المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

مؤتمر صحفي لسماحة الإمام السيد موسى الصدر (11/9/1975)

الملخص: "يا مفزعي عند غربتي، ويا غوثي عند كربتي، إليك فزعت، وبك استغثت، وبك لذت، لا ألوذ بسواك، ولا أطلب الفرج إلاّ منك، فأغثني وفرّج عني". بهذه الكلمات، وهي من أدعية رمضان المبارك، أيها الإخوة أظن الوطن يبتهل اليوم، وقد صعدها كتمتمات محروم حزين، يتطلع الى عطف السماء بعدما عانى من كفر الأرض..
على أنّ الحرمان، يا سادة، لم يعد وقفاً على الناس، بل ضرب بقسوته القيم والمثل والمبادئ وسائر الخُلُقيات. فالوطن أصبح اليوم، بوجوده وبإنسانه وبسمعته وبتراثه، محروماً يشكو أبنائه الذين أعطاهم كل شيء فحرموه من كل شيء.‏
والدين، وهو الدعامة المتينة لتحرير الإنسان ولمجده ولوحدة أبنائه، يُرى اليوم محبوساً في كهوف الطائفية، وقد فرّ منه الإنسان ليعيش فيه الوحش، فكان الدين المحروم الأكبر.‏
ومد الظالمون أيديهم الى الحرية فعبثوا بحرمتها وصيرّوها فوضى.. فكان هنا حرمان آخر.. والى المحبة فمسخوها بالإستسلام، فكان حرمان جديد.‏
حتى المعرفة تحوّل مفهومها الى مهارة في استعمال السلاح وفي دقة تصويب على رأس عابر سبيل.‏
والكراسة رُؤيَت ترتجف تحت الشمس، تبكي الحرمان.‏
والإستقلال نفسه.. كان المحروم الأعظم، فلم يعد يُرى وجه النعمة التي كان بها يحلم..‏
لذلك كان من واجبي، وأنا في أحد مراكز المسؤولية، أن أرفع للمحرومين تقريراً، لا يخلو من اقتراحات وإيضاحات.. ومناشدات..‏
أيها اللبنانيون المحرومون،‏
إنّ الكابوس المرعب الذي غشينا أخيراً، فشّل الدفاع عن التصرف، والجسم عن الحركة، لا يوازي في ثقله إلاّ الخفة في معالجته، وإلاّ اللامبالاة في تقدير خطره وخطورته والتصدي له.. وإلاّ فما معنى أن تنظر الأكثرية الساحقة الى المتحدثين عن الجولات الآتية بعيون أُفرغت حتى من جماد الزجاج..‏
يحلل أحدهم الأحداث، وتظنه سيدلّ على الدواء، وسرعان ما ينقع الدراسة في قارورة الهوى والكيف والمصلحة، كأنّ الوطن ليس إلاّ حقل تجاربه الشخصية، وكأنّ المواطنين ليسوا إلاّ أرانب اختباراته الإيديولوجية أو السياسية، أو أنّ رؤوسهم ليست سوى أهداف للتمرن على أحدث أنواع المبيدات الهمجية.‏
وتمر الأيام، وتبقى الأزمة دون علاج، لتطل بأبشع صورها، وأقوى استفحالها، في أحداث زحلة المذهلة، وطرابلس الأكثر إذهالاً..‏
ذاك جانب من اللوحة، فماذا في الطرف الآخر؟؟‏
مواطنون ينتظرون بفارغ الصبر، أن يأخذوا دورهم ليقدّموا الغالي قبل الرخيص في سبيل وطن حرّ معافى مصون الكرامة والأرض.‏
وأشقاء عرب، وفلسطينيون خصوصاً، يعرفون مدى قيمة لبنان وأهميته على مصائرهم، في منحيَي السلبية والإيجاب.‏
وعالم متحضر، يدرك عظمة البنية اللبنانية وتمايزها الحضاري، وضرورتها للعالم المتحضر نفسه..‏
أما المسلمون في المشارق والمغارب، فيرَون الآية الكريمة: {ولتجدنّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى..}، فيذهلهم ما تحمل أطواؤها من أبعاد حضارية، وصدق الله العظيم، وليحفظ الله لبنان مصداقاً وتجسيداً.‏
أما المسيحيون في العالم، فيعرفون كم هي رائعة رسالة مسيحيي لبنان وسامية، أليسوا هم عناصر الإستيعاب والنقل والتفاعل؟ أليس بسببهم سمّي بنافذة الحضارة المشرقية - المغربية؟ ألم يرحلوا الى الغرب بأعمق ما في روحانية الشرق، ويقفلوا الى الشرق بأجدى ما في تجارب الغرب؟‏
مسيحيو العالم يعرفون أنّ مسيحيي الشرق هم الأمناء على قدسهم العربية، والأكثر اهتماماً بها وبمعانيها، وبصيانة أبعادها وطابعها.‏
وقد رأيت في رحلتي الأخيرة ما زاد إيماني بهذه الحقائق. فقد أكد لي الرئيس بومدين مدى اهتمامه بلبنان، ومدى استعداده للقيام بدور فعال لصيانة هذه الحاجة الحضارية، ولو استدعى ذلك حضوره، لإبداء الرأي والإسهام في العمل.‏
وغني عن البيان التذكير بأفعال الرئيس الأسد خلال الأحداث.. وبتصريحات القادة العرب في مصر والمملكة السعودية والعراق والكويت وسائر أقطار المغرب العربي ومشرقه.‏
كما أتاحت لي رحلتي، أن أقيم حواراً طويلاً مع رئيس وزراء فرنسا السيد شيراك، وقد ألمسني مدى حضور بلاده للقيام بأية مهمة يطلبها لبنان منه حتى تحفظ وحدته وحتى يخرج من عثرته.‏
وفي يقيني أنّ موقف أكثرية أفراد الأسرة الدولية لا يختلف عن موقف فرنسا النبيل.‏
أما مواقف قداسة البابا، فكم مرة ترجمتها صلواته العميقة، من أجل لبنان، وكم مرة عبّرت عنها نداءاته الحارة المتقابلة بصلوات ومناشدات كبار علماء المسلمين.‏
هذه الفرص النادرة، وهذه الطاقات المتوافرة المتوّجة بعناية الله العظيم، الذي وعدنا بنصره، إن نصرنا عبده الإنسان، المواطن المحروم.‏
هذه كلها، أليست جبهة ثابتة الدعائم، ضاربة الجذور، واصلة الماضي بالمستقبل، مقربة الأرض من عرش السماء؟‏
ألا تكفي هذه الجبهة البنّاءة لتقف بوجه جبهة الهدم؟‏
وماذا عن جبهة الهدم؟ مجموعة من المشكلات المتراكمة السائبة، تعاطفت مع قوى الطغيان والإحتكار والجهل والأنانيات، واتفقت - أرادت أو لم ترد - مع "إسرائيل" ومَن وراءها، واستثمرت الصراع السياسي الداخلي المزمن، والذي يعصف كل ست سنوات أو أربع، كما قدّرت احتمال هبوب العواصف الحارة بالمنطقة في الأشهر القليلة المقبلة.. وعلى هذا رتبت الحسابات..‏
أبادر فوراً للتأكيد أنّ هذه الجبهة الأخيرة منهارة.. مهما تشير دلائل الشر ومهما توفر لها من قوة ونمو.. لأنّ يد الله ستبقى فوق يدها.. فالله يدافع عن الذين آمنوا..‏
فلنقدّم بتفاؤل وثقة، ولتتحرك العقول والأيدي، ولنمشِ حتى على الشوك، ولنصبر حتى على الإتهام، ولنقدّم للمسيرة هذه المنطلقات، وإنا من ورائها لسائرون ما دام في الصدر نسمة.‏
أولاً: التغييــر‏
هذا المنطلق الضخم أبدأ به لأنه صار مطلباً وطنياً عاماً بعد أن أفصح عن ضرورته أكثر قادة الرأي، حتى أنّ رئيس البلاد قال كلمة لبنان فيه ساعة أكد: "أنّ الدستور ليس وحياً منزلاً لا يمكن تغييره". وتراني أشدد على ضرورته لأنه مطلب حياتي، فالحياة لا تقوى على البقاء في الإستمرار إلاّ إذا خرجت بين الحين والحين، من صورها الرثة المهترئة، وجددت نفسها بصورة فتية ومعافاة.‏
هذا في العمق العام، أما في الإطار الخاص، أليس من المحزن أن يضرب الجمود هذا اللبناني المعروف بتجلياته في ميادين الزمن؟ ألا ينقلب الحزن الى فاجعة عندما يصير الجمود خطراً على الوجود ويبقى يتقدس اسم الجمود؟‏
وقبل أن أقدّم دراسات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى التي تصدر بعد التشاور مع مختلف المؤسسات الشقيقة ومع الخبراء ومع التجارب العالمية.‏
وقبل أن أترجم حاجات المحرومين في هذا التغيير السياسي والإجتماعي والإقتصادي، الذي نتطلب، لا بد من إضافة الجذر الأساسي لمبدأ التغيير، هذا الجذر هو رفضنا التغيير بالعنف، لا لأنّ الوطن الصغير حرام عليه العنف، والبنية اللبنانية معقدة التركيب فحسب، بل لعدم جواز مسك النار بالأصابع ما دامت الوسائل الديمقراطية متوفرة مبدئياً، وتنظيم استعمالها مسكناً ومرجواً.‏
وكما أننا لا نقبل العنف وسيلة للتغيير، فمن باب أولى أننا لا نقبل بالعنف لمنعه، وإلاّ لوقعنا في ديكتاتورية خير منها الثورة..‏
وكما أنّ الوسائل الديمقراطية كفيلة بالتطور الهادئ الهادف، فإنّ هذه الوسائل تبقى عديمة الجدوى إذا لم يتغير قانون الإنتخاب بآخر يتيح التمثيل الأفضل لتطلعات الرأي العام في لبنان.‏
والحديث عن التغيير في الأنظمة لا ينفصل عن السعي في البناء الخُلُقي للمواطن، بل أنّ التغيير في العلاقات يُبنى على هذا. فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. والإقتناع بضرورة تغيير الفرد بعد التدهور الخُلُقي، وبعد قوة الجذب المادي، وبعد تفاهة المناقب في رؤية المواطن، وأخيراً بعد التشنج الطائفي المذهل الذي اعترانا، أقول إنّ الإقتناع بضرورة التغيير أصبح ظاهراً لا يحتاج الى دليل.‏
ثانياً: إعادة الطموح للساحة اللبنانية‏
من المعلوم أنّ مساحة لبنان في الزمان أكبر كثيراً من مساحته في المكان، وأبعاده في عقل العالم وقلبه تتجاوز مئات المرات أبعاده الحسية، وما كان لهذا أن يكون لولا الطموح، فقد عرف هذا الوطن وخلال كل الحقب، بمواقف وأدوار ومواجهات وتطلعات فوق حدود الظن.. سواء بالهجرات والإغتراب، أو بالبحوث والرسالات الحضارية في شتى حقول النشاطات الذهنية.‏
وأخذت هذه العملقة تتقلص، حتى دخلت في مرحلة تقزّم مرضي عضال. ولا ندري مَن نصح الوطن، بحجة عدم التمحور، بإهمال القضايا العربية والتقوقع في إطار الهدنة الرسمية، وخصوصاً بإسقاط المسألة الفلسطينية من دفتر الحساب اللبناني، بالرغم من أنّ لبنان كان أول مَن حسب حساب الوجود الإسرائيلي، وتحسّب له، وأدرك خطره عليه وعلى المنطقة والعالم، ولبنان كان أكبر مَن دفع الثمن باهظاً، دفعه، وهو غير مشكور..‏
لا نعرف ما هو الضرر من تحمّل كافة المسؤوليات، ما دام هو لبنان يحملها بالفعل.. ثم لماذا يُخشى من تبنّي أنبل رسالة وأشرف وأعدل قضية عاشتها العصور؟‏
ولا نعرف لماذا لا يتحمل لبنان دوره المحاور في العلاقات العربية الأوروبية الحضارية، وفي الحوار الإسلامي - المسيحي، الذي تتعاظم نتائجه وحاجة العالم إليه يوماً بعد يوم؟‏
إنّ مسك المواقف الكبيرة هو قدر لبنان البطولي، فلماذا اكتفى لبنان بالبطولات الزائفة في اقتتال الزواريب الضيقة؟‏
ثالثاً: المصالحــة‏
ولعلها الأولى لجهة التوقيت.‏
إجراء مصالحة وطنية شاملة (وكانت هذه إحدى مسبّبات الإعتصام الأساسية).‏
أجل مصالحة ضم سائر الفئات اللبنانية، دون استثناء، من شخصيات وأحزاب وطوائف ومناطق، في لقاء مصارحة كاملة، عن لبنان الشكل والمحتوى والصورة والإطار.‏
والمصالحة ليست مصافحة أيدٍ، بل مصافحة قلوب، واللقاء ليس لقاء أجساد، بل لقاء إرادات لصنع الأسس الجديدة للمجتمع الأمثل.‏
إنّ البعد خلق التجاهل، ثم عمّق الأثر، حتى أورث البغض؛ ولا تُبنى الأوطان بسوى المحبة.. والمواطن اليوم بأشد الحاجة إليها حتى كاد ألاّ يكون لولاها..‏
ولا شك أنّ المصالحة لا تعني طمس ما حصل.. بل العكس هو الصحيح. فالمصالحة ستلد المصارحة، وعندما تتشكل هيئة تحقيق شامل، تحدد المسؤوليات. فالدماء التي أُهرقت، والملكيات التي خربت، لا يجوز هدرها، حتى تعود الثقة ويشعر المواطن أنه لا يعيش في غابة.‏
أيها الإخوة.. إنني أدرك جيداً كم هو صعب، في جوّنا المشحون بالحذر والقلق، وفي خضمّ الآلام والويلات، والى جانب الدماء والدمار والثأر، أن يتولى شخص أو مجموعة أمر مصالحة اللبنانيين مع أنفسهم ومع تاريخهم أولاً، وفيما بينهم فئات ومناطق ثانياً.‏
إنني أدرك ذلك، وأتوقع صعوباته ومخاطره. غير أني، بعد التأمل الطويل والمشاورات الواسعة، مقتنع تمام الإقتناع بعدم توفر وسيلة حقيقية أخرى للخروج من محنتنا وللمبادرة الى إصلاح أوضاعنا. إنّ الظروف المحلية والعالمية قاسية جداً، وإنّ المخاطر والمؤامرات، التي وجدت في المأساة ونتائجها ثغرات واسعة، بالمرصاد. فالحد الأدنى أن يلتهي لبنان والمقاومة الفلسطينية عما يجري في المنطقة وعن التاريخ والمصير اللذين يُرسمان لها.‏
ولذلك تراني أعدّ العدة كاملة، بالتعاون مع الحكومة التي أعلن رئيسها مرات عن ضرورة الإسراع في إجراء المصالحة، وبالتعاون مع ضمائر المواطنين وعقولهم، ومع القادة الذين يرَون رأينا، ومع الأشقاء والأصدقاء الذين آلمهم اقتتال إخوانهم في لبنان. أعدّ العدة للمباشرة في إجراء مصالحة وطنية شاملة تنقذ الوطن وتحفظ البقية من الأرواح والكرامات. وفي ذهني صيغة لها تدارستها مع فرقاء عدة، وسنبدأ قريباً بإذن الله بوضعها موضع التنفيذ. راجياً من الله الكريم أن يسدّد الخطى ويُلهم الجميع ويربط على قلوبهم لكي نتخطى الصعوبات وننجح في تنفيذ مرحلتها الفورية العملية والجوهرية والجذرية.‏
وهنا نشعر بالحاجة الملحة الى الإعلام المؤثر المتطور، نشعر أكثر من أي وقت آخر إليه، مع التأكيد على أنّ كثيراً من الحوادث الدامية لم تكن تحدث أو لم تكن تتطور لو كان الإعلام يقوم بدوره المطلوب. أقول ذلك شهادة مَن عاش الأحداث عن قرب وبكل وجوده وإحساسه.‏
إنّ الإعلام، أيها السادة، يتجاوز في تأثيره كل حد، ولا تقف أمامه أية مشكلة، ولا يجوز بقاؤه خارج المسرح في يومنا العصيب هذا.‏
رابعاً: التنسيق مع الفلسطينيين‏
وذلك يتم عن طريق توحيد المواقف بين اللبنانيين والفلسطينيين، شعباً وجيشاً، وتنسيق النشاطات الديبلوماسية والإعلامية، وفي وسائل الدفاع، ورعاية مشتركة لتصحيح أوضاع المخيمات، وفي صيانة حقوق العمال وأصحاب المهن الحرة من الشعب الفلسطيني دون طلب المستحيل منهم، وهو مراعاة قانون المعاملة بالمثل. ثم تعميم الإنفتاح واللقاءات، وتعميق الحوار بين القطاعات اللبنانية والفلسطينية المتشابهة.‏
خامساً: معالجة الحرمان‏
وذلك باجتراح خطة، ليس فيها شيء من المعجزة أو الأعجوبة، لتعميم العدالة وتهيئة الفرص المتكافئة في السياسة والإجتماع والعمران والتربية والثقافة.‏
وقد أصبح واضحاً أنّ رفع مستوى المحرومين لا يتم على حساب المكتفين، بل إنّ التنمية يمكن إنجازها عن طريق قروض وطنية وعربية متوفرة تعود الى مصادرها من ردود المشاريع نفسها.‏
إنّ المشروع بالعدل يقوم على أساس كل ملك.. وقد فرغ من تأكيد هذه الحقيقة الإنسان السومري منذ ستة آلاف سنة، ويستغرب أن تكون هذه الحقيقة مهملة في أواخر القرن العشرين.‏
سادساً: الجنــوب‏
وهو قلب لبنان الفعلي، فلماذا يترك المواطن فيه بين ثلاثة خيارات: القتل، أو الإذلال، أو الرحيل؟..‏
إنّ الإعتداءات الإسرائيلية المستمرة بقيت حتى الآن دون رد، وهي في تزايد، وترسم مستقبلاً مظلماً أمام المواطن الجنوبي.‏
فبأي واحد ننصح المواطن الجنوبي من هذه الخيارات الثلاثة؟ أجل بقي خيار آخر في النسيان: أننصحه بالتعامل مع العدو؟‏
أليس البقاء في هذا الضيم: إنّ الجنوب أرض بلا شعب، هو تسهيل، إن لم أقل تواطؤ مع الإحتلال الإسرائيلي؟‏
إنّ الحديث عن الجنوب طويل وذو شجون. وقد عشت المحنة منذ بدايتها، في صمت تارة، ومع الصرخات أخرى، وسأبقى حاملاً همومه قدر المستطاع، حتى نحمل الجميع على تبنّيه في وضعه الداخلي، وفي وجوده على الحدود وفي إنسانه الكريم المحروم، فننقذه وننقذ به لبنان.‏
إنّ الواجب الوطني يتطلب أن يجعل كل مواطن موضع المواطن الجنوبي، ويعيش مأساته: الإعتداءات، جمود الحياة، الدمار، الظلم، ثم اللامبالاة والصمت الإعلامي.‏
فباسم الذين يعيشون في جحيم الإعتداءات الإسرائيلية، وباسم الأبرياء الذين يموتون في بيروت وضواحيها، وفي البقاع والشمال، ويُسحقون تحت وطأة الأحداث دون ذنب، وباسم الوطن الذي يحمل في ضلوعه جرحين، جرح الإقتتال في الداخل وجرح الإستسلام في الحدود.‏
باسم هؤلاء جميعاً أناشدكم جميعاً، أيها اللبنانيون الشرفاء، أن نتعاون جميعاً فنضع الحرب والسلام في مكانهما المناسب فننقذ الحدود وننقذ الوطن.‏
أيها الأعزاء..‏
كان بودي أن أقف هنا.. وأكتفي، مختتماً لقائي بكم، أنتم رجال الكلمة الطيبة كشجرة طيبة، بالتوجه إليكم لتبقى أقلامكم في مستوى الحرف الذي ابتدعه يوماً لبنان وأرسله الى كل العالم، فتساهموا في حمل المحبة والبناء لتقليم أظافر الإثارة والبغض والنعرات المقيتة حتى يحفظ الله لبنان ويرعاه ويرعاكم.‏
ولكن آثرت أن أبقى في الكلام قليلاً لجلاء بعض الأمور التي استجدت بغيابي وغلّفوها بالتعتيم والإقتام.‏
ولو كان كلامي عن نفسي يُحمل على محمل الفخر، لاستغفرت الله كثيراً عن هذا الزهوّ، لكن نفسي وقد شاء قدري، ألاّ تكون ملكاً لي، وإنما أضحت ذرة متواضعة من رصيد هذا الوطن الغالي، ولهثة رجاء، أو خفقة أمل على شفاه المتعبين، وفي قلوب المعذبين والمحرومين، لذلك سمحت لها بالإسترسال قليلاً لإزالة بعض الأوهام.‏
أولاً: حول حركة المحرومين‏
إنّ حركة المحرومين التي أثرتها، هي حركة جماهيرية إعتبر الطيبون أنفسهم ممثلين لها دون استثناء. وفيما عدا حالات إستثنائية تحمل الأصدقاء بعض المسؤوليات بناءاً لتكليف مني، فإنّ كل النشاطات التي حصلت حتى الآن كانت مبادرات فردية على مسؤولية أصحابها.‏
وها نشعر جميعاً بالحاجة الملحة الى الوعي والإنضباط. لذلك أعلن أنّ كل مَن تكلم عنها أو معها أو فيها، أو من خلالها فالحركة تشكره، ولكنها لا تتقيد منه بشيء. إنّ هذه الحركة لم يوضع تنظيمها بعد، ونحن سائرون إليه بإذن الله كأقوى ما يكون التنظيم وأوعى.‏
ثانياً: حول المقاومة اللبنانية‏
وإنّ المقاومة اللبنانية ناديت بها منذ عشر سنوات، وأعلنت عنها منذ سنة وسبعة أشهر في يوم عاشوراء، يوم الفداء العظيم، وطلبت من سكان الجنوب أن يتسلحوا ويتدربوا، وبعدها بأربعين يوماً ناشدت أهالي بعلبك أن يفعلوا أيضاً، وأن يقفوا الى جانب أهل الجنوب يساعدوهم في هذا وذاك. ولما امتنع المسؤولون عن سماع الشكوى رغم كل النداءات والتوجهات والضغوط، وتركوا الجنوب سائباً وابن الجنوب مرتعشاً أمام الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة والمتزايدة، ورأيت فعلاً أنّ المواطن الجنوبي مهدد بالموت أو النزوح أو المهانة التي لا تقلّ ذلاً عن الخيانة، شجعت شباناً مؤمنين بالله وبالوطن على التدريب، وقد علم بذلك السلطات وكبار رجال القوى المسلحة في لبنان بوسائلهم الخاصة.‏
ولم يكن من غرضي الإعلان عن هذه المقاومة اللبنانية، سوى المواقف العملية، على غرار ما حصل في الطيبة وكفركلا. إلاّ أنّ الفاجعة، وقد كشفت نفسها، فرضت عليّ الإعلان.‏
أما بعد، فماذا يضير بعضهم أن يكون للبنان فدائيوه أيضاً ممن يموتون في سبيل الدفاع عنه؟ أليس الدفاع عن شتلة التبغ في تلال عاملة، هو الدفاع عن الدالية والتفاحة في أعالي المتن والشوف وحول "سيدة لبنان" في جونية؟‏
ومع أني لا أحب التحدي ولا هو من طبعي.. فإنني أطرح سؤال التحدي بصيغة إخبارية تحمل التأكيدات التالية:‏
‌أ) لم يرَ واحد من هؤلاء الشبان المؤمنين في أية معركة داخلية، أنهم فدائيو حدود الأرض اللبنانية المقدسة فقط.‏
‌ب) لم تغلق باب هذه المقاومة اللبنانية عن أحد من المسيحيين الشرفاء، بل أعتبرهم - إن دخلوا - سيكونون كغيرهم صلابة في الدفاع عن أرض الوطن، إن لم يكونوا أشد.. وليجرّبوا..‏
‌ج) لن أستنكف لحظة عن إلحاقهم برمّتهم في أفواج المؤسسة الكبرى الرسمية عندما تتأسس وتتحمل هذه المسؤوليات. وقد عرضنا الأمر منذ البداية.‏
‌د) وليس أدلّ على حقيقة مرامي وأهداف هؤلاء الشباب من الموقف الإنساني والعاطفي الذي وقفه الشباب في زحلة وضواحيها حيالهم يوم الكارثة، فقد سارعوا أفواجاً ووقفوا في صفوف طويلة ليقدّموا لهم من دمائهم، وما كان هذا ليحدث لو لم يكونوا عارفين بأنّ دماءهم لن تسيل إلاّ في سبيل لبنان. إلاّ فليتعظ بذلك ملفقو الأخبار وسماسرة السياسات الرخيصة والساعون الى قلب القيم رأساً على عقب.‏
ثالثاً: الإعتصــام‏
لا بد من التذكير بادئ بدء، كيف كان يكيل لي بعضهم المديح قبل الإعتصام بالقناطير.. ذلك المديح الذي أعترف أني لا أستحق.. وكيف دخلوا بالدهشة بعد الإعتصام، ثم لم يخرجوا منها بعد..‏
والذي أحب أن أؤكده هنا، إيماني المطلق بأنّ درب الحقيقة الكبرى لا يمرّ إلاّ من كربلاء، كما أنّ درب المحبة العظيمة لا يمرّ إلاّ عن طريق الجلجلة.. وأنّ الفرح الصحيح بالوجود، ليس تشنجاً فردياً بالمديح، ولكن معياره الأمثل الإستعداد المستمر للموت في أية لحظة، في سبيل فرح الآخرين بالوجود.. فالحياة التي نعيشها لا نستحقها إذا عشناها لأنفسنا، وكم ستكون عندئذ صغيرة وحقيرة، بل محدودة.‏
ولقد عوّدنا تراثنا العظيم على اندفاعات مطلقة، وبزخم لا معقول في سبيل ما نعتقد أنه الحق.‏
فاختياري لبذل النفس وحدي، ووضعي كل أمانة الله بين يدي طاعته، واعتصامي الى أن يفعل الله ما يشاء، لم يكن تصعيداً للأحداث، بل كان إيقافاً للنزف بعد أن وسّعت خرقه الميول والأهواء والأنانيات، وبعد أن أدارت ظهرها له التفاهة واللامبالاة. ويشاء ربك ألا يطول أمد هذا الصيام والإعتصام.. وفيما كنت أفكر بإنهائه، وقد استجابت لعدالته حتى النفوس التي بها مرض، حاول بعضهم أن يستغله لجرّ مغنم، فقطعته فوراً، وخرجت من المسجد الصغير الى الوطن، مسجد الله الكبير، وقد راعني ما جرى في القاع، وما كان يجري في دير الأحمر وزحلة، لأقف الموقف الذي يعرفه جميع أهالي القاع ودير الأحمر وزحلة، والذي أخذت فصوله تنجلي بوضوح لكل منصف، كما ستنجلي يوماً حقيقة الأوضاع التي سادت في الشياح وفي النبعة، ويومها ستسودّ وجوه وتبيضّ وجوه، ويندم المشكك والمفترى.‏
رابعاً: التهجمــات‏
وهذه لن أرد عليها، ولن أُشغل وقت الناس بدقيقة منها.. فقد أدّبني القرآن والتراث، أنّ من واجبي المحبة، حتى ولو قوبلت بالبغض، وأعرف جيداً أنّ بعض الملوك الخلفاء كانوا يستحلون دماء الأئمة، مع أنّ الأئمة لم يترددوا لحظة في تقديمها لصيانة دماء الأمة، بمعنى أنّ العداوة بين الخير والشر قديمة، وقد ترجمتها كل أخشاب مسارح العالم.‏
ولن أرد لسبب آخر، فطالما أنّ التهجم عليّ شخصياً لا يمس سلامة المسيرة بشيء فلا داعي للتشنج، بل سيبقى وقتي في بذل الجديد والمزيد من الخدمات، فذلك حسبي وحسبي الله ونعم الوكيل.‏
خامساً: حول الموقف والسلوك‏
يقول عليّ إمامنا الأعظم: "ما رأيت أمراً إلاّ رأيت الله قبله وبعده وفيه ومعه"، فكان لا يقول، ولا يعمل، ولا يأمر، ولا ينهي، ولا يقوم، ولا يتحرك إلاّ والله أمامه، فكيف يمكن أن يتغير موقف فرع صغير من شجرته الطيبة، موقفي، وأنا أتجه الى الله سبحانه الذي لا يتغير.‏
ماذا أقول؟ فلنسأل الساحات والقاعات، ولنتذكر المحن والأزمات، ولنستنطق القلوب والعواطف والعقول والمواقف.‏
إنني كنت أدرك جيداً أنّ الوقوف بوجه الطغيان يكلّف، وأنّ التطلع الى رفع مستوى الجماهير ورفع وعيهم يكلّف، وأنّ التصدي للإمتيازات وللأصنام من كل فئة يكلّف، وأنّ المحاربة والتشكيك والإتهام لي ولأصدقائي، سوف تتصاعد وتتحول الى موجة مسعورة منتشرة.‏
ومع ذلك فإني أدرك أيضاً، أنّ هذه رسالتي وأمانتي ومعنى حياتي، لذلك فسأستمر في دفع الرصيد. دفعت شبابي، وراحتي، وصحتي، ورعاية أولادي، وما ملكت يدي، وما كادت أن تملك، وسوف لا أحمل شيئاً من رصيدي الى القبر، وسأبدده في خدمة الوطن، أناس الوطن، كرامة الوطن.‏
إنّ سعادة الناس - لا شكرهم - هي شبابي وراحتي وصحتي ورعاية أولادي، وإنّ قلوب الصفوة المناضلة الخافقة معي لأكبر ثروة لي، عندما أرى أنها وُضعت في سبيل القلوب المعذبة والنفوس المحرومة، وإنّ رضى الله سبحانه وتعالى لا رضى الناس أنشودتي وغناي.‏
وسأبقى المِعوَل الذي يهدم الحواجز المصطنعة بين المواطنين، والسيف الذي يقلع الصلف من وجوه الطغاة، والكابوس من ظهر المظلومين. سأبقى القلم الذي لا يغرف إلاّ من حبر الحقيقة مهما كانت مرّة.‏
سأرفض تقزيم لبنان وتشتيت أبنائه وتحويله الى سلعة. وسوف أستمر في سلوك الطريق الأصيل الذي تعلمناه من مبادئنا وتراثنا، والذي يعتمد على الدقة وحُسن الظن والتسامح والأمانة.. وخصوصاً عدم التضليل.‏
سأشكّل مع القوى الخيّرة في لبنان جبهة البناء، مع الخبراء صانعي المعرفة، أولئك الذين وقفوا معي لتتفاعل طاقات القاعدة مع صائب رؤيتهم وثاقب فكرهم، مع القوى التي أبعدها التشنج، ومع الطاقات العظيمة التي نبذها الحكام.‏
سنشكّل جميعاً جبهة البناء لغد أفضل، جبهة الصيانة لحاضر الوطن ولماضيه، جبهة تريد الحياة وإن أرادوا موتها، تريد كرامة الوطن وإن أُريد تشويهها وتحطيمها، تصون الدين وإن تصدت لها الطائفية. سنشعل بإذن الله شمعة تحترق لكي تشترك في تمزيق الظلام المخيّم على الوطن.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان