأهله في مبنى مجاور لمكان تنفيذ العملية، وهو آخر من رأى الشهيد قصير في سيارته، إذ كان صباح ذلك اليوم يفتح أبواب مؤسسة يملكها والده أسفل المبنى الذي يقطنون فيه. يقول: كنا نفتح أبواب المؤسسة في ظل حركة سير خفيفة جداً، فالمنطقة كانت في تلك المرحلة ميتة تماماً، وقد ساعدني ذلك على التركيز على سيارة بيجو بيضاء مرت من أمامنا نحو المبنى وعادت باتجاه مفرق جل البحر وكررت هذه العملية مرة أخرى، وفي المرة الثالثة دخلت إلى المبنى ووقع الانفجار.

وأضاف عبد الله: دخلت السيارة إلى المبنى تماماً وبعد حوالي الدقيقة بدأ بالسقوط دفعة واحدة، حتى أصبح كومة من الحجارة المتراكمة فوق بعضها البعض. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن عدد من كانوا بداخله كان كبيراً إذ إنه قبل يوم من العملية ونتيجة للتساقط الغزير للمطر، نقل العدو جنوده وضباطه الذين كانوا يتموضعون في معسكرين الأول قرب الملعب البلدي والثاني في أرض جرداء في جل البحر إليه ما ساعد بارتفاع عدد الجنود فيه. رواية توازيها رواية أخرى لأحد الأطباء الذي كان موجوداً عند شرفة الطابق الثاني من مستشفى جبل عامل المقابلة لمبنى عزمي المستهدف، فيشير إلى أنه سمع صوت انفجار ضخم داخل المبنى ومن بعدها لم نعد نرى إلا الغبار ومبنى يتكسر ويتمايل يمينًا ويساراً حتى يهوي إلى الأرض فيصبح بارتفاع طابق واحد بعد أن كان عبارة عن سبع طبقات..

ذهل العدو من هول العملية، وارسل جنوده وآلياته وفرق انقاذه المدعومة بجرافات كبيرة وطائرات خاصة إلى المكان وبدأ بالعمل على رفع الانقاض ومحاولة ايجاد أحياء بين جنوده ومن علق منهم تحت الانقاض. وقد وصل وزير الحرب آنذاك أرييل شارون وكبار المسؤولين في الكيان، كان نائب وزير الحرب أفراييم سنيه واحداً منهم "في اللحظة التي وقع الانفجار فيها كنت أدلي بشهادتي أمام لجنة كاهان التي كانت تحقق في ما حدث في صبرا وشاتيلا، وقد طلب مني القاضي أن أدخل إلى غرفة مجاورة للحديث عبر الهاتف وقد قال من اتصل بي إن مبنانا في صور قد انهار، وقد ركبت طائرة نقلتني من القدس إلى صور ورأيت من الهيلوكبتر حجم الكارثة، فقد فقدت عددا من ضباطي وجنودي". والدخول إلى لغة الأرقام هنا تبين حجم هذه الكارثة، فالعدو الذي اعترف بمقتل 91 جندياً وضابطاً لم يخطر بباله أن ثمة من كان يعمل على تعداد الجثث الذي يستخرجها ويضعها في أكياس لنقلها إلى الداخل المحتل، فيروي الدكتور أحمد مروة المناوب في مستشفى جبل عامل آنذاك أن الاطباء كانوا يتناوبون على تعداد الجثث التي وصلت إلى 180 جثة أدخلت اسرائيل في عصر الهزائم من أوسع بابها، في صفعة لم يكن يتوقع ربما أنها ستوجه إليه على أيدي مقاوم في جنوب لبنان ظل اسمه سراً لغاية العام 1985 حين أعلن عنه سماحة السيد نصر الله في احتفال أقيم في بلدته ديرقانون النهر. واليوم بعد 37 عاماً وبعد كل هذه السنوات عاد السيد نصر الله ليعبر في الاحتفال الذي أقامه حزب الله بالمناسبة عن فخر المقاومة بهذا الانجاز: كانت عملية مدوية ومزلزلة ولا زلنا نرى المشاهد كيف يقف شارون ذليلا كئيبا حزينا محبطاً امام هذه الهزة العنيفة التي لحقت بجيشه وألحقها شاب واحد اسمه احمد قصير..

12-تشرين الثاني-2019

تعليقات الزوار


استبيان