المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

حوار صحفي للإمام السيد موسى الصدر مع مجلة "الحوادث" (24/1/1975)

بسم الله الرحمن الرحيم‏
سؤال: سماحة الإمام، نقرأ ونشاهد ونسمع كل يوم عن معارضتك، ونشعر أنك تثور وتتألم لما يجري في لبنان، وخاصة لما يجري في الجنوب. لو كنت المسؤول فما الحل بنظرك؟‏
جواب: ردود فعل الإنسان أمام الأحداث نوعان: نوع يحصل بعد دراسة وتخطيط، وينظر فيه الإنسان الى المصلحة وحساب الربح والخسارة. والنوع الآخر هو من صميم وجود الإنسان، وهو لا يحتاج الى تخطيط.‏
في تصوري إنّ قضية الدفاع عن الوطن كقضية الدفاع عن المواطن، لا تحتاج الى تخطيط. إنّ مجرد التفكير والحيرة بين أن ندافع أو لا ندافع، لأمر في منتهى السخف والتنكّر لواقع الوطن والتخلي عن المسؤوليات. أولاً ندافع، نأخذ قراراً بالدفاع، ثم نفكر بدرس الإمكانيات والوسائل. أنا متأكد أنه مع أول طلقة تصدر عن الجيش اللبناني ستتغير ثقة الناس بالدولة، وستتغير العلاقات بين المواطنين في الجنوب ومناطق أخرى من لبنان، سيشعر جميع اللبنانيين بالمسؤولية ويدفعون الضرائب بكل حماس للدفاع عن الوطن، وحتماً ستتغير العلاقات اللبنانية الفلسطينية، سيكون لنا في الحوار مع الفلسطينيين موقف، إذ ليس لنا الآن موقف. وستتغير العلاقات اللبنانية العربية لأنّ موقفهم الآن يأخذ طابع المساعدة، بينما إذا ورّطنا أنفسنا وورّطناهم فسيعطوننا كل شيء رغماً عنهم.‏
وستتغير العلاقات اللبنانية الدولية، فالعالم اليوم يشعر أنّ الجنوب في لبنان أرض سائبة لا يوجد مَن يدافع عنها، وهذا أخطر ما في الأمر، فالأرض التي لا يدافع عنها أهلها لا يدافع عنها أحد. وحيّى الله المثل العربي القديم الذي قال: "دعوا دماً ضيّعه أهله".‏
سؤال: ولكن ألا تعتقد يا سماحة الإمام بأنّ دعوة المواطنين في الجنوب الى الدفاع والمقاومة تحمل الكثير من الخطورة والمغامرة، ونحن نعرف أنّ أغلبيتهم عزّل من السلاح.‏
جواب: عندما أنظر الى وضع المواطنين في الجنوب أتذكر مأساة الشعب الفلسطيني التي عشناها. فقبل عام 1948 كان الفلسطينيون يفكرون ويدرسون ويحلّلون أوضاع قضيتهم، وبطبيعة الحال كانوا يبدعون في التحليل. بعد عام 1948 وبعد المأساة إنتقلوا من الدراسة والتحليل الى المناشدة، مناشدة العرب والعالم كي ينتصر لهم في مأساتهم، وكما نعرف جميعاً فلا التحليل نفع ولا المناشدة. ثم قرروا أن يحملوا السلاح، فإذا بالصورة تتغير، وإذا بالأمل يعود إليهم. وإذا نظرنا الى الفترة الزمنية ما بين إطلاق الرصاصة الفلسطينية الأولى (1965) وبين اليوم لاكتشفنا أنّ بعث الأمل الفلسطيني لم يأخذ وقتاً كثيراً.‏
أكرر: علينا أن نبدأ بالدفاع أولاً ثم بالتفكير. أعتقد أنّ وضع المواطنين في الجنوب مرّ بالمرحلتين الأوليتين: مرحلة التحليل والتفكير ومرحلة المناشدة، سواء مع السلطات في لبنان أو مع العرب، لقد أبدعوا في تحليل أهمية الجنوب للبنان وللعرب، وأوضحوا من خلال الدراسات أهميته الإستراتيجية والإقتصادية، ونشرت الأبحاث المطلوبة عن مياه الجنوب وغنى الأرض وغيرها، وقالوا: إنّ "إسرائيل" لو احتلت جنوب لبنان لزادت قوّتها ثلاثين بالمئة على الأقل. وهذا يعني زيادة الخطر على العرب كلهم.. ثم بدأت المأساة مع الإعتداءات المتكررة، ومع النزوح والدمار والدماء وقرب شبح الإحتلال، بدأت المناشدات والإتصالات والدعوات لمؤتمر القمة وغير القمة. ولا أعتقد أنّ النتيجة ستكون أفضل من النتيجة التي حصل عليها الفلسطينيون قبل أن يحملوا السلاح.‏
إنّ الحل الوحيد هو في حمل السلاح. إنّ على المواطن العادي أن يحمل السلاح ويقوم بالمسؤولية العفوية التي لا تنفصل عن كيانه وعن شرفه وعن تاريخه.. وبذلك يضع نفسه ودولته والعرب والعالم أمام أمر واقع.‏
سؤال: لنأخذ وجهة النظر الأخرى: عندما حمل الفلسطينيون السلاح لم يكن لديهم ما يخسرونه، بينما - كما يقول الرأي الآخر - إذا حمل الجنوبيون السلاح فإنّ لديهم الكثير مما سيخسرونه، فإنّ تصعيد المقاومة اللبنانية سيعطي "إسرائيل" الحجة الدولية القانونية لاحتلال الجنوب. قبل قرار الدفاع عن النفس يجب حساب نتائج هذا القرار؟‏
جواب: أعيد الى ذاكرة السائل والقارئ معاً، أنّ قضية الدفاع عن النفس وعن الكرامة هي قضية وجود الإنسان. لا يحتاج الدفاع عنهما الى تفكير، بل التفكير يجب أن يكون في تفاصيل الدفاع وكيفية التقليل من السلبيات والمزيد من النتائج والسعي لتقليل الخسائر.‏
ثم يحز في نفسي أن أقول: إنّ هذا الفرق بين المواطن في جنوب لبنان وبين الفلسطينيين غير ثابت وغير واضح، لأنّ المناطق الحدودية من الناقورة الى شبعا وبعمق 15 كلم هي مناطق محتلة.. فالسلطة العسكرية اللبنانية غائبة نهائياً عن هذه المناطق، بينما الدوريات الإسرائيلية هي الحاضرة دائماً، تخطف وتهدم وتحاسب المواطن على مواقفه السياسية وتحاسبه حتى على علاقاته السياسية أيضاً. والغريب أنّ المواطنين لا يرَون أي مسؤول كبير يتردد على مناطقهم خشية الإلتقاء مع الدوريات الإسرائيلية التي تسأل كثيراً عن الهويات.‏
وبكلمة مختصرة: إنّ المواطن هناك لا يشعر بوجود أية سلطة سوى شبح السلطات الإسرائيلية. ومع ذلك فهل يمكننا أن نقول إنّ خطر الإحتلال وفقدان الأرض قائم؟‏
ثم في حدود معرفتي لا يمكن لأحد أن يلوم لبنان حكومة أو شعباً إذا دافع عن نفسه وفي أرضه، لأنّ الجندي الإسرائيلي الذي حضر ليلاً الى قرية "مجدل زون" إذا قتل في الأرض اللبنانية، وفي عمق 12 كلم، لا يحق لأحد في العالم أن يلومنا على قتله، صديقاً كان المراقب أم عدواً.‏
وبعد ذلك، فإنّ التدابير السياسية والديبلوماسية والإعلامية، وتجنيد الطاقات اللبنانية الكثيرة كفيلة بالتخفيف من سلبيات هذا الدفاع الذي لا بد منه.‏
أما الجواب الحقيقي الصريح للسؤال فهو أنّ الأمر أصبح يهدد بحصول العكس، حيث أنّ اللادفاع عن الجنوب يبرز وضعه وكأنه أرض سائبة، وهذه الصورة تمكن "إسرائيل" الطامعة دائماً، من الإحتلال لأنّ في اللادفاع مبرراً لتصرّفها.‏
سؤال: سماحة الإمام، حتى الآن إنّ هذا الكلام أو هذه الفكرة لا تزال فكرة نظرية، فما هي الخطوات - إذا أقرّينا بأنها الحل الوحيد - لأن تصبح واقعاً؟‏
جواب: أعتقد أنّ خلاصة ما سبق وذكرت، يشدد على أنه على المواطن في الجنوب أن يضع نفسه والسلطات أمام الأمر الواقع.. وبتعبير واضح: عليه أن يورّط السلطات والدول العربية، بعد أن يورّط نفسه والمواطنين الآخرين في لبنان.‏
سؤال: حتى التوريط يا سماحة الإمام، يجب أن يكون له حسابات، ماذا عن النساء والأطفال والشيوخ؟‏
جواب: هذه حسابات لا بد منها بعد اتخاذ القرار، ولا ننسى أن الجنوبيين كانوا يرددون منذ ألف سنة أو أكثر مخاطبين الحسين: "يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً". ومن أبرز مظاهر الحركة الحسينية أنها تضم النساء والأطفال، وتصعد المأساة وتعمّق إثارة المشاعر التي كانت في ذلك الوقت تعيش بين الخوف والطمع فتجامل الظالمين والمنحرفين.‏
وخلاصة القول: إنّ العالم، وحتى العرب، يتوقعون أن يرَوا الإلتصاق بين الإنسان وبين الأرض بعد أن وجدوا إهمال السلطات لهذه الأرض، واللامبالاة من قبلها تجاه الإعتداءات عليها. وهذا الإلتصاق في البداية يحتاج الى التضحيات والى الإستشهاد حتى ولو شملت المأساة الأطفال والنساء.‏
سؤال: ولكن للدولة نظرة لقضية الجنوب والدفاع عن الجنوب تختلف كثيراً عن نظرة سماحتك، فما هو رأيك فيما تقوله الدولة، من غير أن نكرر عليك ما تقوله لأنك تعرفه جيداً؟‏
جواب: نبدأ - إذاً - فيما تقوله الدولة، أو على الأصح ما تقوله السلطات، إنّ السلطات، في حدود معرفتي، تدرس القضية وتحلل الأمور بصورة تجريدية، وكأنها بعيدة عنها وعن المأساة، وكأن لديها الوقت الكافي للدرس والتحليل، ومع ذلك فإنّ كثيراً من تفاصيل الواقع وأبعاده غير واضحة لديها، مثلاً: إنها تنظر الى قضية الدفاع عن الجنوب، وكأنها حرب مع "إسرائيل" ثم ترى أنّ "إسرائيل" أقوى، وأنّ إمكانات لبنان لا تساعده على التصدي لهذه القوة. وأخيراً، تقرر أنّ قوة لبنان هي في ضعفه العسكري وفي بروزه لدى العالم بمظهر الوطن المسالم الوديع المعتدى عليه، وذلك لكي تستنفر الضمائر والصداقات، معتقدة أنّ هذه القوى المعنوية كفيلة برد الإعتداءات الإسرائيلية. وتضيف السلطات: إنّ تشكيل جيش قادر على الدفاع يحتاج الى عدد أكبر وسلاح أكثر، وزيادة العدد تصطدم مع واقع المعادلات اللبنانية، فيختل التوازن ويهتز الكيان. هذه خلاصة منطق السلطات.‏
ولكي تدفع عن نفسها ضغوط المواطنين والمتسائلين ترفع الشعارات وتقول: "نريد أن ندافع، أُمرنا بالدفاع، وتصدت قواتنا، نريد السلاح، لا بد من مساعدة الأشقاء. فلنجتمع، خطة دفاعية"..‏
وفي الحقيقة، أنه رغم مرور 27 عاماً على جوار هذه الدولة المعتدية، وعلى ظهور جميع الأدلة والأمارات، عن اعتداءاتها ومطامعها، وبل وممارستها، لم يتقدم وضعنا الدفاعي خطوة واحدة، بل العكس هو الصحيح فإنّ هناك تراجعات خطيرة عن السابق.‏
هكذا تطرح السلطة المشكلة، مع العلم أنّ الواقع يؤكد أنّ هذه المبادئ هي غير صحيحة. فالدفاع عندما يحصل داخل الأراضي اللبنانية، لا يمكن أن يعتبر حرباً على "إسرائيل"، فتاريخ العلاقات الدولية مليء بتصدي الدول للقوى التي تقتحم أرضها أو تخرق أجواءها، ثم تنتهي الأزمة بمذكرات، فكم من مرة سمعنا بمثل هذه التصديات بين الصين والإتحاد السوفياتي، وبين أميركا والإتحاد السوفياتي، وحتى بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية، حيث أطلقت "إسرائيل" النار على باخرة أميركية (ليبرتي). إنّ الدفاع عن النفس حق مشروع وواجب أساسي، ولا يلومنا عليه أحد.‏
ثانياً: إنّ القول بأنّ "إسرائيل" قوية، قول صحيح، ولكن لا تكفي القوة العسكرية هذه الأيام للإعتداء. إنّ وضع "إسرائيل" الدولي، وتأثير الحروب في الشرق الأوسط على القضايا الدولية، جعلا الحرب مرتبطة بظروف سياسية واقتصادية متشابكة، ولا يمكن أن نحكم بقوة "إسرائيل" المطلقة في هذه المجالات، ففي لبنان، وللبنان طاقات وطاقات، ينطبق عليها المثل العربي القائل: "إنّ بني عمك فيهم رماح".‏
ثالثاً: إنّ لبنان قادر بطاقاته، وبصداقاته، وبدعم الدول العربية، وباحترام العالم لديمقراطيته وتاريخه ومستوى شعبه الرفيع، قادر على صد الإعتداء، هذا كله صحيح، ولكن لا بد أن تقترن هذه القوى جميعاً بموقف حازم في بداية الطريق، أي أنه لا بد من التضحية والتصدي، ومن إشعال الفتيل، وستتجه بعد ذلك القوى المعنوية، وستنصب القوى العسكرية والمادية، وستنقلب المقاييس كلها. ولا أراني بحاجة الى التدليل على ذلك بأكثر من لفت النظر الى قضية الفلسطينيين أيضاً، وكيف أنهم جنّدوا لمصلحتهم جميع الطاقات وكل المتناقضات، والى حرب تشرين (أكتوبر) ونتائجها.‏
رابعاً: إنّ العالم يحترم الوطن الصغير الوديع المسالم، ولكن إذا كان هذا الوطن مستسلماً للظلم فإنه يشفق عليه.. أما الإحترام فإنه يأتي عندما يرى العالم أنّ هذا البلد الصغير يتصدى، وبكل إخلاص، للقوى الغاشمة، ويضع العالم أمام صورة مأسوية ممزوجة بالبطولات، وما وضع سويسرا في الحرب العالمية الثانية ووقفتها أمام ألمانيا النازية، ووقفة السويد أمام التهديد السوفياتي، وبطولات فنلندا، عنا ببعيد.‏
وأخيراً، فإنّ الخطر الكبير هو في أن تنقلب الصورة، وأن يكفر المواطن، وأن يكتشف الخصم والصديق عدم صحة البلاغات التي تصدر عن السلطة فيتضاعف الخطر: أرض سائبة وعدم صدق في المواقف.‏
سؤال: في الآونة الأخيرة، ردت الدولة وعلى جميع مستوياتها من رئيس الجمهورية الى رئيس مجلس النواب الى أجهزة الإعلام تقول: إنّ مثل هذا الكلام الذي يصدر عن سماحتك وعن بقية المعارضين، إنما يهدف بالحقيقة الى إفقاد المواطن الجنوبي ثقته بالدولة، ويقولون بأنّ هذا الكلام ما هو إلاّ خطة صهيونية تنفّذ بواسطة زعماء المعارضة.. وطبعاً إنّ سماحتك مشمول بهذه التهمة؟‏
جواب: ( صمت الإمام طويلاً قبل أن يجيب) لا أملك جواباً على هذا الإتهام، والخيال واسع، ولكنني أدعو كل مَن يريد أن يعرف الحقائق الى الإتصال بالناس حتى يعرف أنّ الثقة التي يبحث عنها مفقودة منذ زمن طويل، وأنها لا تحتاج الى مَن يفقدها. ثم إنّ السلطة التي لا تدافع عن مواطنيها ولا تبرز هذا التخلي عن واجبها، بل قالت وبلسان أحد كبار المسؤولين فيها: "إنها تتمنى الدفاع عن إخوانها الجنوبيين وإنها تتمنى أن تكون الى جانبهم ولكنها لا تتمكن من ذلك". إنّ هذه السلطة التي فقدت مبرر وجودها وأبوّتها وتمثيلها للوطن لا تملك حق الإتهام ومنع الآخرين من التحرك والمبادرة، ولا يمكنها أن تعتبر أنّ عدم ثقة المواطن بها هو كفر بالوطن.‏
وأخيراً، فإنّ الحكم النهائي هو للمواطن وللتاريخ وللدماء التي تراق كل يوم وليلة على الأرض، بينما يقضي بعض المسؤولين أوقاتهم في اللهو والعبث والحزن المترف.‏
وارتفع صوت الإمام متهدجاً وهو يقول: هل يمكن أن نصف فلاح شرف الدين (أحد شهداء الطيبة) الذي تصدّى وحده بعد مقتل أبيه وأخيه بسلاح خفيف لفرقة إسرائيلية دفاعاً عن وطنه وعن أرضه وكرامته وتاريخه، هل يمكن أن نصف هذا الشهيد بأنه كافر بالوطن يخدم المخططات الصهيونية، ثم نصف الذين قضَوا تلك الليلة التي استُشهد فيها هاربين من وعيهم مختفين وراء ضجيج الموسيقى وضباب اللهو في العاصمة.. بأنهم هم حماة الوطن وزعماء البلاد؟‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان