المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


خطابات

خطبة سماحة الإمام السيد موسى الصدر في يوم الجمعة بمدينة بعلبك

التاريخ: 20/8/1976
الملخص: قام سماحة الإمام السيد موسى الصدر قبل ظهر يوم الجمعة بتاريخ 20/8/1976، بتفقد النازحين من النبعة وتل الزعتر الموجودين في أبنية المدارس الرسمية في مدينة بعلبك، وأدى معهم فريضة الصلاة، كما تناول معهم طعام الغداء. وألقى سماحته الخطبة التالية في هذه المناسبة التي صادفت يوم الجمعة الأخير الذي يسبق شهر رمضان المبارك. وفي يلي نص الخطبة:
"أيها الإخوة المؤمنون،‏
في خضمّ الآلام والمصائب ومهبّ العواصف، من السهام الآتية من كل جانب، تشرق بارقة أمل في ليلنا الأليم.‏
لقد أقبل علينا شهر الله، كما يقول رسولنا الأعظم في مثل هذا اليوم، ويضيف: "شهر دُعيتم فيه الى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله".‏
إننا بهذه المناسبة، نقف ساعة تأمل أمام قدوم شهر رمضان المبارك، شهر المواساة والتضامن، شهر الصمود والإنتصارات، شهر التقوى والقيم. ثم ننظر الى تاريخنا النضالي الطويل وموقف القادة الذين تعرضوا في محاريبهم وفي كربلاء لأقسى المصائب والمحن، بعد أن حاول أعداؤهم خلق أجواء معادية، وافتراءات ظالمة، وتهيّج في الرأي العام يدينهم. لقد افترَوا على الحسين بن علي (عليهما السلام)، بالقول إنه خارج عن دين جده ويجب قتله!! وسبق أن كفّروا علياً (عليه السلام)!! هكذا دوماً سلوك المنحرفين، أعداء الناس الذين كانوا يحكمون الناس..‏
إنّ الحسين وقادتنا تعرضوا لهذه الحملات الوحشية من كل جانب، ولكنهم صبروا واحتسبوا. وكان بقاء القيم والأهداف والنصر من آثار صمودهم.‏
نعيش مع أبنائنا‏
إنّ شهر رمضان، مناسبة المواساة والتضامن الإجتماعي. وهذا نحن نعيش بكل إمكاناتنا وطاقاتنا مع أبنائنا الذين ظُلموا فأُخرجوا من ديارهم بغير حق.‏
أبناؤنا في النبعة وفي تل الزعتر - وقبلهما في سبنيه وحارة الغوارنة وبطشاي والمسلخ والكرنتينا - الذين صمدوا وصبروا ودافعوا ستة عشر شهراً، في أقسى الظروف وأحلك الأيام، ولا تزال الهجمات الشرسة والإتهامات الظالمة توجه إليهم من حلفاء أمسهم، بل من المتاجرين بأرواحهم والمدافعين عنهم بالإعلام فقط، والمتسولين اليوم باسمهم، وهم براء منهم ومن مساعداتهم.‏
صمدنا ودافعنا والآخرون استغلوا‏
لقد امتنعوا عن توفير وسائل الصمود لهم، وبالغوا في استغلال ظروفهم القاسية. وهم اليوم مستمرون في طعن كرامتهم وهضم حقوقهم.‏
إننا أيها الإخوة، إنطلاقاً من إيماننا بحقنا وبتاريخنا الذي انطلق من أمثال هذا الشهر الكريم، صمدنا، ودافعنا، ووفرنا ما أمكن من وسائل الصمود الى آخر لحظة، حاولنا الإستعانة بالتزام سوريا المبدئي بالوقوف في وجه مؤامرة التقسيم، واعتبرنا تهجير سكان النبعة ممارسة تقسيمية، وكان المعتدون تعهدوا بالإمتناع عن الغزو. إلاّ أنهم غدروا وخرجوا عن التزاماتهم تجاه سوريا وتجاه الوطن.‏
سنعود الى النبعة مهما كلف الثمن‏
ومع ذلك، فإننا سنعود مهما كلّف الثمن، ونبذل الغالي والرخيص في سبيل العودة وحفظ وحدة الوطن، ونعتبرها قضيتنا التي يجب أن تتحقق بأي ثمن كان.‏
وها نرى اليوم أنّ وفدنا الثاني يعود من النبعة، بعد أن بحث في وضعها السكني والصحي والأمني، تمهيداً لعودتنا إليها. ونعلن بصراحة، أنّ الإهمال في هذه المحنة خيانة كبرى، ولا يمكن أن نسكت عنه بإذن الله.‏
إنّ شهر رمضان، شهر الصمود والصبر، ويعلّمنا الوقفات التاريخية الكبرى "بدرية" و"حنينية" وفي "فتح مكة" عندما جاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وهو إذ يذكرنا بهذا التاريخ الحافل، يضعنا أمام المسؤولية المعاصرة، أمام التهديدات التي توجه الى مناطقنا، الى الشياح والغبيري والليلكي وبرج البراجنة..‏
المؤامرة الكبرى التي شارك الجميع فيها‏
أيها الإخوة المؤمنون، إنّ المؤامرة الكبرى التي تحدّث الجميع عنها، والتي شارك الجميع فيها، بدأت تحوم حول هذه المناطق (..) مسكن الشرفاء. فمن جهة إعتداءات وقصف وقنابل، ومن الظهر، طعن، وتفريق للصف، واتهامات مسبّقة لشبابكم الذين وقفوا منذ بداية الأحداث وحتى هذه اللحظة في المراكز الأمامية (..)، ويدفعون أرواحهم ضد المطامع والوحشية ومؤامرة تقسيم الوطن وتصفية القضية الفلسطينية المقدسة.‏
إننا نعلن على رؤوس الأشهاد، أننا لا نسكت عن الإعتداء على هذه الأحياء وغيرها، وأننا باقون فيها ندافع بإيمان الصائمين، ملتزمين (..) المقاومة الفلسطينية ودعمها لتحقيق أهدافها في التحرير والعودة، ونسجل من جديد صفحات تاريخنا المجيد التي كتبناها يوم بدر وحنين وفتح مكة، كما وأننا لا نبالي بالهجمات الإعلامية الرخيصة، من أبواق الصهيونيين الجدد حلفاء حزب "راكاح" الشيوعي الإسرائيلي، مهما كانوا متخفين في ثوب الوطنية والتقدمية..‏
التنظيمات الشيعية الوهمية والمتلهون بشرب الشاي‏
ونعلن أيضاً، عدم اعترافنا بالتنظيمات الثورية الوهمية للشيعة، التي تختلقها أيادي اليمين الملطخة بدماء أبنائنا، ولا نقر المتخاذلين الذين سكتوا دهراً ونطقوا كفراً، أولئك الذين كانوا طوال المحنة متلهين بشرب الشاي، وبالمباحثات الجدلية البيزنطية، حتى إذا شمّوا رائحة التبرعات والصدقات، بدأوا يملأون ساحات الحسينيات وأعمدة الصحف..‏
الجنوب المهدّد‏
أيها الإخوة المؤمنون، إننا في محنة كبرى، فجنوبنا مهدد، و"إسرائيل" ترسل السموم المهلكة إليه باسم الإنسانية، ولا مدافع عنه، ولا واعٍ له، ولا سند يحميه. لكننا نتذكر دائماً أنّ معاركنا الكبرى، في بداياتها، لم تكن متكافئة، ولكنها دائماً انتصرت، لأنها كانت معارك الحق. فالنبي الكريم انتصر في بدر، رغم عدم التكافؤ في القوى، وفي حنين هُزم أولاً، ثم انتصر، وفي مكة طُرد في البداية لكي يعود بنصر الله في النهاية. أما معركة كربلاء، فالكل يعلم بداياتها الدامية، ولكنه يتذكر أنّ الدماء الطاهرة تلك هزت عروش الطغيان، ودكت قلاع الظالمين، وكتبت تاريخ الكذابين المفترين..‏
نحارب استغلال الطائفية والإنتقام من الأبرياء‏
إنّ شهر رمضان، أيها الإخوة، هو شهر القيم والأخلاق.. وهذا هو أساس الخلود في تاريخ الأمم وفي تاريخنا. ونقولها رافعي الرأس: إننا طوال المعركة المستمرة الدامية، كنا ندعو الى العدل والقيم ونحارب استغلال الطائفية والإنتقام من الأبرياء. وأبينا إلاّ مواجهة المواقف بالصدق لا الدجل، وبالحقيقة لا المزايدة..‏
وسنبقى، كما عليّ إمامنا، شهيد هذا الشهر العظيم، نبدأ بالقِبلة وننتهي في محراب المسجد، نعيش في طريق الحق، عبادة الله وخدمة الناس من البدء حتى الختام، ونعرف أنّ الله (جل وعلا) قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} صدق الله العظيم.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان