المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


خطابات

نداء سماحة الإمام السيد موسى الصدر إلى اللبنانيين بمناسبة انتهاء أعمال مؤتمر قمة الرياض (22/10/1976)

الملخص: أيها اللبنانيون.. مع قرب نهاية فصل الآلام من مأساة الوطن الدامية، ومع بروز بوادر الاتفاق الشامل بين الأطراف المتنازعة في لبنان، ومع تركيز الخطوة الأساس لحصول الاتفاق العربي في مؤتمر قمة الرياض التاريخي، كشفت إسرائيل الستار عن الفصل الآخر من المؤامرة الكبرى التي خطّطتها ونفّذتها ضد لبنان، فتدهور الموقف في الجنوب، وظهرت ملامح مشكلة كبرى تهون دونها آلامنا ومشاكلنا كلها..
إنّ مأساة وطننا الجريح منذ ثمانية عشر شهراً شهدت الاقتتال بين المواطنين، وبينهم وبين الفلسطينيين، وبينهم وبين السوريين، بل شهدت الاقتتال العربي بجميع صوَره على أرض لبنان، كما شهدت ممارسات شاذة تجاوزت كل حد، ولا نعرف كيف ومتى نقدر على علاجها والتكفير عنها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..‏
لكن اليوم، أيها الاخوة، وعلى رغم عظم المصاب، فليس اليوم يوم المحاسبة والانتقام، ولا يوم المحاكمة والمجازاة، وليس الوقت وقت البحث والتقييم للمأساة ونتائجها، ولا وقت تضميد الجروح العميقة في جسم الوطن والمواطنين، ولا الساعة ساعة الاكتفاء بمؤاساة المصابين والمشردين..‏
إنّ علينا اليوم أن نؤجّل كل ذلك، ونهبّ جميعاً كالعاصفة يداً واحدة وقلباً واحداً وبأقصى سرعة ممكنة لمواجهة المحنة الكبرى التي بدأت تجري في كل الحدود الجنوبية الصامدة وتتقدم نحو الوطن كله..‏
أيها الاخوة المواطنون.. إنّ إسرائيل غُرست في قلب هذه المنطقة في عملية استعمارية كبرى لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، فتشرّد شعب فلسطين مع تأسيس إسرائيل الى خارج وطنه، وتكوّن جرح ينـزف على الدوام في قلب هذه المنطقة يتفاعل مع أحداثها ويخلق تشنّجاً فيها وفي العالم كله..‏
ثم شنّت إسرائيل منذ تأسيسها خلال ربع قرن حروباً أربع ضد البقية من أرض فلسطين وضد الدول العربية المجاورة، فخلقت بذلك آلاماً ومصائب منعت حركة التطور والإنماء في العالم العربي، وفرضت استعدادات عسكرية ابتلعت القسم الأكبر من مدخوله والتهمت في قضيتنا نخبة شبابنا وكفاياتنا..‏
وخلال هذه المعركة كانت إسرائيل تتحرك مع حلفائها ومؤسساتها تستعدي العالم ضدنا، وتشوّه مواقفنا، وتثير الأحقاد في وجهنا، وتتآمر بمختلف الأنواع وفي جميع مناطقنا الواسعة علينا..‏
وما المأساة اللبنانية الدامية إلا فصل من فصول مؤامراتها ضد لبنان وشعبه بعدما أدينت إسرائيل في العالم واعتُبرت دولة عنصرية لا تنسجم مع الأسرة الدولية، ذلك لأنّ لبنان بتاريخه الرسالي وبوجوده المتميّز وبنشاطه الحضاري كان شوكة في عينها، فبدأت تعتدي على الجنوب وتجمّد اقتصاده وعمرانه وتشرّد شعبه، فملأت ضواحي المدن والعاصمة بالمهجرين، وخلقت تناقضات سريعة، وأضافت شبه مخيمات للبنانيين الى جانب المخيمات التي وُجدت للفلسطينيين من جراء اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، ثم بدأت تدس السموم وتهيئ لتفجير التناقضات التي تحدّث عنها بوقاحة كبار مسؤوليها في رسائل متبادلة معروفة صدرت عام 1954..‏
أما المؤامرة التي كنا نتحدث عنها وتورطت الدول الكبرى فيها، بل استُدرجت لأجلها فئات ومؤسسات عربية ولبنانية وحتى فلسطينية، فقد كانت نتيجة خطة إسرائيلية لئيمة، فهي المسؤولة عن مقتل أربعين ألف لبناني وعن دمار لم يشهد له بلد عربي آخر مثله في أيام الحروب، وكم مرة سقطت قنابلها علينا وتدخلت عصاباتها فينا وعصفت سمومها بنا أثناء محنتنا الأليمة من دون رحمة..‏
وها هي اليوم تعامل سكان الضفة الغربية مسيحيين ومسلمين كما عامل النازيون أبناء أوروبا المحتلة في الحرب الكونية الثانية..‏
أيها الأعزاء.. إنّ إسرائيل تطلّ اليوم على الجنوب، تحمل الدواء والخدمات بيد، وتقدّم سلاحاً لحماية بعض اللبنانيين من الفلسطينيين والأحزاب اليسارية بيد أخرى، مغيّرة دورها العدواني التقليدي، مدعيّة أمام العالم أنها تقوم بدور إنساني محض للبنانيين..‏
إنّ هذه الأدوية التي تقدّمها إسرائيل اليوم لا تعالج قطرة من بحار الآلام والمصائب التي خلقتها لبنان ولأبناء الجنوب بالذات خلال ربع قرن..‏
وإنّ الخدمات التي تدّعي توفيرها لا تعادل ذرّة من عالم من الجمود الاقتصادي والزراعي والفقر والتشريد الذي قدّمته في هذه المدة..‏
وإنّ السلاح الذي تبعثه أو تستعمله بحجّة حماية المواطنين في الجنوب لا يوازي جزءاً من سيل الأسلحة والذخائر والحرب النفسية التي سكبتها في لبنان فملأت ساحات وطننا جثثاً وجرحى وأيتاماً وثكالى..‏
فيا أيها الاخوة الأعزاء.. إنّ هذا التبدّل المفاجئ في الموقف هو الجزء الآخر من المؤامرة الكبرى التي صمّمتها وهيأتها ونفّذتها إسرائيل ضد شعبنا ووطننا وأمتنا، والواجب المنطقي والمسؤولية الوطنية والإنسانية يدعوانا الى الحذر والانتباه والتصدي له بكامل قدراتنا..‏
علينا أن نعلم أنّ كل قطرة من أدوية إسرائيل هي سمّ زعاف يسمّم أجسامنا وأجسام أولادنا، وإنّ كل من يذهب الى مستوصفاتها إنما يذهب الى وكر الأفاعي والحيّات..‏
علينا أن ندرك أنّ كل خدمة تقدّمها لنا إسرائيل، وكل بضاعة نشتريها منها، وكل رحلة توفّرها لنا هي ضربة قاضية على وطننا وتاريخنا وكراماتنا، وعلينا أن نعرف أنّ كل سلاح تستعمله إسرائيل بإسم حماية أحدنا إنما هو طعنة تركّزها في قلب وطننا وأجيالنا الصاعدة..‏
أيها الاخوة.. إنّني أناشدكم بإسم الله والإنسانية، بإسم لبنان، بإسم المسيح والإسلام.. أن تتجنبوا هذا المنـزلق‏
الكبير وأن لا تتورطوا نتيجة التشنج في الهاوية..‏
إنّ التعامل مع إسرائيل والاستعانة بها بأي صورة وبأي حجم هو حرام وغدر وخيانة، وإنّ الصبر على الأذى والمرض والحرمان على رغم إغراءات إسرائيل هو جهاد في سبيل الله وإنقاذ للوطن..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان