المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

نص المقابلة الصحفية التي نشرتها مجلة الأسبوع العربي 29-9-75 مع الإمام الصدر

المصدر: خلال الجولات الأولى الثلاث لعب الإمام موسى الصدر
اليمين اتهمه بإنشاء " ميلشيا" وبأنه وراء دخول الشيعة ساحة القتال بل التقدم إلى المواقع الأمامية بينما اتهمه اليسار عامة وبعض الفئات الشعبية بلعب دور الوسيط في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يكون فريقا ضد الكتائبيين . واخذوا عليه اعتصامه وقالوا : كان عليه أن يقود المعركة ضد قصف الشياح ويفضح من قصف الشياح ويفجر الموقف ضدهم .‏
وسافر الإمام الصدر إلى الخارج بعد ذلك وعد ليجد معركة مفتوحة ضده من الرئيس صبري حماده الذي يأخذ عليه اشتغاله بالسياسة . وما لبث أن انفجر الموقف من جديد فعاد ليعلب دور التهدئة وليأخذ موقفاً إلى جانب الحكومة وجانب استعانتها بالجيش رغم الموقف اليساري المعارض لذلك .‏
لا أحد يشك بأن ظهور الإمام الصدر كان من نوع الحدث الكبير الذي أثر على مجرى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان ، وكان طبيعي مع الحجم الكبير لهذا الظهور أن ترتفع حول دعوته وحول أفكاره تصرفاته الكثير من الأسئلة والاستفهامات . فرأينا الرجوع إليه في حديث صريح يوضح فيه كل مواقفه ومواقعه على الساحة اللبنانية خاصة من الثورة ومن الأحداث ومن اليمين واليسار الخ .‏
فكانت هذه المراجعة الصريحة الشاملة الشخصية وأفكار ومواقف الإمام .‏
الكثير يتساءلون عن أسباب اهتمامك بالمحرومين وعن الدوافع التي حدت بك لا يقاظهم وإنشاء أول حركة لهم في لبنان - حركة المحرومين ؟‏
الإمام الصدر : الحقيقة أنني ما أوجدت حركة المحرومين ، فالمحرومون والحركة العفوية الصادرة عن المحروم ضد الحرمان والوسائل المتنوعة التي يستعملها المحروم للوصول إلى حقه ، تلك الوسائل التي تترواح بين العنف وبين المناشدة ، أقول : أن هذه الأفواج من المحرومين ومن المساعي الصادرة عنهم موجودة دائما في لبنان خاصة ولكنها لم تكن بارزة بل كانت مغطاة بمظاهر الازدهار والترف في المدن وفي المدن وفي المناطق الاصطياف . ولما بدأت بالسعي لخدمتهم والمساهمة في دفع الحرمان عنهم بمقتضى واجبي الديني الذي يرفض الفصل بين الأيمان بالله وبين السعي لخدمة المحروم ، وبمقتضى مسؤليتي الوطنية التي تنحدر من سقوط الوطن في معاثر الحرمان وبمقتضى مسؤليتي العملية في المجلس الشيعي أقول : لما بدأت بمقتضى هذه المسؤوليات في السعي لخدمة المحرومين ، وبدأت اصعد السعي من المناشدة إلى المظاهرات الصاخبة عبر لقاءات ومحاضرات ودراسات عند ذلك وجد المحرومون في لبنان شخصا آخر يتحرك يفهمون لغته ويجدون الثقة فيه ويقدرون نيته وإمكاناته ، عند ذلك حصل التفاف وتحولت حركتهم إلى ظاهرة اجتماعية سميت بحركة المحرومين .‏
التاريخ يقول لكي يصل المحروم إلى حقه لابد من التغيير في البنية السياسية والاقتصادية للنظام وقد سبق لسماحتك أن دعوت المحرومين لاحتلال القصور وقلت : أن السلاح زينة الرجال ، فهل معنى ذلك انك تؤمن بالتغيير عن طريق الثورة ؟‏
الإمام الصدر: أن الكلمات والمواقف يجب أن توضع في مواضعها وبإمكاني أن الخصها في النقاط التالية:‏
1- لابد من القضاء على الحرمان وهذا واجب وحق وضرورة .‏
2- أن الثورة وسيلة وليست غاية .‏
3- بطبيعة موقفي الاجتماعي وللمحافظة على الأمانة التي هي حاجات الناس ومصالحهم لابد من وضع اليد على الجرح والإصرار على دفع الحرمان وتحقيق المطالب التي نادينا بها في مذكراتنا، فإذا لم يتمكن النظام الحالي من تحقيقها فقد أدان نفسه وحكم على نفسه بالسقوط .‏
4- كان شعار احتلال القصور في سنة 1970عندما نزح عشرات الألوف من أبناء الجنوب باتجاه العاصمة وهم مواطنون مشاركون في خيرات الوطن وليسوا لاجئين ، ثم أنهم نزحوا الغياب الحماية الرسمية لا لتقصير منهم في واجباتهم الوطنية ، لذلك فمن حقهم مشاركة الناس في إمكاناتهم الحياتية ، ومن جهة أخرى فأنني وضعت موضوع الاحتلال في الدرجات المتأخرة حيث طالبت الحكومة بمعالجة شؤونهم وإلا فسنقوم بمظاهرة يأتي احتلال القصور في الدرجة الثالثة مع العلم أن السلطة حينئذ مسؤولة عن دفع ثمن وبدل الإيجارات سيما وكان عندي معلومات تؤكد وجود ستين ألف شقة شاغرة في بيروت والجبل فهل يعقل بعد ذلك اعطاء خيم لهؤلاء واعتبارهم لاجئين.‏
5- السلاح زينة الرجال حديث وارد عن الرسول في تفسير الآية : خذوا زيتنكم عند كل مسجد ، فقد ورد أنه قال: أن الزينة المطلوب أخذها في حالات الصلاة والسجود هي السلاح ، والمفهوم من الآية أن اقتناء السلاح في حالات الدفاع مشروع بل واجب فهل يمكن بعد ذلك التردد في وجوب التسلح للدفاع عن الوطن وعن المواطن أمام إسرائيل بحجج واهية طالما الصلاة والتواجد في المسجد لا يمنعان حمل السلاح .‏
6- وفي لبنان اعتقد أن الظروف المحلية المعقدة والأخطار المتربصة بلبنان وبالمقاومة تحول دون إمكانية استعمال العنف للتغيير سيما وان التغيير أصبح مطلبا وطنيا عاما ، فلا بد من تصحيح وسائل التعبير أي قانون الانتخابات ، ثم التغيير ، ولا يمكن أن نمنع التغيير بقوة السلاح كما يقال، فالتاريخ لا يهدأ والزمن لا يقف .‏
7- وتراني أضع الأمور في نصابها سيما إذا أضفنا الاعتصام لرفض العنف في وجه المواطنين إلى اللوحة لكي تكتمل الصورة . وقد ورد في القرآن الكريم وفي وصف رفاق محمد (صلعم) أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم .‏
يفسرون اعتصامك أبان أحداث بيوت الأخيرة من أجل وقف القتال ازاء دعوتك السابقة إلى حمل السلاح بأنه بمثابة انتقال من السلبية إلى الإيجابية ومن المعارضة إلى الموالاة ؟‏
الإمام الصدر: الحقيقة كما ذكرت في النقاط السبع السابقة، العنف هو في وجه العدو لاجل التغيير في الظروف العادية مع اليأس من نجاح الوسائل الديمقراطية ، أما السلام ورفض العنف فهو مع المواطنين ، ولا ننسى أن استعمال السلاح في وجه المواطنين في لبنان أوصل الموطن والمواطنين إلى دركات لم يكن يتصور أحدنا الوصول إليها فهو أمر في منتهى الخطورة مهما كان السبب .‏
سمعنا بعد أحداث بيروت أن بعض كبار الأغنياء من أركان النظام يتهمون سماحتك بدور تحريضي من خلال دعوتك لاحتلال القصور وذلك أثناء تحليلهم مظاهر النقمة الاجتماعية التي فجرتها تلك الأحداث؟‏
الإمام الصدر: اعتقد أنهم يتجاهلون منطق التاريخ أو يجهلون القوانين الاجتماعية الثابتة وأكثر من ذلك أنهم لا يقرأون القرآن بل على قلوب أقفالها لأنه يقول : " وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ويقول : " وما تنفقوا من خير يوفى إليكم وانتم لا تظلمون " والحديث يؤكد :" كاد الفقر أن يكون كفرا" ويقول : " عجبت لمن بات جوعانا كيف لا يصبح شاهرا سيفه " ، أذن فالمسؤولية على الخلق أو على الخالق الذي خلق الناس غير مستعدين لتحمل الظلم بوجه دائم ثم أننا لا ننسى أن إضراب سنة 1970في ايار قد أتنقذ البلاد من الفتنة طرح فيه شعار التهديد باحتلال القصور ، وبين الأحداث خمس سنوات .‏
لقد ولَدت الأحداث نقمة مزدوجة على الشيعة في لبنان ؟ نقم عليهم الموارنة بحجة أنهم كانوا ينتظرون من الشيعة أن يكونوا ظهيرهم أو أن على الحياد فإذا بالشيعة في مقدمة من حمل السلاح ، ونقم عليهم اليمين اللبناني بحجة انتشار أفكار اليسار في صفوفهم ؟‏
الإمام الصدر :" أن الشيعة في حدود موقفي عنصر معتدل متسامح ووطني ولكن ما هو المطلوب منهم أن : يعيشوا في بلد يتفاوت مستوى الحياة بين مناطقة المتقاربة بعضها من بعض إلى حد عشرين ضعفاً ، أو أن يعيش المثقف منهم بعد أن تحمل أهله أقسى درجات الشقاء حتى اكمل دراسته فأبعد عن الفرص وأبعدت عنه لأوهام سخيفة طائفية ، ومع ذلك فماذا عمل الشيعي ، تركوا منطقته الأصلية ، الجنوب معرضة للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة دون دفاع ودون السماح له بالموت الشريف في سبيل وطنه ، ثم بدأوا يستهترون بحقوقه وبفرضون عليه مواقف ، ويغتصبون ثمن تبغه وينقلون موازنات منطقته ويجمدون حياته ، وبعد أن نزح إلى بيروت سلبوا منه الأمان ، إنني أنتظر بفارغ الصبر إلى يوم ينكشف واقع ما جرى في الشياح وتل الزعتر والمعروف أن 60بالمئة من سكان تل الزعتر هم من الشيعة والباقون فلسطينيون وكذلك النبعة.. ما هو المطلوب من الشيعي بعد أن حرم من كل شيء ؟ ولو كان غيره مكانه لفعل أضعاف ما فعل وقد فعل غيره بالفعل أكثر .. فلنرجع إلى الساحة اللبنانية شمالها وشرقها وإلى العاصمة لكي نعود ونعترف للشيعة بالاعتدال والوطنية والتسامح .‏
البعض يرمي مسؤولية الحرمان المسيطر في المناطق الشيعية على الزعماء والنواب الشيعية ؟‏
الإمام الصدر: لا أنكر ذلك ، ولكني أعرف أننا نعيش في بلد ديمقراطي والدولة مسؤولة ببعض أجهزتها عن العمران والإنماء وبالبعض الأخر عن العدالة وتوفير الفرص سيما إذا عرفنا أن السلطة المركزية هي التي تفرض بشكل غير مباشر بعض النواب على تلك المناطق .‏
عودة إلى الأحداث أيضاً ، لقد تعرضت سماحتك وخلالها لنقمة مسيحية بصدد منظمة "أمل" وإلى اتهام بأنه لا يجوز لرجل الدين أن تكون له "ميلشيا" وإلى اتهام شيعي أيضاً بالتهاون ازاء قصف الشياح وعدم تفجيرك الموقف والكشف عمن قصف الشياح؟‏
الإمام الصدر : اعتقد أن كل موقف أصيل غير تابع يتعرض للحملات من أصحاب المواقف الأخرى إذا كان مؤثراً في الوضع العام ، لو كنت أملك القبضة لأوقفت الحرب الأهلية أو على الأقل لمنعت تسللها إلى الشياح ، لكن ماذا تراني اعمل مع تركة يبلغ عمرها قرون من الحرمان والفقر والغياب ؟ كما أقدر أن أقول مع وضع لا تتوفر فيه آية إمكانية للردع وللدفاع ... ماذا يمكن أن يعمل ؟ التحرك في الفضاء الهندسي والسباحة في أفق الآمال سهل جداً ...‏
أقول لو كنت أملك القبضة الحديدية ذلك لأنني أنظر إلى الأحداث اللبنانية الأخيرة أنها تنفيذ لمؤامرة دولية غايتها في الحد الأدنى الذي حصل هو الهاء لبنان والمقاومة الفلسطينية عن المصير الذي يخطط لهما وفي فترة زمنية هي أخطر وأهم الفترات منذ سنة 1948 حتى الآن . أما أقصاه فهو تحجيم المقاومة وتحطيم لبنان واستدراج سورية وتغيير المقاييس وموازين القوة في المنطقة . لذلك فإن السعي لتفجير الوضع حتى ولو كان رداً عاطفياً على الاعتداءات غير مسموح . فجوابي على الفئة الأولى هو أن إمكانات التفجير متوفرة ولكنها غير مسموحة وان إمكانات الانتصار دون التفجير أي وضع الأمور في نصابها وإيقاف النزيف بالقوة دون التوسع أن هذه الإمكانات غير متوفرة ، أما الآخرون الذين انتقدوا تأسيس منظمة "أمل" فقد ذكرت الجواب لهم في المؤتمر الصحفي " الأيام ستكشف أن هذه المنظمة المتواضعة هي بالفعل فدائيو لبنان وأبطال الحدود ليسوا "ميلشيات" للشوارع والدليل على ذلك أن المعسكر المتواضع لهذه المنظمة تعرض مرتين للاعتداءات الإسرائيلية بينما سائر المعسكرات المكشوفة المنتشرة لا تصاب بأذى ، ثم أنني في مؤتمري الصحفي طلبت متحدياً كل متشدق إذا وجد شاباً منهم في أية معركة لبنانية وان مجال التدريب مفتوح لكل مواطن دون تمييز ، أما الجواب القاطع فهو متروك للزمن واحب أن أشير إلى نقطة واحدة وهي أنني في المعارك التي جرت في المناطق الشيعية في ضواحي بيروت ما استقدمت مسلحاً واحداً من العشائر الشيعية رغم أن قضية الثأر تأخذ بعدا كبير عندهم.‏
في مؤتمرك الصحفي الأخير دعوت للمصالحة الوطنية ،كيف تطلب المصالحة بين السياسيين وأنت تعرف مدى مسؤوليتهم جميعاً في الذي يجري وفيما وصلنا إليه ؟‏
الإمام الصدر : كلمة المصالحة الوطنية أنا استعملتها في مبادئ الاعتصام ، وفي كلا الموقفين كان معللا ومفصلا المطلوب من المصالحة أمران : الأمر الأول السريع : إطفاء النار لان الأفكار تحت وطأة الرصاص والحوار في جو متشنج من الصعب أن يصل إلى نتيجة وأن يعطي الغاية المرجوة،والأمر الأساسي هو معالجة المشكلة ، الآن المشكلة الأساسية التي وراء الأحداث هي عدم اتفاق اللبنانيين على القضايا الأساسية ابتداء من قضية العدالة وتوفير الفرص المتكافئة مرورا بالوضع الاقتصادي وموقف لبنان العربي والعلاقات اللبنانية الفلسطينية وغير ذلك من الأمور، الحقيقية أن تجنب الخوض في هذه القضايا هو الذي خلق هذا الجو الملئ بالحرمان ، والمفهوم من المصالحة أن اللبنانيين بعدما عانوا مرارة عدم الاتفاق دفعوا الثمن الغالي الذي تدفعه الأوطان في الحرب أذن فليلتقوا بأفكارهم ويتفقوا على الحد الأدنى وهذا الحد الأدنى هو الميثاق الاجتماعي والسياسي بشكل عام فتحصل المصالحة .‏
في اجتماع المجلس الشيعي قرر مبدأ إنشاء أمانة عامة للمصالحة الوطنية .‏
يقول المثل : " من جرب المجرب يكون عقله مخرب" ولبنان منذ 50 سنة لا يزال يعاني من الظلم السياسي نفسه أباء وأبناء فكيف بإمكان هؤلاء التخريب والإصلاح في الوقت نفسه ؟‏
الإمام الصدر: أحد أمراض لبنان الأساسية هي الطائفية، الطائفية تحمي الإقطاع ونعطي للزعماء السياسيين طابع القداسة . والزعماء السياسيون أو ما يسمى بالعائلات السياسية يحمل بعضهم العقلية الملكية بمعنى أن الوطن لهم ويأتي في درجة الأهمية بعدهم ، هؤلاء الذين كانوا يعتبرون أنفسهم الأساس ، كانوا ناجحين جدا في حفظ مصالحهم ولم يكن المطلوب لديهم حفظ الوطن ... أما الآن فبعد أن برز تناقض بين مصالح الوطن وبين مصالحهم أو بتعبير أخر بعد أن برز لتناقض بين بقاء الوطن وبين مصالحهم وانكشفت هذه الحقيقة لا مجال إلا أن نضع نظاما جديدا عن طريق الحوار بين المواطنين يحمي الوطن يحدد حياته ويلبي حاجاته المتزايدة .‏
فئات كثيرة في الأحزاب اليسارية وسائر القوى التي وقفت ضد الكتائب في الأحداث الأخيرة كانت تفترض منك الوقوف معها في خندق واحد ضد الكتائب ، وقد انتقدتك هذه الفئات لأنك حاولت لعب دور الوسط ؟‏
الحقيقة أن موقفنا في رفض العنف واستعمال السلاح والأساليب الإرهابية كان واضحا في أثناء الحوادث وبعدها بل كان السبب الأول من أسباب الاعتصام .. نعم لم لكن متشنجا لأحول الخلاف الأساسي في المواقف إلى حرد طفولي بالإضافة إلى أنني كما قلت كنت ولم أزل أنظر إلى الأحدث وكأنها تنفيذ المؤامرة العدو فالمواقف المتشنجة لا الصارمة تؤدي إلى تصعيد الأزمة وتقربها للانفجار .‏
في بداية، حركة المحرومين كدت تلتقي مع اليسار ثم بعد ذلك حصل تكويع ما هي الأسباب وراء هذا التكويع إذا صح التعبير أو الافتراق مع الملاحظة وجود تشابه بين حركتكم أفكار ومطالب اليسار؟‏
الأمام الصدر : لا أحاول دائما وبخاصة في هذه الظروف أن أبدي تأثراً عاطفياً انفعالياً حول ما قيل أو يقال ، لكن الحقيقة أنني لست يساريا ولم اكن يوما يساريا ، كما أنني ابعد الناس عن اليمين وحاولت أن أجد تعبيرا اصيلا لسلوكي فوجدت كلمة الصراط المستقيم ، خلال حركة المحرومين انطلقت من مبدأ الأيمان بالله في المفهوم الصحيح الذي لا ينفصل خدمة المعذبين أذن التقيت مع اليسار في خدمة المحرومين من منطلقين متفاوتين ، وهذا هو المثل على نقاط اللقاء والتفاوت ولكني اعتقد أن اللقاء مع اليسار لم يزل له موجباته ولا يمكنني أن فهم سبب تهجم البعض منهم علي ، أرجو أن لا يلتقي هذا البعض مع الاقطاع ، مع اليمين المتحجر الذي يشن في هذه الأيام حملات مسعورة ضدي . في وثيقة حركة المحرومين أكدت أنني لا أصنف الناس ، ولا أرفض التعاون مع الاشخاص أو الفئات التي تؤمن برفض الحرمان وأنواع الظلم عن الناس وبالتالي تسعى لبناء غد أفضل .‏
في الساحة اللبنانية السياسية نلمس غياب الاحزاب بمفاهيمها العلمانية ، ولما كان المحرومون موجودين في كل الطوائف فلماذا لا تتحول حركتهم إلى حزب سياسي ؟‏
الإمام الصدر : الحقيقة أن الحزب عليه أن يقدم صورة بديلة عن المجتمع الحالي والمجتمع بحاجة إلى قواعد اقتصادية سياسية وحتى أيديولوجية ، وهنا تأتي المشكلة حيث أن تبني قواعد فلسفية وسياسية واقتصادية يجعل الخلاف بين المواطنين واسعاً وبالتالي التفاف الجماهير حولها ضيقاً .‏
ولعل السبب يعود إلى معتقدات المجتمع اللبناني وإلى تحفظاته التي تبلغ درجة " السرساب" بالتالي فأن البحث عن تلك القواعد يبدو تجريديا وكانها بعيدة عن الواقع الحالي فتصبح موضع حوار الصالونات ... من هنا يأتي تخوفي من تشكيل حزب بالاضافة إلى عدم اختصاصي في شؤون السياسة ، آمل أن تصبح الحركة المناخ السياسي وتضع للنشاط السياسي قواعد متينة مرتبطة بواقع حاجات الناس وبالتالي تمهد لتشكيل أحزاب وطنية مختلفة .‏
يقال كذلك أن الغرض الحقيقي من انشاء حركة المحرومين هو امتصاص النقمة وسحب البساط من اليسار؟‏
الإمام الصدر: لقد ورد في هذا الحوار بالذات جوابان عن هذا السؤال .‏
فالأول : إن حركة المحرومين كانت قبلي وستكون بعدي ولكني التحقت بها في فترة من الزمن بناء على تحسسي بالواجب الديني والوطني وبناء على الالتزام بقسم ..‏
والجواب الثاني ما نقلت حول اتهام بعض الفئات بأني منذ سنة 1970 وفي يوم الإضراب بالذات محرضاً داعياً إلى الانفجار، أذن كلا الاتهامين يسقط أحدهما الأخر وفي الحقيقة أن هناك تفاوتاً في المواقف ، ففي بعضها تبدو حركة المحرومين أكثر تطرفاً من اليسار كما هو الحال في قضية الجنوب والدفاع عنه وحمل السلاح لأجله والبقاء في القرى الأمامية مهما تكاثرت الأخطار وفي بعض الأخر تبدو الحركة معتدلة ولعل في مواقف ثالثة تبدو وكأنها محافظة، أنها معنى الأصالة ، وبإمكاني أن أضيف أنني لا أحمل طموحاً سياسياً لكي أفتش عن الجماهير ولعلك تستغرب مني هذا الأمر ولكني أؤكد بأني أكره العمل السياسي ولكنني وقعت فيه بمقتضى وجوب الوقوف مع المحرومين وبمقتضى الظروف اللبنانية الخاصة التي تربط بين هذا الهدف وبين العمل السياسي .‏
يقال أيضاً أن حركة المحرومين هي من تخطيط اليمين الذكي لأجل حماية النظام ؟‏
الإمام الصدر : ماذا يربطني بالنظام ؟ أملاكي الكثيرة أو رصيدي الواسع أو نفوذي السياسي المبارك من قبل السلطة أن ما أتمتع به كرئيس طائفة هو علم على السيارة لا أستعمله وحرس في المطار لدى الدخول الخروج من لبنان لا أستفيد منه وفي مقابل ذلك تراني معك ، الآن وقد مر علي ثلاثة وعشرين ساعة دون نوم ، ناهيك عن توتر دائم في بيتي لأجل غيابي وتقصيري في رعاية أولادي ؟!‏
هل لديك استعداد للتعاون مع اليسار في الانتخابات النيابية القادمة ؟‏
الإمام الصدر : اعتقد أن هذا ممكن في حالة عزمي على التدخل في أمر الانتخابات ، الأمر الذي لم أقرره حتى الآن ، ويخضع لاكتمال تنظيم حركة المحرومين والظروف الوطنية ثم أن الأمر يعود بعد ذلك إلى أساس التلاقي في المرحلة الانتخابية وفي مقدار التفاهم والتقييم الصحيح للقوي ، وبكلمة لا يمكنني أن أرفض هذا التعاون منذ الآن .‏
وإذا قامت عليك قيامة اليمين من أجل ذلك ؟‏
الإمام الصدر: أقول له لقد سبقت وتحالفت مرات ومرات مع اليسار ، ثم هل أنت أقرب إلي من اليسار فكيف يطلب أن أتحالف معك دون اليسار ؟‏
هل ستخوض حركة المحرومين الانتخابات النيابية بمرشحين معينين ؟‏
الإمام الصدر : المهم في حركة المحرومين هو النتائج أي تقديم الخدمات وتحقيق المطالب فإذا لزم التدخل في الانتخابات من أجل تحقيق هذا الهدف فليكن وإلا فان السياسة يجب تبقى وسيلة وليست غاية .‏
إذا خاضت حركة المحرومين المعركة الانتخابية ألا تخشى انقلاب الزعامات التقليدية السياسية على سماحتك ؟‏
الإمام الصدر : إن عداء السياسيين التقليديين وتجنبه لا يعد هدفاً استراتيجياً لي وللحركة كما أن ودهم شرط عدم دعمهم في استمرار الظلم أمر قريب إلى نفسي فأني أرغب أن أصادق الناس عدا الظالمين الذين منعنا الله حبهم وأكد وجوب محاربتهم وعدم الركون إليهم !‏
هذه الزعامات وسواها تأخذ عليك العمل في السياسة وقد جاهرت بهذا المأخذ أخيرا؟‏
الإمام الصدر : وما الذي يمنعني من الدخول في السياسة ... الست مواطنا -نعم أنني كرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يجب أن أشعر بأمانة حقوق هذه الطائفة دون أن استعمل مركزي أو قوتي في خدمة شخص أو فئة أو ضد أي واحد منهما طالما أن الشخص أو الفئة لن تصبح جزء من مصلحة الطائفة أو من حرمانها وعند ذلك فالواجب التأييد أو المحاربة .‏
لقد أيدتم خلال الاجتماع الذي حصل عند المفتي الشيخ حسن خالد في عرمون قرار الحكومة بانزال الجيش في الشمال ، بينما عارضته الأحزاب التقدمية فهل معنى ذلك بداية خلاف بين الذين اجتمعوا في عرمون والأحزاب ؟‏
الإمام الصدر : سمعت أن الأحزاب والقوى الوطنية بعد حادثة (بيت ملات) اعادت النظر في موقفها وعلى افتراض استمرارهم في الموقف فنحن مقتنعون تمام الاقتناع بأن الخطوة كانت سليمة لأسباب عديدة أولها : عندما نشاهد تصعيد المعارك وتوسعها وتكاثر أبعادها مما يرسم إمامنا صورة للمعارك الواسعة في المستقبل قد تؤدي إلى تدخل أجنبي ، لذلك فإن وقوف الجيش مانعاً للتصعيد هو وقوفه في مكانه الطبيعي أي لدرء الخطر الخارجي.‏
2-إن تغيير القيادة وقرار قانون الجيش وشخص رشيد كرامي في الظروف التي أحاطت بهذه التطورات ، كل ذلك مدعاة للاطمئنان.‏
3- إن الشروط والحدود التي وضعت للقرار وهي وقوف الجيش في منطقة عازلة وعدم استعمال السلاح وعدم دخوله المدن وعدم مبادرته بالأمر إلا بناء على الطلب السياسي ، هذه الشروط أيضاً تدعو الارتياح .‏
4- إن الوطن يحترق وأن الأخطار ملموسة فهل يمكن تجميد أي رصيد لخدمة هذا الوطن ساعة عسره .‏
أما المواقف والتفاوت فيها فليس أمرا جديداً في حياتنا العامة المهم قناعة الإنسان بسلامة خطوته وبرضى الله عنها .‏
إن دخولك إلى عالمنا كان يشبه ثورات أو خضات اجتماعية فكان المرتجى أن تصبح موحدا في الطائفة الإسلامية واليوم هناك حد أدنى من التوحيد (مثلاً بدء الصيام - وحدة الأعياد) لماذا لم يحصل هذا التوحيد كاملا؟‏
الإمام الصدر : كل ما قدر أن أقوله أن هناك محاولات حثيثة ومستمرة للوصول إلى هذا الهدف المقدس مع العلم أن الموقف في القضايا الكبرى والأساسية توحد إلى حد كبير بل بإمكاني أن أقول أننا قبل المحنة الأخيرة كنا وصلنا إلى نوع من الانفتاح الديني الشامل الذي هو المفهوم القرآني للأديان : دين واحد شرائع أي مداخل ومناهج مختلفة وهذا الاختلاف أيضاً تربوي الخلق سباق على الخير بين الناس أو بتعبير أدق لتوجيه غريزة والمنافسة إلى السباق في المعروف " لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلغكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى مرجعكم جميعاً "‏
كثر الحديث أخيرا عن قبرصة أو تقسيم لبنان فما هو تقييمك لهذه النغمة ؟‏
الإمام الصدر : في رأيي أن هذا الشعار أسطورة لأن فصل لبنان المسيحي عن لبنان المسلم كان ولم يزل يبدو مستحيلا ذلك لأن التمازج السكاني في بيروت وجبل لبنان وانتقال عشرات الألوف من أبناء المناطق الحدودية إلى جبل لبنان ، ثم كثرة الدروز في هذه المنطقة بالاضافة إلى العوامل الاجتماعية وطرق المواصلات ومختلف المشاريع العمرانية والحياتية ، هذه الأمور تجعل من المستحيل تنفيذ هذه الخطوة ثم أن المخاض العسير الذي يرافق فصم لبنان لا ينفصل عن عوامل سياسية دولية تجعل الأمر بحكم تحطيم لبنان وليس تقسيم لبنان ، وفي رأيي أن هذا الشعار هو من قبيل التهويل يكفر به رافعوه قبل رافضيه ولذلك فلا أظن أن فئة تعمل على هذا الأساس إلا أولئك الذين يريدون تحطيم لبنان .‏
الجولة الرابعة كانت زحلة والجولة الخامسة كانت من نصيب طرابلس وعكار فهل تنتظر جولات أخرى أو هل للعوامل الخارجية دورها إشعال النيران ؟‏
دون شك العوامل الخارجية كما ذكرت ليست بعيدة عن الأحداث اللبنانية ولكن السؤال الأساسي هو حول الوضع الداخلي وسرعة الغضب التي وصل إليها الوطن نظرا للعوامل الاجتماعية والسياسية وغيرها .‏
يعتقد البعض بصعوبة اعادة اللحمة بين الطوائف اللبنانية بعد هدوء الحال ، بسبب مظاهر العنف والوحشية التي رافقت الاقتتال ، فهل أنت من هذا الرأي ؟‏
الإمام الصدر : إذا المشكلة في جذورها انحلت فأن لبنان يستعيد عافيته بسرعة بالغة، ولابد من إعادة أحداث 1958 إلى الذاكرة رغم التفاوت بين الحادثتين ، ولكنها كنموذج شاهدنا أن تلك الأزمة بعد أن انتهت كيف احتضن اللبناني أخاه في لهفة وشوق بعد أن رفعت المتاريس . وعلى حال فلا خيار للبنانيين إلا أن يتعايشوا معاً وهذا المبدأ الماروني هو الوحيد الذي أؤمن به أنهما أي المسلم والمسيحي في لبنان يعيشان زواجا مارونيا.‏
سمير شاهين - فاطمة السردوك‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان