المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

سماحة الإمام السيد موسى الصدر يتحدث لمجلة "موندَي مورنِنغ" (22/8/1977)

بسم الله الرحمن الرحيم‏
سؤال: كيف تقيّمون وضع الجنوب اليوم؟‏
جواب: لا شك أنّ الجنوب أولاً يعيش مأساة إنسانية تتجاوز في أبعادها وفي محنتها كل حد، لأن غياب السلطة واستمرار الآلام التي كانت متفجرة في لبنان.. بالإضافة الى قرب إسرائيل (الجغرافي).. الى جانب عوامل أخرى.. كل ذلك يشير أنّ وضع الجنوب يقترب أكثر فأكثر من أن يصبح مشكلة دولية، وفي نفس النسبة يبتعد الأمل بانتهاء المأساة عن أفق رؤية الناس..‏
إذاً: المأساة البشرية كبيرة جداً، الناس يعيشون حالة قلق.. فقر.. عدم تمكن من ممارسة نشاط اقتصادي اجتماعي.. وعدم أمن.. وموت وتشرد، وقصف مفاجئ (عليهم)، وغير ذلك.. ومن الناحية السياسية: وضع الجنوب مقلِق..‏
في مناطق لبنانية أخرى، ورغم استمرار الحرب تمكنت قوة الردع العربية، أو بتعبير أصح: وحدة المواقف العربية تمكنت من إيقاف المجازر، بينما في الجنوب هناك عامل غير عربي، غير لبناني، هو إسرائيل، لذلك حتى توحيد العرب لا يتمكن مباشرةً من إيقاف المجازر، وهذا ما يجعلنا نتأكد أنّ إسرائيل معنية باستمرار التوتر في الجنوب كورقة ضغط ضد العرب من جملة أوراق الضغط الأخرى التي هي بيد إسرائيل..‏
لذلك، بشكل عام، يمكننا أن نقول أنّ الوضع في الجنوب مأساوي وخطر جداً..‏
سؤال: ما هي أبعاد هذا الخطر؟‏
جواب: أبعاد الخطر هي:‏
- إنسانياً: استمرار المأساة..‏
- سياسياً لبنانياً: الوضع المتوتر في الجنوب يحول دون إمكانية السلام في لبنان، حوالي سنة تقريباً مرّت على وقف إطلاق النار في لبنان ولا يزال السلام غير مستتب، والمؤسسات الوطنية غير مبنية، وبرز بوضوح أنّ مسألة بناء الجيش ومسائل الأمن بصورة عامة وحتى الوفاق السياسي مجمّدة بانتظار انتهاء مشكلة الجنوب.. إذاً: الوضع في الجنوب سياسياً يحول دون انتهاء المشكلة السياسية في لبنان.‏
- عربياً: من الممكن أنّ وضع الجنوب يحوّل المحنة الى العالم العربي بشكل عام، ومن الممكن أنّ استمرار التوتر في الجنوب ينعكس على الوضع العربي، ذلك لأن هذا التوتر يحول دون إمكانية التفاهم العربي-الفلسطيني- اللبناني، وعدم تنظيم العلاقات اللبنانية-الفلسطينية ينعكس على العلاقات اللبنانية-العربية وعلى العلاقات الفلسطينية-العربية، وبالتالي وضع الجنوب ينعكس على الوضع السياسي اللبناني، وبالإضافة الى هذا وذاك هناك مسألة الانفجار التي تدخل في صميم السؤال الثاني.‏
إذاً، المشكلة من الناحية العربية أيضاً خطرة، وبشكل عام نحن نعتقد أن وضع الجنوب يصلح لأن يخلق أكثر من مشكلة لبنانية وعربية من خلال تفجرات دولية، يعني: قد تتمكن بعض التطورات في الجنوب أن تخلق متاعب سياسية للعالم بالنسبة لوجهات النظر الشرقية والغربية، السوفياتية والأميركية، وهذا ما يبدو خلال الأسبوع الأخير بأنّ هناك اتجاهاً نحو المواجهة، إذاً: المشكلة لها أبعاد سياسية واسعة، لذلك تبدو المشكلة خطرة..‏
كذلك، نرى أنّ إسرائيل تحاول بكل جهد أن تخلق مشكلة طائفية في جنوب لبنان، وأن تعكس في العالم أنها هي حامية للمسيحيين في الجنوب..‏
سؤال: ذكرتم شيئاً عن مواجهة أميركية-سوفياتية في الجنوب؟‏
جواب: بإمكاني أن أقول أنّ الجنوب منطقة من المجموعة، وليس منطقة مميزة عن بقية المناطق، يعني: مشكلة الشرق الأوسط بشكل عام تسمح دائماً بإلقاء نقاط ضعف وتفجر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ففي حرب تشرين الأخيرة سمعنا أكثر من مرة أنه حدث ما كاد يؤدي الى الانفجار، والسبب يعود الى المنطقة وأهميتها وثروتها وتأثيرها السياسي في العالم.. والارتباطات بالسلاح والتجارة وغيرها مع الأطراف المعنية، هذه الأمور تجعل المنطقة كثيرة التفاعل والتأثير على هموم الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لا سيما أنه في الوقت الحاضر أخذت الولايات المتحدة إمكانات وأوراق معروضة في الساحة، بمعنى أنّ الدول العربية بأكثريتها، وخاصةً بعض دول "المجابهة" اعتمدت الولايات المتحدة كعنصر فعّال في الحل، وهذا ما أدى الى شعور الاتحاد السوفياتي بعدم الرضا على ما يجري في الشرق الأوسط، خاصةً مع موقف مصر بالنسبة للقطن وغير ذلك، إذاً: فإذا المشكلة لم تتجه نحو السلام يُخشى أن تحصل انفجارات داخلية في بعض البلاد العربية، وهذه الانفجارات قد تغيّر المعادلات، ولمنع تغيير هذه المعادلات التي تؤثر في المعادلات الدولية يُخشى من وقوع أحداث دولية كبرى..‏
سؤال: كيف ترون حل مشكلة الجنوب حلاً جذرياً؟‏
جواب: الخطة الموضوعة من قبَل السلطة اللبنانية طبعاً هي الخطة الحكيمة، بمعنى أنّ اتفاقية شتورا حيّدت المقاومة الفلسطينية في الجنوب، وجعلت المسلحين الفلسطينيين في أماكن متفق عليها، ووحدات الجيش اللبناني ستنتقل الى الجنوب خطوة خطوة، وسيبدأ ذلك خلال أيام قليلة، وعند ذلك القوى اللبنانية والفلسطينية تُضبط وتلتزم.. يبقى الموقف الإسرائيلي، وله فعالية (سلبية) خاصة في الجنوب، من خلال القصف أولاً، وإمكان تسرّب عناصر إسرائيلية تتكلم العربية وتخلق مضاعفات من خلال الجبهتين المتخاصمتين، أضف الى ذلك أنه بالفعل هناك مجموعة في الجنوب مرتبطة بإسرائيل بشكل أو بآخر، وهي تتدرب وتتسلح وتأخذ التموين من إسرائيل، إذاً: إسرائيل لها فاعلية كبيرة (سلبية) في الجنوب..‏
سؤال: هل حدث التراجع الفلسطيني الى النقاط المعينة المتفق عليها في اتفاق شتورا؟‏
جواب: بدون شك أنّ هذا التراجع مرتبط بوصول الجيش اللبناني، لأنّ هذا التراجع إذا حصل (قبل وصول الجيش) لا يُعرف ماذا يحصل بعده، لأن هناك فراغاً أمنياً في الجنوب، فيُخشى أن تملأ إسرائيل هذا الفراغ مباشرة أو غير مباشرة، لذلك فالمطلوب التسلم والتسليم بين الجيش والمسلحين في الجنوب (لبنانيين أو فلسطينيين)، ولا يمكن أن يتم الأمر بغير ذلك..‏
لبنان له رصيد دولي قديم، وخلال سنتين من المأساة أدى لبنان أكثر من طاقته، وهذا الأمر مقدّر في العالم، بالإضافة إلى عدم تمكن إسرائيل من إيجاد أي مبرر بالنسبة للاعتداء على لبنان، والنقطة الوحيدة التي يخشى أن تصبح مبرراً أو ورقة في يد إسرائيل هي قضية المسيحيين، وهذه القضية حسب تصوري مع وعي اللبنانيين سوف لا تكون، وهناك اتصالات مكثفة بين الأطراف اللبنانية وبين السلطات السورية لمعالجة هذه النقطة حتى لا تؤدي الى تفجر وحتى لا تجد إسرائيل ورقة رابحة تستعملها في العالم من أجل التفجير العام من خلال الجنوب..‏
سؤال: أتعتقدون أنّ الطرف المسيحي يجب أن يتصدى لهذا المخطط الإسرائيلي؟‏
جواب: حتماً، يعني الجبهة اللبنانية مطلوب منها اليوم أكثر من أي وقت آخر أن تثبت وتؤكد عدم قبولها بهذا الضمان (الإسرائيلي) الذي هو أشبه بضمان الذئاب، فمن الواضح جداً أنّ إسرائيل لا تريد الخير للمسيحيين، وموقف إسرائيل في شمال فلسطين معروف، ففي البداية (كما سمعت من غبطة البطريرك) تصدوا للمسلمين وطمأنوا المسيحيين، ولكن في المرحلة الثانية طردوا المسيحيين واغتصبوا أراضيهم وبلادهم وخلقوا مستعمرات.. نفس الشيء في المناطق الأخرى، في الضفة الغربية، إذاً: إسرائيل عداوتها مع المسيحيين لا تقل عن عداوتها مع المسلمين، ومطامعها في الأراضي التي يسكنها المسيحيون لا تقل عن المطامع في الأراضي التي يسكنها المسلمون، ومن خلال هذه الأمور بإمكاننا أن نعرف أنّ هذا الطرح هو استغلال سياسي كما ذكرت، لأنّ إسرائيل تشعر بموقف صعب فيما يخص جنوب لبنان، لذا تريد من اختلاق هذه الورقة أن تقوّي مركزها وأن تبقي الجو متوتراً..‏
سؤال: هل توافقون القول أنّ حرب الشرق الأوسط المقبلة ستنطلق من جنوب لبنان؟‏
جواب: لا شك أنّ هذا السؤال يجد الجواب انطلاقاً من النقاط التي كنا نتحدث عنها الآن، فإذا تمكنت إسرائيل من أن تخلق مأساة طائفية في الجنوب بإسم قضية المسيحيين في جنوب لبنان، عند ذلك من الممكن أن يكون الانفجار المستقبلي من جنوب لبنان، والسبب في ذلك أنّ إسرائيل (حكم الليكود) هي أمام وضع دولي غير جيد لأنّ العالم كان يقف مع إسرائيل (حزب العمل) لأنه يعتبر أنّ الحزب المذكور بريد السلام، وكان العالم‏
يقف مع إسرائيل لاعتباره أنّ الدول العربية هي المعتدية، وعندما جاء بيغن الى الحكم انقلب الوضع، والآن الدول العربية تريد السلام، والعالم يعرف ذلك، وحكّام إسرائيل يريدون الحرب، والعالم يعرف ذلك، إذاً: الوضع السياسي لإسرائيل ليس جيداً..‏
الحرب الإسرائيلية-العربية من البعيد جداً أن تحصل في المناطق الأخرى في الشرق الأوسط، وممكن أن تحصل في جنوب لبنان عندما تتكون قضية اسمها قضية المسيحيين في جنوب لبنان، لأن هذه القضية تعطي مبرراً من الدول الكبرى التي هي مسيحية غالباً لإسرائيل، وتعطي مبرراً من شعوب هذه الدول لإسرائيل، عند ذلك: إسرائيل الراغبة في الحرب تستعمل هذه الورقة دون رحمة..‏
سؤال: ما هو عدد النازحين من الجنوب بسبب الحرب الدائرة هناك؟‏
جواب: عدد النازحين من الجنوب حوالي 170 ألفاً، يضاف لهذا العدد 70 ألفاً نزحوا من النبعة ورأس الدكوانة وضواحي بيروت باتجاه الجنوب، يعني: مجموع الجنوبيين الذين نزحوا (من الجنوب وضواحي بيروت) 240 ألفاً، وهذه الكمية من الناس تتفاوت أوضاعهم الاجتماعية، وبينهم أناس وجدوا أماكن في بيوت أرحامهم أو أصدقائهم أو أماكن شغلهم، ومنهم لم يجدوا حتى الآن أماكن للسكن، وينتقلون بين مكان وآخر بحالة قاسية..‏
سؤال: هل تتوقعون عودة هؤلاء النازحين، أم تعتقدون أنهم استقروا حيث هم الآن؟‏
جواب: العكس هو الصحيح، يعني: بعد نهاية المحنة سيكون الجنوبيون الراغبون في السكن في بيروت أقل مما هم الآن، فهذا يعني أنّ الـ170 ألف نازح جنوبي سيعودون جميعاً الى الجنوب، والـ70 ألف جنوبي الآخرين سيعود قسم منهم الى الجنوب، لأن الوضع الإنمائي في الجنوب يرجى أن يتحسن في أيام الرئيس سركيس (وتتوفر فرص العمل)، ومن جهة ثانية فمأساة ضاحية بيروت كانت كبيرة، فالجنوبيون الساكنون في ضواحي بيروت شعروا بظلم كبير جداً من جراء المعاملة التي عوملوا بها من دون سبب، ولذلك فقسم من هؤلاء الناس لن يعودوا الى الضواحي، إذاً: الـ170 ألف جنوبي سيعودون، وقسم من الـ70 ألف سيعود الى الجنوب، قسم من هؤلاء سيسكن في الجنوب، ونحن سنعمل على هذا الأساس لتوفير الظروف والعمل في الجنوب بمساعدة الدولة طبعاً حتى يسكن الناس في الجنوب أكثر فأكثر..‏
سؤال: من هي القوة في رأيكم التي ما زالت تمنع عودة السلام الى الجنوب؟‏
جواب: إسرائيل فقط، مباشرةً، وبواسطة عصابات ترسلها إسرائيل بين الطرفين، وأيضاً مجموعة عسكرية تبلغ كتيبتين تدّعي أنها منتمية الى الجبهة اللبنانية، ولكن في الواقع تتزود وتتسلح وتتدرب وتأخذ أوامرها من إسرائيل التي تمنع عودة السلام مباشرةً وبواسطة عملائها، وعملاؤها موجودون في الطرفين، يعني: إسرائيل لها ثلاث طرق في التأثير على سلام الجنوب.. وإلا فجميع القوى الأخرى من مصلحتها السلام في الجنوب..‏
سؤال: هل إمكانية التعايش بين القرى الجنوبية ما زالت ممكنة بعد عودة السلام الى المنطقة؟‏
جواب: طبعاً، لأنّ ما حصل بين القرى المسيحية وغيرها كان من الواضح أنها ليست مواقف ذاتية من تلك القرى، مثلاً: عندما دخل المسيحيون عبر الأراضي الإسرائيلية (في عين إبل) إحتجّ أهالي عين إبل عليهم، ولكنهم لم يتمكنوا من أن يعملوا أي شيء نتيجةً لوجود المسلحين ونتيجةً لوجود الضغط الإسرائيلي.. ورميش الآن تعيش حالة تململ وقلق قاسٍ، وهكذا القوزح وبقية القرى أيضاً، هذه القرى تتعايش مع القرى المجاورة منذ ألف سنة أو أكثر، ومشاركتهم الحياتية عميقة جداً، ورصيد التعايش لا يزال باقياً، خاصةً عندما يتضح لجميع الأطراف أنّ المحرّك إسرائيل، وأنها وحدها كانت مباشرة وغير مباشرة تحرّض هذه القرى بعضها على بعض..‏
سؤال: يعني يمكننا القول أنّ موقف أهل الجنوب حيادي؟‏
جواب: أهل الجنوب موقفهم في مختلف الجهات كان مثالياً، أولاً: خلال ألف سنة كان موقفهم مع مختلف الأديان والمذاهب موقفاً سليماً.. منفتحاً.. رسالياً، وخلال فترة الحرب في لبنان (السنتان) كان الموقف في الجنوب جيداً، وكل قادة الجنوب (وأنا أحدهم) كنا نبذل جهوداً معيّنة في سبيل عدم حصول أي توتر أمني، وكنا نسعى في سبيل تحسين الوضع المعيشي للقرى المسيحية أكثر من القرى الإسلامية في المنطقة، بعد ذلك حصلت محاولات وإغراءات وتهديدات وضغوط لكي يتعامل الجنوبي مع إسرائيل، فرفض الجنوبي هذا الأمر، ومن مجموع هذه الأمور بإمكاننا أن نقول أنّ موقف الجنوبيين موقف وطني قومي، لا طائفي..‏
في الوقت الحاضر: لا شك أنّ الأمل بهذه المساعي القائمة، وسيجد الجيش اللبناني عندما يدخل الى الجنوب أنّ شعور المواطنين ووطنيتهم وتحملهم للمسؤوليات هي أكثر من أي منطقة أخرى رغم مرور هذه المحنة ورغم مرور فترة إهمال من السلطات المركزية في وضعهم المعاشي (الإداري) ووضعهم الأمني بصورة خاصة، ومع ذلك فالتزام الجنوبيين بالشرعية التزام كبير..‏
سؤال: هل عودتكم للمسرح السياسي مؤخراً بعد احتجابكم فترة عنه هو بسبب تزايد خطورة الوضع؟ أم بسبب بداية عودة الوئام؟..‏
جواب: في الواقع أنا لا أعتقد أنني غبت عن المسرح السياسي ساعة لأنني أعتبر أنّ المسرح الذي أعمل فيه هو المسرح السياسي، بل أعتبر أنه المسرح الوطني، وعندما يعيش الوطن حالة الخطر فكل فرد بأي مركز وضمن أية مؤسسة عليه أن يتحرك، وفي السنوات الأخيرة أنا أشعر بخطر على وطني، ودائماً كنت أنذر قبل الأحداث بحدوث مثل هذه الأحداث التي حدثت، إذاً: كنت دائماً في هذا المسرح، ولا أزال باقياً الى أن يبتعد الخطر عن وطني.. أما التعتيم في فترة زمنية معيّنة، فسببه نفس السبب الذي عرّضني لهجمات كبيرة من خلال الإعلام اللبناني والعالمي، والسبب أنّ المؤامرة التي عصفت بلبنان كان أحد أهم أهدافها ضرب صيغة التعايش والوحدة الوطنية اللبنانية، وإذا كان التعايش هدفاً للمؤامرة فإنّ رموز التعايش حتماً تصبح هدفاً للمؤامرة في الدرجة الأولى، وأنا لا أعتقد أنّ أحداً في لبنان كان يرمز الى وحدة لبنان بمقدار ما كنت أنا شخصياً، لأنني بالإضافة الى كل اتصالاتي الثقافية والاجتماعية والسياسية مع مختلف الطوائف اللبنانية (والعلاقات الواسعة) بلغتُ درجة إلقاء عظة الصيام في كنيسة الكبوشيين قبل ثلاث سنوات، وهذا حد لا يبلغه أحد في العالم، وهذا تماماً كرجل دين مسيحي يلقي خطبة الجمعة.. إذاً: كنت رمز الوحدة الوطنية، ولذلك تصدت المؤامرة لي بشكل مباشر وشوّهت مواقفي وأبرزت مواقف مشوّهة عن نشاطاتي وتحركاتي، وفي فترة من الزمن حاولت التعتيم على مساعيّ ونشاطاتي، لكن بطبيعة الحال أنا راضٍ على ما أُصبت به، ولا شك أنّ الحقائق لا يمكن أن تبقى دائماً مخفية، ففي المستقبل ستتغير هذه المواقف وسيتضح للبنانيين جميعاً أنني بذلت رغم ظلمهم الإعلامي أكثر مما كنت أبذل في حالة التفافهم ومحبتهم..‏
سؤال: ما هو سبب إزالة التعتيم في هذه الفترة بالذات؟‏
جواب: عدم تمكن الوسائل التي كانت وراء التعتيم من أن تخفي هذه النشاطات، باعتبار أنّ قضية الجنوب قفزت الى المسرح كقضية أولى لبنانية، وعندما يُبحث عن الجنوب فبطبيعة الحال لا يمكن أن تبتعد قضية الجنوب عني بشكل أو بآخر، ولذلك كان البروز الإعلامي من جديد..‏
سؤال: من هي الجهات أو الأطراف التي أرادت التعتيم؟‏
جواب: نفس الجهات التي خلقت المؤامرة واستعانت بجهات داخلية لتنفيذ المؤامرة، وهذا بحث طويل..‏
سؤال: ألا يمكننا أن نوضح أكثر؟ يعني كلمة الأطراف أو الجهات غير واضحة..‏
جواب: أعتقد أنه سيأتي الوقت الذي يُكشف فيه عن هذه الأمور، في الوقت الحاضر إذا تحدثنا سيصبح‏
الحديث جزءاً من الحملات الإعلامية المتشنجة ولا يسجّل كمعالجة للمحنة، ولكن سيأتي الوقت..‏
سؤال: ما هي المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي تعتقدون أنّ من الضروري المباشرة بها فور عودة السلام الى الجنوب؟‏
جواب: طبعاً في الدرجة الأولى الليطاني، لأنّ مشروع الليطاني الى جانب كونه مشروع إنمائي يروي 45 ألف هكتار، وما يستتبع ذلك من زراعة، مما يغيّر وجه الجنوب ووجه لبنان، وهناك مشاريع أخرى من بحيرات اصطناعية في مثلث يارين-كفرا-يارون.. وهناك مشروع أوتوستراد وسكة الحديد الذي يمكّن العامل الجنوبي أن يعمل في بيروت ثم يعود لينام في بيته، وهذا المشروع إما فوق الأرض أو تحتها..‏
مشاريع الجنوب مدروسة وجاهزة وواضحة، وليس هناك أمر غير معروف، وهناك صناعات محلية كانت، وصناعات محلية صارت، والصناعات التي كانت هي: صناعة الفخّار في راشيا، وصناعة الأحذية في بنت جبيل.. أما الصناعات التي صارت فقد أسستها أنا: صناعة السجّاد العجمي، وسجّاد الحرير، وغير ذلك..‏
وهذه الصناعات في الدرجة الأولى تتعمم على المناطق، ثم في المرحلة الثانية تصبح صناعات نصف آلية..‏
لذا، ليس هناك مشكلة بالنسبة لخطة العمل في الجنوب..‏
سؤال: أتعتقدون أنّ الدولة ستعطي اهتماماً أكثر لمشاريع الجنوب مما كانت تعطيه في الماضي؟‏
جواب: هذا الذي نأمل به، وخاصةً في أيام الرئيس سركيس، لأن الرئيس سركيس شخصياً يمتاز بقناعته الكلية بالقضية الاجتماعية، وهو يعرف مدى أهمية القضية الاجتماعية اليوم في القضايا الأمنية وحتى في القضايا الوطنية..‏
سؤال: هل تريدون إضافة شيء؟‏
جواب: طبعاً أنا أحب أن أقول كلمة، مع تقديري لمقالات "موندي مورننغ" التي تخلق دائماً ضجة إعلامية كبيرة، أحب أن أقول لـ"موندي مورننغ" وللناس الذين يقرأون المقال بالإنكليزية أو العربية: إنّ الحرب اللبنانية أكثر من خمسين بالمئة منها اعتمدت على الإعلام، حتى كدنا نقول أنّ الحرب كانت إعلامية، وكانت تتحول الى حرب عسكرية، ولذلك هناك أخطاء كبيرة وصور مشوّهة ووقائع مختلفة وتغطية غير سليمة لأشخاص وأحداث ومواقف، ولا شك أنّ اللبنانيين إذا كانوا يريدون أن يتجاوزوا الحرب، فتجاوز الحرب ليس بإسكات الرصاص فقط، بل بمعالجة الجرح الذي يتركه الرصاص، بل أن يزيلوا أيضاً الأثر الذي تركته الحرب الإعلامية خلال فترة حرب السنتين.. وإذا تمكنّا أن نعالج هذا الأمر فأعتقد أننا سنخطو خطوات واسعة نحو السلام، وأتمنى أن يكون شهر رمضان الذي هو شهر المحبة والتضحية والمعاناة المشتركة فرصة للاتجاه بهذا النحو..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان