المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

سماحة الإمام السيد موسى الصدر يتحدث للصحافي راشد فايد صحيفة السفير (23/2/1977)

بسم الله الرحمن الرحيم‏
سؤال: الجنوب هو الشغل الشاغل لكل مواطن، فهو بقي وحيداً خارج حلقة الأمن التي فرضتها قوات الردع، والسكون السياسي بين الأطراف (المقترب من الاتفاق السياسي) لم يشمله، فما هو تقويمكم لوضعه؟‏
جواب: لا شك أنّ قضية الجنوب برزت بوضوح كقضية ذات أبعاد سياسية تمتد الى مشكلة الشرق الأوسط، والى أبعد من ذلك، ولعلها ترتبط أيضاً بمنافسات الدول الكبرى فيما بينها.. وقضية الجنوب كشفت أيضاً بعض الأبعاد السياسية للأزمة اللبنانية الأخيرة، ولا يشك أحد في أنّ وجود قوات الردع العربية في الجنوب لا يشكّل تهديداً لأمن إسرائيل، لكن تهديدات إسرائيلية ملأت المسامع والصحف كادت أن تفجّر الوضع في الشرق الأوسط عشية البحث عن الحلول وفي الوقت الذي تتجه القوى الكبرى في العالم نحو حل الأزمة..‏
سؤال: إذاً، ماذا يكمن وراء التهديد الإسرائيلي؟‏
جواب: هناك أسباب داخلية في إسرائيل تعود الى زعامة حزب العمل الحاكم، كما تعود الى السباق السياسي عشية الانتخابات الإسرائيلية، كما أنّ أسباباً أخرى قد تكون وراء هذه التهديدات التي لم يسبق لها مثيل من قبل..‏
بقاء الجنوب في حالته الحاضرة نقطة ضعف في الصف العربي في وقت السلام ومفاوضاته، ثم أنه نقطة ضعف في الوضع اللبناني قد تحاول إسرائيل استغلالها والمساومة عليها لأخذ امتيازات مائية أو أمنية..‏
كما أنّ وضع الجنوب نقطة ضعف في وضع قوة الردع العربية في حالتها الراهنة، حيث أنّ غياب الأمن عن منطقة تبلغ 30 % من أرض لبنان يشكّل تهديداً لقوات الردع ومقرّرات مؤتمرَي الرياض والقاهرة..‏
وأخطر ما في الأمر أنّ أسلوب التدخل الإسرائيلي هذه المرة يختلف عن السابق، حيث يبدو وكأنه بدوافع أمنية محضة، مما يقلّل من إمكان إدانة العالم لإسرائيل..‏
إنّ لهذه الأمور أبعاداً تُكتشف من خلال الأحداث وتُقرأ فيما وراء السطور، ولكن الواقع المعاش والصورة المرئية هي التالية:‏
أولاً/ هناك قرى ومدن حدودية بدأت تنقطع بالتدريج عن العمق اللبناني، وإذا لاحظنا بوادر اتساع الرقعة هذه ندرك خطورة الأمر.‏
ثانياً/ العلاقات الحسنة بين الجنوبيين على مختلف انتماءاتهم الدينية كانت متينة منذ قرون عديدة، وتتعرض بفعل الأحداث لاهتزازات، وأحياناً لجروح، وهذه خسارة كبيرة أخرى تتضاعف باستمرار وتهدّد كيان لبنان في الصميم..‏
ثالثاً/ ثقل المحنة يبعد المواطن العادي في الجنوب عن إمكان تحمّل المسؤوليات القومية، وخصوصاً عن مشاركته في قضية تحرير الأرض المقدسة.. وعلى الرغم من أنّ الصمود الذي لا مثيل له ظهَر في موقف الجنوبيين حتى الآن، فإنّ المشكلة قائمة..‏
رابعاً/ المأساة الإنسانية التي تتجاوز في حدودها الكوارث قائمة كل يوم وفي كل نقطة من الجنوب، وأمام هذه الأهوال والمصائب المكشوفة (والمتسترة) لا بد من القيام بعمل عربي موحّد لأنّ المحنة تفوق إمكانات لبنان..‏
بإمكاني أن ألخّص محنة الجنوب في كلمة واحدة، وهي أنّ الأزمة السياسية والعسكرية التي اجتاحت لبنان بكل أبعادها بقيت مستمرة تنمو من حيث النوعية، ولكنها تحجّمت من حيث الأبعاد المكانية، فانتقلت الى الجنوب لكي تقترن بالأزمة السياسية والاجتماعية والأمنية التي كانت سائدة هناك منذ وقت طويل..‏
سؤال: كيف يمكن وضع حد لما يحدث في الجنوب؟‏
جواب: إنّ عوامل الأزمة متعددة، ولا أعتقد أنّ حلاً عسكرياً يضمن الخطوة الأولى للحل (وهي الأمن)، ولكن القضية تحتاج بالإضافة للقوة العسكرية الى الحد الأدنى من الوفاق السياسي اللبناني والى موقف عربي موحّد يشكّل ضغطاً سياسياً على القوى العالمية التي تتمكن من الضغط على إسرائيل..‏
سؤال: هل يعني ذلك أنّ دخول قوى الأمن اللبنانية غير كاف إذا تم؟‏
جواب: لقد تحدثت عقب لقائي مع رئيس الحكومة عن ضرورة التعاون الشعبي مع قوى الأمن الداخلي لكي يعود السلام الى الجنوب، ومن الطبيعي أنّ تعاون الناس لا يمكن إلا مع حد أدنى من الوفاق السياسي (ولو كان محدوداً)، وذلك في سبيل تخفيف الآلام عن الجنوب، أما إذا أمكن الوصول الى موقف عربي موحّد فإنه يحلّ المشكلة من أساسها، ويبقى السؤال: هل أنّ الجنوب اللبناني بتواضعه يدفع الدول العربية لمثل هذا الاتفاق؟‏
سؤال: هل تعتبرون أنّ مؤتمرَي الرياض والقاهرة لا يشكّلان حداً مقبولاً من الاتفاق والتضامن العربيين؟‏
جواب: بلى، مؤتمرا الرياض والقاهرة كانا بداية هذا الموقف العربي الموحّد، ويجب متابعة الأمر ووضع الدول العربية في الأجواء الراهنة..‏
سؤال: الى جانب الاتفاق العربي، تحدثتم عن الوفاق السياسي، ما هو دوركم فيه؟‏
جواب: إنّ الطريق المتوافر لي هو الوصول للاتفاق السياسي عن طريق القمة الروحية، وهذا ما أسعى‏
إليه، أما الاتفاق السياسي عن غير هذه الطريق فإنه يحصل عن أحد طريقين: إما المصالحة التي تأتي على اثر الحوار السياسي، وإما عن طريق أخذ الرئيس الياس سركيس المبادرة واستطلاع الآراء واتخاذ المواقف وإصدار قوانين لازمة بشأنها..‏
سؤال: ما هو تقويمكم لمواقف الأطراف الآتية وعلاقتكم بها: "الجبهة اللبنانية"، "الحركة الوطنية"، و"الجبهة القومية"؟‏
جواب: في الواقع إنني لا أعتبر العمل السياسي أو الاجتماعي إلا جزءاً من رسالتي الدينية، بمعنى أنّ الإيمان بالله في تصوري لا ينفصل عن الجهد في سبيل خدمة الناس وتخفيف آلامهم، كما أنّ هذا الإيمان يحدد المسلك المطلوب، أي: خدمة الناس (هي) ذاك المسلك الذي يعتمد على الالتزام بالقيم الأخلاقية، لذلك، كثيراً ما أتردّد في تسمية هذا الجهد "سياسة"، كما أنّ الكثيرين يتردّدون في اعتباري من السياسيين..‏
هذا الخط العريض كان مسلكي قبل الأحداث اللبنانية وخلالها وبعدها، وهو الذي حدد علاقاتي مع الفئات السياسية في لبنان، وسيبقى ينظّم العلاقات في المستقبل..‏
لقد كان موقف "الجبهة اللبنانية" في المرحلة الأولى من الأزمة وخلال الجولات العديدة في تصوري موقفاً لا ينسجم مع قناعاتي ومسلكي، وبالتالي كان يشكّل خطراً على وحدة لبنان وعلى سلامة أراضيه وعلى سيادته وعلى القضية القومية، وخاصةً على المقاومة الفلسطينية، وذلك لا يعني أنّ الطرف الآخر في تلك المرحلة كان يخلو من أخطاء أو انحرافات..‏
في هذه الفترة كنت أدعو الى تطويق الحرب الأهلية التي كانت في حد ذاتها مؤامرة من جهة، ومن جهة أخرى كنت مع جماعتي وحركتي وطائفتي وكل من يسمع منّي.. كنّا جميعاً في موقف الدفاع، وسوف يحكم التاريخ بأنّ هذه المجموعة هي التي أحبطت المؤامرة، وكان موقف "الجبهة اللبنانية" أيضاً منّا موقفاً متشنجاً بقيت آثاره مع الأسف حتى الآن..‏
وجاءت المرحلة الثانية من الأزمة، أي ما بعد صدور الوثيقة الدستورية والهدنة التي أُعلنت نتيجةً للوساطة السورية.. في هذه المرحلة وجدتُ أنّ الأحزاب انحرفت وبدأت تأخذ دوراً يهدد الوطن بالتقسيم، بل بالتمزّق، كما أنه كان من نتيجة مواقفها سقوط المقاومة الفلسطينية بوجه خاص، والقضية القومية بوجه عام، وهنا أعلنّا موقفنا من الأحزاب، وانسحب ممثل حركة المحرومين من اجتماعات "الحركة الوطنية"، وبدأت أعمل مع "قمة عرمون" في معالجة الوضع، ومن الطبيعي أنّ هذا الموقف خلق تشنجاً لدى الأحزاب، فشنّت هجوماً قاسياً وتجاوزت كل حد، وحاولت أن تستدرج المقاومة الفلسطينية في العداء والتهجّم..‏
لا أريد أن أتحدث في تفاصيل ما جرى، فالنتائج حكمت على فداحة الأخطاء في الأهداف وفي الوسائل لدى "الحركة الوطنية" التي أعتبر أنّ بعض عناصرها لا تقل مسؤوليتهم فيما وصلت إليه البلاد (بل ما وصلت إليه المقاومة الفلسطينية) عن مسؤولية "الجبهة اللبنانية"، ولا أتمكن من تفسير الحملة التي شنتها هذه الأحزاب وتورطت بكل أسف معها أكثر الصحف الوطنية عندما سقطت النبعة، مع العلم أنني لا أعرف أحداً أو مؤسسة قدّمت لصمود النبعة ما قدّمناه من جهد سياسي وتحييد للأرمن وإقامة لمستشفى وإرسال وسائل تموينية وأدوية وغيرها للمحاصَرين، وأخيراً، كانت حركة المحرومين التنظيم الوحيد الذي دافع لآخر فرد في النبعة، فقد قُتلوا جميعاً، بينما جميع المسؤولين العسكريين والسياسيين لدى التنظيمات الأخرى هم اليوم في بيوتهم وبين أهلهم ينظّرون ويتهمون ويفتخرون..‏
إنّ المقياس الوحيد لعلاقاتي وعلاقات الحركة مع الناس هو الهدف الصحيح والسلوك الصحيح، فلا يمكن الوصول الى الأهداف الصحيحة مع المسلكية التي مورست من خلال أطراف الصراع في الأزمة اللبنانية..‏
أما علاقاتنا مع "الجبهة القومية" فهي مجرد تلاق في الهدف وفي مرحلة من الزمن عندما كانت تحاول جبهة الأحزاب والقوى الوطنية أن تتخذ قراراتها بصورة عشائرية وبوسائل لا تتفق مع أهدافها المعلنة..‏
سؤال: ما هي احتمالات اللقاء سياسياً حالياً مع "الجبهة اللبنانية" و"الحركة الوطنية"؟‏
جواب: سبق وقلت أني لا أعدّ نفسي رجل سياسة، وإنما أنطلق في تحركي العام من منطلق الإيمان بالله الذي لا ينفصل عن الإيمان بخدمة الإنسان وعن الالتزام بالقيم، ولذلك فإنّ اللقاء والخلاف عندي لا يمكن أن يكونا نابعَين من الظروف، بل يجب أن يكونا منطلقَين من المبدأ..‏
في ضوء هذه المقدمة، وعندما أستعرض المأساة اللبنانية، أجد فيها الكثير من الممارسات التي لا تنسجم مع الالتزام بالقيم، ولو في حد أدنى، مثل الاعتداء على الأبرياء، والانتقام الطائفي، وإطلاق القذائف على المدنيين وعلى المؤسسات الإنسانية، ثم استعمال الأسلوب التحريضي في الإعلام (مع عدم الصدق)..‏
إنّ هذه الممارسات حصلت من "الحركة الوطنية" كما حصلت من "الجبهة اللبنانية" في خلال الأحداث، وأنا مقتنع أنّ كثيراً مما حصل لم يكن صادراً بناءً على أوامر قيادية، ولكن القياديين تحملوا مسؤولية ما حدث، بل حاولوا توظيف هذه الأعمال على الصعيد السياسي، وهذا معنى المؤامرة، لأنّ القوى التي تآمرت على لبنان وعلى المقاومة الفلسطينية وعلى العرب كانت أكبر من أطراف النـزاع في لبنان، واستغلت الثغرات الموجودة في الجبهتين، وكان من المطلوب أن تتبرأ القيادات مما يحدث، ولم يحصل هذا التبرؤ مع الأسف..‏
إذاً: اللقاء العملي مع أصحاب الممارسات هذه (أو مع من تحمّل مسؤولية هذه الممارسات) غير ممكن إلا إذا أعلنت القيادات (يمينها ويسارها) تبرؤها مما حدث، وعندما أقول هذا الكلام لا أقصد الإساءات التي مورست ضدي وضد طائفتي والحركة، فإنّ هذه الإساءات تُردّ، كما يعلّمنا القرآن الكريم الإحسان عندما يقول: (ولا تستوي الحسنة بالسيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي).. وإنما أنطلق من قضية المبدأ لكي أصل الى النتيجة التالية: إنّ اللقاء العملي مع أطراف النـزاع من دون التبرؤ أو البراءة من الممارسات تلك يتنافى مع إيماننا وقناعاتنا..‏
ومن جهة أخرى : فإنّ أهداف المؤامرة كانت واضحة، وقد أُعلن عنها مرات ومرات، واعترف بها جميع‏
الأطراف، ومع ذلك كانت الأطراف المتنازعة تتابع تشنجها وفعلها أو ردها للفعل، وهذا يفسَّر إما بقصور القادة عن رؤية أبعاد تحركهم، وإما التورط، وفي كلتا الحالتين لا يمكن اللقاء الاستراتيجي إلا مع التبرؤ مما حصل..‏
كيف يمكن الدفاع عن المذابح والمآسي والاعتداءات التي تعرّض لها الأبرياء والأطفال والنساء.. بل والعلماء والأساتذة وغير ذلك؟.. لا أريد من قِبلي أن أسدّ الأبواب، كيف وأنا أبذل الجهد الكبير في سبيل المصالحة الوطنية وإعادة اللحمة بين المواطنين، ولكني أقول أنه لابد من وضع خطة واضحة لأهداف واضحة وبسلوكية واضحة، فتكون الخطة والأهداف والسلوكية تختلف عن التي كانت في خلال الأحداث، بل تختلف عن التي كانت قبل الأحداث وأدت الى الأحداث..‏
قد تكون هذه الشروط موسكوبية، وقد لا أكون في تصور الأطراف أملك حق أو إمكان فرض الشروط، ولكنّي أعبّر عن ضمير المواطنين وعن مصلحة الوطن العليا، وأقول: لا يمكن بناء الوطن إلا على أساس أهداف إنسانية وبسلوك مناقبي إنساني..‏
سؤال: لم تخرج المصالحة الوطنية حتى الآن عن إطار الكلام والشعار، ما هو تصوركم لطريقة إتمامها؟‏
جواب: في تصوري أنّ المصالحة الوطنية بالشكل العشائري وشعار لا غالب ولا مغلوب وبصيغة الصفاء هي عمل فاشل وتأخير للحل، وبالتالي تغطية للجرح..‏
كذلك فإن المصالحة في ضوء حوار يوضح تفاصيل المستقبل داخلياً وعربياً وخارجياً أمر عسير، لأنّ الحوار هذا طويل.. طويل..، وطالما أنّ التجارب الاجتماعية في تطور ونمو دائمين فيمكن أن نقول أنّ هذا الحوار ليس علاجاً متوافراً للوطن ولا سبيلاً سهلاً للمصالحة..‏
إذاً: لا بد من اختيار طريق منطقي، وهو إجراء المصالحة في ضوء الخطوط العريضة للبنان المستقبل، وطريق تنفيذ هذه المصالحة هي إما بواسطة القمة الروحية (كما ذكرت في بداية الحديث)، أو عن طريق مبادرة الرئيس الياس سركيس نفسه، بأن يستطلع آراء الجميع ويختار الصيغة التي تلبّي رغبة أكثرية الشعب اللبناني، ثم يطرح هذه الصيغة على الاستفتاء العام وإن لم يكن وارداً في الدستور، ولكن الاستفتاء هو صانع الدساتير، وليس الدستور هو الذي يسمح للاستفتاء أو لا يسمح..‏
سؤال: الآراء السياسية متفقة على أنّ اكتمال صورة لبنان الجديد تنتظر اثنين: الاتفاق السياسي، وإعادة بناء الجيش، ما هي برأيكم صيغة الجيش الجديد، وما هو رأيكم في المرسوم الأخير بصدده؟‏
جواب: الجيش هو العمود الفقري لبناء الدولة، وهو سياج الوطن والبوتقة التي ينصهر فيها أبناء لبنان ليصبحوا مسلكية وهدفاً مواطنين صالحين، إنه درع الوطن والمواطن أمام الأعداء في الخارج وأمام الأعداء في الداخل، وأمام نقاط الضعف والثغرات الداخلية التي تفوق في أخطارها خطر العدو الخارجي..‏
لذلك فإنّ جيش لبنان المقبل يجب أن يبقى واحداً يعتمد في اختيار كوادره وقياداته على الكفاءة فحسب من دون أية ملاحظة طائفية، وأهم من ذلك: يجب الاتفاق على قضية الجيش (التي هي قضية الوطن) بكامل أبعادها، وبوضوح مطلق، من دون مجاملة أو نفاق..‏
أما مرسوم تنظيم الجيش الذي في تصوري هو الخطوة الأولى فإنه الصورة الكريمة الوحيدة لمعالجة المحنة التي عصفت بالجيش اللبناني، ولا أعتقد أنّ الوطن بوضعه الحالي وبعد مرور الأزمة المأساة يتمكن من إجراء تصفية قسرية أو تسريح لا يليق بكرامة الضباط..‏
إنّ الملاحظة الوحيدة على المرسوم هي الوقت الذي كنا نتمنى أن يكون أقل من ثلاثة أشهر رغبةً في الاستعجال لبناء الجيش السليم..‏
سؤال: يرتفع بعض الأصوات في الدعوة الى التعددية، ويرى أصحابها أنهم قد يتخلون عنها في جميع المجالات، إلا في القضية الدفاعية، ما رأيكم؟..‏
جواب: التعددية صفة مطاطة، يدعم بعض مصاريعها الوحدة، فالإنسان الجسد مثلاً تعددية أعضائه في الكم والنوع والوظيفة تساعد على تماسك الجسد ووحدته، والعائلة أيضاً، حتى أنّ المجتمع لو كان أبناءه جميعاً ذوو صفات متشابهة في الشكل وفي الكفاءة وفي الإحساس وفي الطموح.. فإنه لم يكن يتوحد يوماً، حيث أنّ وحدة المجتمع برغم كثرة أفراده هي بتنوّع هؤلاء الأفراد، حيث يحتاج كلٌ منهم الى الآخر نتيجةً لتفاوت الكفاءات والأحاسيس والطموحات.. وهذا معنى المبدأ الفلسفي والاجتماعي المعروف، أنّ الكثرة في الوحدة، وأنّ الوحدة في الكثرة..‏
وفي لبنان، لا شك أنّ نوع التعددية يختلف نتيجةً لوجود الطوائف الدينية، أما في بلاد أخرى فنجد أنّ مجتمعاتها تضم متناقضات في اللغة وفي العنصر وفي العقيدة وحتى في التاريخ، بينما تعددية لبنان ليست تعددية متناقضة، بل إنها متكاملة، فالفرق بين المسلم والمسيحي مع الإيمان بالله وما يستتبع هذا الإيمان من الالتزام بالقيم ومع وجود لغة واحدة وتاريخ واحد وطموحات مشتركة وحتى مع الشبه الكامل في الشكل واللهجة والحركات والعادات القومية..، إنّ الفرق بين المسلم والمسيحي هو فرق أحد المتكاملين مع الآخر، بينما في البلاد الأخرى (حتى في بعض البلاد العربية) نجد المجتمع يضم عناصر متفاوتة في الشكل واللون واللهجة واللغة والتاريخ، حتى بين الأحزاب بما بينها من تفاوت إيديولوجي، ومع ذلك فإنّ تلك التعدديات توظَّف في سبيل توحيد البلاد، فكيف بلبنان؟ البلد الصغير في مساحته والكبير بقوة أهله ووحدتهم..‏
يبقى الشرط اللازم لتوحيد الكثرة والتعدد، وهو الحرية أولاً، والاحترام والثقة المتبادلين ثانياً، والقضية الوطنية التي تعبّر عن الآمال والطموحات وعن الآلام والحاجات، وحتى عن المرحلة التاريخية ثالثاً..‏
سؤال: رفض التعددية هل يشمل اللامركزية الإدارية؟‏
جواب: اللا مركزية الإدارية هي الأسلوب المتطور للإدارة والحكم، ولكن يجب أن تكون المحافظات أو الأقضية غير منقسمة بالشكل الطائفي، وبتعبير أدقّ: لا تكون المحافظات أو الأقضية هي الجبهات المتصارعة..‏
سؤال: ما الجديد في قضية المهجرين..‏
جواب: إنّ المشكلة في طور الحل، وهي في الدرجة الأولى مشكلة أمنية، ولذلك فإنها مرتبطة بضبط الأمن من جهة وبتخفيف التوتر أو ما سمّيناه الحد الأدنى من الوفاق السياسي، وبشكل كلّي، ومن خلال اتصالاتي أتصور أنّ مشكلة المهجرين منتهية، ولكنها قضية الوقت..‏
سؤال: كانت القضية الاجتماعية نافذة لكم على المواطنين، هل طرحتموها حالياً على المسؤولين؟‏
جواب: من حُسن الحظ أن الرئيس الياس سركيس هو رجل القضية الاجتماعية، وانه لم يكن بعيداً عن الحرمان إحساساً وعيشاً، ولقد كنت أعرف دراساته التفصيلية عن مسائل التنمية، وشاهدنا أنّ كلمة العهد الأولى تضمنت بشكل واضح القضية الاجتماعية، ثم أنّ شخصية رئيس الوزراء من الناحية الفنيّة تجعل منه رأس جهاز مناسب لاستيعاب المحنة ووضع خطة لعلاجها، ولقد قال منذ يومين أنه مستعد للاستماع والاجتماع بأي وفد يمثّل قطاعاً من قطاعات المجتمع المحتاج الى الرعاية، وهذا أدنى درجات مراعاة حقوقهم..‏
من جهة ثالثة: فإنّ الدراسات التي توضع من قبَل المواطنين أو المؤسسات أو تلك التي حصلت التجربة عليها في الخارج يمكن تقديمها الى الحكومة مع التأكيد من أنها لا تُهمل، وبكلمة: برغم ضخامة المسؤولية الاجتماعية فالأمل يضيء..‏
سؤال: ما هو موقفكم من اتحاد فيدرالي بين لبنان وسوريا والأردن؟‏
جواب: في حدود معلوماتي أنه لم يُطرح حتى الآن موضوع الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي مع لبنان، ولكنه مطروح مع غير لبنان من الدول العربية، أما مع لبنان فلا شك أنّ المسألة بحد ذاتها بحاجة لاتفاق الجميع (لا موافقة الأكثرية فقط) نظراً لظروف لبنان العادية والظرف الاستثنائي الذي يعيشه..‏
إنّ التجربة الأوروبية التي بدأت بالأمور الاقتصادية الجزئية، ثم مع السوق الأوروبية الى جانب مجلس البرلمان الأوروبي واجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين، ثم تلك التجربة التي بدأت بين سوريا ومصر وبتوحيد القيادة السياسية وإيجاد قيادة جبهتين (مصر وسوريا)، والتجربة المعاشة بين سوريا والأردن منذ حوالي سنتين بصورة هادئة ومدروسة، إنّ هذه التجارب هي معالم في الطريق تمنع الارتجال والتشنج والأخطاء..‏
أما بصورة مبدئية فلا أعتقد أن أحداً يرفض التوسع في وجوده وفي مساحة عمله، وفي حجم عائلته، وفي‏
السير نحو الطموح الحضاري بتكوين دولة كبرى في الشرق الوسط، ناهيك عن التحدي الدائم من خلال وجود إسرائيل..‏
سؤال: في تقدير بعض المحلّلين أنّ موقع العرب في الصراع مع إسرائيل صار أضعف مما كان عليه في السابق، ألا يؤثر ذلك برأيكم على مسيرة السلام في لبنان؟‏
جواب: إنّ السلاح الوحيد المؤثّر بيد العرب في هذه الفترة الزمنية من التاريخ هو سلاح التضامن والتنسيق بين الدول العربية وبين شعوبها، كما أنّ السلاح الفعّال الوحيد بيد العدو الإسرائيلي ليس طائرات "الميراج" ولا الصواريخ التلفزيونية ولا حتى القنابل الارتجاجية، ولكنه الخلاف في صفوف العرب..‏
هكذا راهَن مؤسسو إسرائيل، وهكذا دلت التجارب، وهكذا يحكم المنطق البسيط في الحياة، فالعالم العربي واسع، وهو إذا كان واحداً فإنّ العدو ينهار لمجرد وجوده في هذا الخضم من البشر، وبين أنفاسهم، وهنا نصل الى العلاج السهل الممتنع الذي نرجو أن يكون في بدايته، وهنا أتذكر حديثاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث يقول: إنّ أخشى ما أخافه على أمتي أن تتداعى عليها الأمم كما يتداعى الأكلة على قصعتها، قيل: هل من قلة يا رسول الله؟، قال: لا، إنهم كثر ولكنكم غثاء كغثاء السيل..‏
وسوف يكون الرهان في المستقبل، في الحرب وفي السلام، وفي المفاوضات وبعدها، وفي السياسة، وفي الحرب والعسكرية والاقتصادية والمالية والدبلوماسية والإعلامية وغيرها.. سوف يكون الرهان في تصوري على هذا المبدأ..‏
أحب أن أختم حديثي بالجنوب الذي بدأنا به، لأؤكد للمواطنين أنّ وضع الجنوب اليوم من دون مبالغة بالقول أو مزايدة في التعبير يقض مضجع كل ذي ضمير، فكيف بالمواطن إذا عرف ما يجري هناك؟ لذلك فلا يمكنني أن أفهم موقف المتصارعين الذين جرّبوا حظوظهم في الحرب الأهلية ولمدة سنتين، فوجدوا أن الانتصار صعب ومكلف وليس مطلَقاً، وها هم يتابعون تجربتهم هناك، ولذلك فإني أناشدهم بإسم الوطن.. كل الوطن.. وبإسم الإنسان في كل مكان أن يعيدوا تقويم المواقف وأن يضعوا خطة تضمن السلام المحدود في الجنوب، والانقطاع عن العدو فوراً، حتى لا يكون الجنوب ورقة رابحة في يد العدو يستعملها ضد لبنان فيساوم ضد العرب فيُضعف، وضد العالم فيفرض مزيداً من الشروط..‏
إنّ وضع الجنوب إدانة للجميع، وسوف يحكم التاريخ من خلاله ومن خلال المواقف تجاهه، ولا شك أنّ حكم الله أصرح وجزاؤه أوفى وعذابه أخزى..‏

09-كانون الثاني-2008
استبيان