المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

سماحة الإمام السيد موسى الصدر يتحدث لوفد نقابة المحرِّرين (17/1/1977)

الملخص: إنّ لبنان ضرورة حضارية للعالَم، والتعايش أمانة عالمية في أعناق اللبنانيين، وإذا سقطت تجربة لبنان فسوف تظلم التجربة الإنسانية.
لبنان في هذه المرحلة بالذات من تاريخ العالم أصبح ضرورة قصوى للعالم، لأننا أولاً نتيجةً لتوسّع المواصلات نشعر أنّ العالَم في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين يعيش كأنه بلد واحد..‏
إنّ هذا العالم المترابط (الذي يضمّ الأديان والتعايش بين أبناء العالَم) ومن أجل استمرار الإنسان في بناء الدولة الواحدة الكونية (فذلك) مرتبط ومتأثر الى حد كبير بنجاح صيغة لبنان التعايشية، أكثر من ذلك: الحوار الأوروبي-العربي لولبه الحوار الإسلامي-المسيحي، وعلى نتيجة هذا الحوار تتعلق آمال المغتربين في العالم بعدما فشلت تجربة الوحدة الآسيوية-الأفريقية، فالعالم أمام القوتين الأعظم جرّب من خلال اللقاءات الأفرو-آسيوية والوحدة الأفريقية والسوق الأوروبية، والآن يجرّب من خلال اتحاد البرلمانيين في العالم حتى يجد ضماناً للإنسان أمام التحالف بين القوتين الأعظم، فأي بلد في العالم وأي إنسان وأي مؤسسة تضمن سلامتها إذا اتفقت أميركا والاتحاد السوفياتي فيما بينهما، إذاً: العالم يتطلع الى قوة أخرى تقضي على هذا الاحتكار من الوفاق..‏
كانوا يحلمون في بروز الصين، فلم يتحقق الأمل، أما الحوار العربي-الأوروبي بما لأوروبا من خبرة وتجربة وموقع، وبما للعالم العربي من تراث حضاري وثروات وموقع جغرافي.. فيضع (هذا الحوار) أمام العالم أملاً كبيراً ببروز قوى سياسية لولبها الحوار المسيحي-الإسلامي، فإذا سقطت تجربة لبنان سوف تُظلم الحضارة الإنسانية لمدة 50 عاماً على الأقل، لذلك نقول أنّ لبنان في هذه الفترة ضرورة حضارية أكثر من ذي قبل، لذلك فليسمح اللبنانيون لنا بأن نقول أنّ التعايش أمانة بيد اللبنانيين ومسؤوليتهم وواجبهم، وليس حقهم فحسب.. وهنا يأتي دور الإعلام المقنع وعظمة هذا الدور، فبماذا يرضي اللبناني نفسه أمام ما قدّم من شهداء.. وبكل أسف: شهداء على طرفَي الجبهة، وأبناء لبنان قُتلوا هنا، وكلٌ منهم يعتقد أنه قاتل في سبيل لبنان..‏
لهذا قلنا أننا نتمسك بوحدة لبنان ونحافظ عليها وعلى استقلال لبنان وعلى انسجام لبنان مع المنطقة وعلى صيانة هذا الكيان الذي هو أمانة للحضارة العالمية..‏
سؤال: هل تعتبرون أنّ صيغة 1943 سقطت؟ وهل في ذهنكم صورة جديدة للبنان المستقبل تكون منيعة وصامدة؟‏
جواب: في الواقع أنّ عدم مناعة الصيغة اللبنانية أمام ما حدث ليس اتهاماً للصيغة، لأنّ عوامل ما حدث كانت تتخطى نطاق الإرادة اللبنانية (..)، نحن نقول أنّ العوامل التي عصفت بلبنان هزّت صيغة 43، لكن مناعة لبنان هي أكبر من مناعة أي بلد في العالم، وبتصوري أنّ لبنان لم يسقط، وهنا لا أدافع عن النظام الذي كان، بل‏
أدافع عن صيغة المجتمع، أي: مسألة التعايش في ظل الديمقراطية..‏
نحن كنا من الناقدين للوضع السابق، أما بالنسبة للمستقبل فهناك أولويات لا يمكن أن تُمس، وعلى اللبنانيين من خلال الحوار أن يختاروا صيغة تحفظ هذه الأولويات، وعلى قادة لبنان أن يختاروا (مع معرفتهم بما في نفوس اللبنانيين) صيغة لهذه الأولويات..‏
وحدة لبنان هي ميزة وجوده، ونحن إذا صنّفنا حجم البلاد نجد أنّ لبنان هو ميكروفيلم عن الدول الكبرى، ولئلا يكون لبنان ميكروفيلم يجب أن تكون له ميزة خاصة، فهاتوا لنا ميزة غير التعايش (لا يوجد)، التعايش هو الميزة الحية على رغم ميزات لبنان في تاريخه وقوة أهله ومناخه، لكن هذه المزايا سابقة وليست عطايا مستقبلية، فالرسالة اللبنانية هي في التعايش..‏
النقطة الثانية هي الحرية في لبنان، لأنه يمكن بقاء مجموعات حضارية تتعايش في وطن واحد على أساس الحرية..‏
النقطة الثالثة هي الاحترام لحقوق المواطنين، أي: العدالة التامة، العدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، العدالة في التنمية..‏
وقال سماحته رداً على سؤال: أنا 100 % مع وحدة المناهج التربوية والثقافية، وأتمنى وحدة الدائرة الانتخابية في لبنان..‏
وعن القمة الروحية قال: أنا من المقتنعين والعاملين بجهد كبير في هذا السبيل، وفي تصوري أنّ هذه القمة على الأبواب، إنها فترة وجيزة لتبادل الآراء بالنسبة الى ورقة العمل ثم القمة..‏
سؤال: هل تعتبرون الوثيقة الدستورية صيغة صالحة لحل الأزمة؟‏
جواب: في الواقع أنّ الوثيقة الدستورية هي جدول أعمال للحوار السياسي، ولم تكن اختيارات، لأنه ويا للأسف، عندما بدأ الوفد السوري يحاور الأطراف اللبنانيين كان اللبنانيون لا يجتمعون، وكان الحوار السياسي (بين اللبنانيين) مستحيلاً، ويوم صدور هذه الوثيقة تقرر أن تكون مقترحات يجتمع على أساسها أطراف لبنانيون مختارون، وحتماً إذا اجتمع اللبنانيون يتخطّون جداً ما ورد في الوثيقة الدستورية نحو بناء مستقبلهم، بهذا المعنى: لا تزال الوثيقة الدستورية صالحة لأن تكون ورقة عمل أو جدول أعمال لحوار سياسي مستقبلي، وأحب أن أقول كلمة، وأرجو ألا تحمَل على محمل المجاملات: أنا أعتقد أنّ كلمة البطريرك خريش في عيد الميلاد وحدها تصلح لأن تكون ورقة للبحث السياسي المستقبلي، فليكن لنا وطن كما يرسمه البطريرك في رسالة الميلاد الأخيرة.‏
وأعرب سماحته عن خشيته من انعكاس توتر الوضع في الجنوب على لبنان، "لأنّ مشكلة الجنوب اليوم هي ملخّص للمشكلة اللبنانية، وقد انتقلت الى الأراضي الجنوبية".. وأضاف: "إنّ الحل هو في ذهاب قوة الردع العربية الى الجنوب، والى أن يتم هذا الحل هناك محاولات واقعية لخلق المصالحة السياسية في الجنوب لعلّها تخفّف من الآلام"..‏
وقال الإمام رداً على سؤال: "لبنان في طريقه الى الشفاء والتعافي والى النهوض والتحرر"..‏
وسئل عن رأيه في الخطوط العريضة لصيغة التعايش بين اللبنانيين، فأجاب: "إنّ صيغة التعايش كلّما تمكنت من خلق المزيد من اللقاءات والاتصالات كان ذلك أفضل، بمعنى أنّ الاتجاه القائم اليوم حول اللامركزية السياسية أو اللامركزية الإدارية كلاهما في تصوري غير صحيح، لأنّ أي تحول نحو اللامركزية بعد الحرب يعتبر نتيجة الحرب، وبالتالي سيكون أعمق من حجمه الذي يريده اللبنانيون، وفي تصوري أنّ على اللبنانيين بعد هذه الحرب أن يعودوا ولو لمدة ست سنوات مثلاً الى الصيغة المركزية المكثفة أكثر من السابق، يعني لو حوّلوا لبنان الى محافظة واحدة مثلاً، أو تمكنوا نتيجة المواصلات من خلق مراجعات مكثفة في المناطق المختلفة حتى يفرضوا على اللبنانيين مزيداً من التعايش والاختلاط، فذلك أفضل، لأنّ لبنان كله في تصوري بمثابة محافظة من محافظات الدول الكبرى، وهذا ما أراه وأتمناه وأقترحه على اللبنانيين، لأنّ لبنان بتعايشه فقط يتمتع باحترام العالم وبأكثر عناية منه وبروز فيه"..‏
وقال أخيراً: لا يصح أن نبالغ في تأثير الميثاق الوطني، لأنه كان انعكاساً لاتجاهات سياسية التقت، أما التعايش اللبناني فهو أقدم من الميثاق الوطني ومن واضعي الميثاق الوطني ومن آبائهم ومن أجدادهم، منذ ألف سنة اللبناني فتح عينه فوجد جاره من غير دينه، وأكل من عنده، وضيّفه، والتجأوا وعاشوا في الآلام والآمال، وكان بينهم من الصلات أكثر بكثير مما كان بين الناس في البلدان الأخرى، لذلك فالتعايش هو من صميم الحياة اللبنانية، وما نشاهد من ظروف اليوم هي في تصوري ظروف استثنائية ناتجة عن بقايا إعلام الحرب، وسنتغلب عليها بالقوة.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان