المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


خطابات

نداء سماحة الإمام السيد موسى الصدر إلى العقل اللبناني (7/1/1976)

بسم الله الرحمن الرحيم‏
إلى ذلك العقل النيّر الذي لا ينقطع عن القلب الودود..‏
الى الفكر الملتزم بالضمير..‏
الى ضمير لبنان الواعي..‏
الى الإبداع الذي أنعم الله به على الإنسان في لبنان..‏
الى الجذوة التي أوقدها العليم الخبير في نفوس المثقّفين والخبراء والمتفكرين، والتي رعتها أيدي الرحمان..‏
الى أساتذة الجامعات..‏
الى التجارب والمجرّبين..‏
الى كل دماغ يرى متألماً في غسق الليل الذي غشينا..‏
والى كل قلب يحب لبنان أو الإنسان، أو هما معاً..‏
إليكم جميعاً..‏
أين أنتم يا سفراء الله في الوطن من أحداث لبنان الدامية ومن اللهب الذي يحرق الحرث والنسل ويكاد يصيب المنطقة بكاملها؟..‏
أين أنتم؟ هل نسيتم مسؤولياتكم؟ هل تنكرتم لفطرتكم التي فطركم الله عليها؟ هل منعكم أحد من التفكير في الحل؟ هل مُنعتم من عرض آرائكم؟ هل عرضتم فرفض الوطن مقترحاتكم؟ هل تجاهلكم المسؤولون وأهملكم المواطنون فاعتبرتم التجاهل والإهمال عذراً للاعتزال؟‏
على من تركتم الوطن العزيز الذي لا نملك غيره؟ هذا الوطن الفريد في نوعه، هذه الأرض التي تعكس السماء، هذه الجغرافية التي تمثّل التاريخ، هذه التربة الشفّافة المبدعة كالروح، بل الروح نفسها، هذه البقعة التي امتدت الى العالم كله فتبلور العالم فيها، هذا الإنسان الذي أراده خالقه كبيراً فأرادوه صغيراً، وأراده مقداماً مؤاسياً فأرادوه حذراً متجنباً آلام قومه ومصائب بني نوعه، وأراده قائداً طليعياً فأرادوه راكضاً متجاهلاً أنانياً..‏
على من تركتم الوطن هذا والمواطن يا أيتها العقول المسؤولة حتى أصبح يُحارب في إنسانه وفي أرضه وفي رسالته وفي قوّته وحتى في كرامته..‏
هل اعترفتم بعقمكم (لا سمح الله) وتنازلتم لأولئك الذين حوّلوا وطن المبادرات الدائمة الى العقيم؟ هل هربتم من الرصاص والقنّاص وتركتم الوطن وحده في محنته غريباً يذوب كالشمعة في ليله الأليم؟..‏
هل انزويتم في بروجكم المهددة أو بروج أوروبا العاجية تتفرجون؟ حتى إذا سقط قريبكم أو نسيبكم في المحنة، وحتى إذا تعرضت بيوتكم للبلاء تتحركون وتتصلون بقادة المقاتلين أو بأصدقائهم أو بمن كنتم تتجاهلون وجودهم وكنتم تترفعون عن التفكير فيهم؟..‏
هل تشمتون؟ لا قدّر الله.. بمن؟ أو تتوقعون النهاية؟ لمن؟..‏
هل سمعتم ما يقول الصديق عنكم قبل العدو؟ ألا يكفي الوطن القِبلة عذاباً وهوانا أنّ مقتل خمسة مسلّحين من منظّمة "الباسك" يهزّ قصر "فرانكو" وحكمه ونظامه، بينما الآلام المريعة التي تحلّ بنا لا تهزّ أحداً، بل لا يبالي أحد بها وبنا وبمدننا وجامعاتنا.. أللهم إلا تجّار السلاح أو العدو المتربص أو الشامت..‏
أين أنت أيها العقل اللبناني ذو الضمير، ويا أيها الأخ في المصير، ويا أيها الصديق العاقل..‏
فكّر.. ادرس.. تعمّق.. اقترح.. اطلب.. ألحّ.. استنجد.. انتقد.. شدّد.. طالب ثانياً وثالثاً ورابعاً.. انشر في أوساط المواطنين اقتراحاتك.. في أوساط الطلاب الذين غابوا أيضاً بدورهم عن الساحة، إشهد وأشهد العالم والتاريخ، وقف مع المواطن في محنته..‏
إنّ الحلول المطروحة على الساحة، مع الاحترام لطارحيها (عدا البعض منها)، إما طائفية (والطائفية بلاء الوطن)، وإما فئوية، وفي تنفيذها أو القبول بها انتصار لفئة (والانتصار الفئوي مرفوض)، وإما حلول نابعة من التشنّج أو التحدّي، وهذه تُرفض مرتين..‏
والحلول العادلة المحقّة بحاجة الى الإخراج الصحيح وتوحيد المواقف، أو تدور بما يشبه حوار الطرشان يملأ الآفاق والأنفس، والآخرون يقولون أنهم لم يسمعوا مطالب محددة أو مقترحات مدروسة، وتستمر المحاولات والهيئات والاجتماعات والاتصالات الخاصة والجانبية المليئة بالإيجابيات ثم الجمود.. واستمرار المحنة..‏
يحدّثونك عن الخوف والخوف المتبادل، ويعملون لأجل خلق خوف أكثر عند الآخرين، كأنهم يبدلون العلاج بتعميم المرض..‏
وبكلمة: تمر على الوطن أكبر محنة في تاريخه، وتفوق ضحاياها ضحايا الحروب، لكن الغموض في الأسباب والنتائج والأبعاد والعناصر المتفاعلة فيها من الداخل ومن الخارج يسيطر على الجو، حتى أنّ الطبيب والأطباء يظهرون كأنهم يزيدون في المرض..‏
والآن أيها العقل اللبناني الملتزم بالضمير.. أناشدك.. بل يناشدك الوطن راجياً ألا يكون الوقت قد فات، أناشدك التحرك لكي تضع خطة لخروج الوطن من محنته..‏
فالمطلوب أن تصنع مستقبلاً لا ينتهي الى ما انتهى إليه الماضي، مستقبلاً يتساوى المواطنون فيه في الحقوق والواجبات، مستقبلاً يتمكن الوطن فيه من الوقوف في وجه التحديات العالمية وأمام الاعتداءات الإسرائيلية العسكرية منها والثقافية والاقتصادية والحضارية مستقبلاً، مستقبلاً يحفظ وينمّي رسالة الوطن العالمية ويجعل من الطوائف اللبنانية نوافذ حضارية على العالم، لا دويلات متصارعة، مستقبلاً يمكّن كل فئة من أن تعطي الوطن لا أن تأخذ منه وتنمو على حسابه، مستقبلاً تحس كل طائفة بأنها عزيزة تعطي ولا تشعر بأنها مظلومة ومصنَّفة ومحتقَرة، مستقبلاً يكتفي كل مواطن من دون استثناء بالوطن معتبراً أنه خاسر لو خسر الوطن حتى لو قُدِّم له العالم أجمع، مستقبلاً يكون الوطن ندوة الحوار الإسلامي-المسيحي وقاعدة اللقاء الأوروبي-العربي يختبر التفاعل الحضاري بل يكون نموذجاً للتجربة العالمية الناجحة غداً..‏
المطلوب أن تصنع غداً يحمل الوطن فيه مشعل القضية الفلسطينية ورسالة القدس على رؤوس الأشهاد، فيدخل به وبها ضمير العالم ويؤسس معه ومعها حضارة المستقبل العادلة..‏
المطلوب أيها العقل أن تبني وطناً جديداً لا يبقى فيه محروم، وأن تجنّد الكفايات الضائعة والعبقريات المهمَلة لرفع شأن وطن العمالقة، وطناً يستثمر كل ثرواته المائية المهدورة ومناجمه المكتنـزة، أرضه وبحره وجوّه، تماماً كما يعمل أحفاد مهاجرينا في أرجاء العالم..‏
المطلوب أيها العقل المحبّ أن تضع خطة عمل لتنفيذ الحلول حتى يكون لبنان هو المنتصر، لا المسلمون ولا المسيحيون، لا الأفراد، ولا الأحزاب، لا اليمين، ولا اليسار، بل الشعب وحده..‏
المطلوب أن تفكّر أو تعلن عن تفكيرك في أننا كيف نقنع الناس؟ كيف نكسب قبول الأطراف؟ ماذا نقول للمتطرفين والموتورين والمتضررين؟ ولمن فقد عزيزه، ماذا نهيئ للشهداء الذين سقطوا؟ وللآلام والفاجعة التي ملأت القلوب؟ ماذا نقول للعالَم؟ لمن فقدنا ثقتهم.. لكن خيّبنا آمالهم، لمن رفضنا بوادرهم، لمن أسأنا الى مصالحهم ومواطنيهم، المطلوب إذاً خطة تضم الفكر ووسيلة التنفيذ وأسلوب الإخراج، فإلى العمل في الساحة أيها العقل.. أيها الضمير.. أبها الإنسان.. (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين)..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان