المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

حديث سماحة الإمام السيد موسى الصدر في مجلة "كل شيء" اللبنانية

التاريخ: 30/6/1973
بسم الله الرحمن الرحيم‏
سؤال: خلال الأحداث الأخيرة وبعدها، قمت بمساعٍ حميدة لوقف الإقتتال وإزالة مسبّباته على عدة أصعدة، على صعيد الدولة، وصعيد المقاومة، وصعيد الإتصال بالسلطات السورية لفتح الحدود.. ماذا كانت حصيلة الإتصال على كل صعيد، وماذا تقترحون لاستكمال عقد هذه الإتصالات بعد أن هدأت الأجواء؟‏
جواب: لعلكم تستغربون أنه خلال الجولة التي قمت بها مع بعض الزملاء للإتصال بالأطراف المعنية في الأحداث الأخيرة، تأكدت مما كنت أفكر فيه بصورة تجريدية.. فقد كنت أرى أنه ليس هنالك أي سبب للإصطدام بين السلطات اللبنانية وبين المقاومة، وليس هناك أي تعارض بين السيادة اللبنانية وسلامة أراضي لبنان وأهليه، وبين دعم المقامة وحمايتها.. ثم كانت الأحداث الدامية، وبالحجم الذي نعرفه جميعاً، مما أدخل في ذهني بعض الشكوك بأني ربما كنت متفائلاً أكثر من اللزوم، أو ربما كنت موهوماً بالصورة التي أتصورها. ولكن خلال الأحداث تأكدت بأنّ الفكرة الأولى هي الصحيحة، إذ لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين السيادة التامة والوحدة الوطنية وسلامة أراضي لبنان وأهله، وبين دعم المقاومة وقيامها بواجباتها، إذا كان هناك من حوار دائم لتحديد المسؤوليات والواجبات والحقوق وحل العقد العابرة..‏
بدون شك، إنّ المقاومة حركة ثورية، وهنا يبدو الفرق بين المقاومة الفلسطينية وبين الحركات التي حصلت أثناء الحرب العالمية الثانية، وقبل ذلك وبعده.. فعدد المقاومة محدود، وعملها سري، وتحركها غير واضح أمام الناس، بعداً وتفصيلاً، وهي مؤلفة عادة من نفر قليل، إنما الجماهير الفلسطينية لا يمكن إبعادها كقوة سياسية واجتماعية، عن معركة تحرير فلسطين، ولا يمكن إدخالها في عمل المقاومة التقليدية بشكل علني.. هذه الظروف فُرضت على الفلسطينيين أن يعبّروا ويسمّوا مقاومتهم ثورة، فكانوا وهم أعضاء وجماهير هذه الثورة، يدعمونها ويقفون الى جانبها.. والعمل الثوري عمل تام، وهو عمل قائم على الكر والفرّ، وقوانين الثورة تختلف عن قوانين أخرى.. وهنا تأتي الصعوبة في وضع اتفاقية تحدد العلاقات بين المقاومة وبين السلطات في أي بلد كان، ليس في لبنان فحسب، بل حتى في سوريا ومصر والأردن والسودان، وحتى في ليبيا، وفي أي بلد آخر..‏
من هنا، تأتي ضرورة الحوار الذي يعتبر اتفاقاً مستمراً، واتفاق النصوص هو اتفاق جامد لا ينفع إلاّ بين دولتين نظاميتين، أو شركتين تجاريتين. أما بين سلطات نظامية وحركة مقاومة فلا يمكن للنصوص الجامدة أن تحدد وتنظم، ولذلك فإنهما بحاجة الى حوار دائم، وتجدّد، وكرّ وفرّ، وتأخير وتقديم، حتى يمكن للتفاهم أن يستمر. وبالنتيجة ذلك هو قدر لبنان.‏
فيلم الأحداث‏
ثم يروي الإمام الصدر مسلسل الأحداث الأخيرة كما عاشها عن كثب فيقول:‏
بعد هذه المقدمة، على صعيد الدولة، بإمكاني أن أقول إننا كنا نسمع بوجود محاولات تصفية، وكنا نسمع أنّ هناك شعوراً بالإنزعاج الشديد لدى السلطات.. لكن بعد الإتصال بالمسؤولين، أثناء المحنة، شعرنا أنّ نية التصفية هي أبعد ما تكون عن السلطات اللبنانية، لأنّ موقف الرئيس، والجيش، والمسؤولين الآخرين، حتى موقف الفئات الشعبية التي كان يُظن أنها لا تؤيد المقاومة والفئات التي اصطدمت سابقاً، وفي عدة أماكن - من جملتها الكحالة - مع المقاومة.. تبيّن في الفترة الأخيرة، وبعد اللقاء والحوار، أنهم جميعاً على تفهّم تام.. ولذلك بإمكاني القول إنّ لدى السلطات اللبنانية حُسن نية ورغبة في التفاهم، ولكن هذا التفاهم كان مفقوداً لعدم وجود حوار مستمر، مما جعل العلاقات اللبنانية الفلسطينية تسير بصورة عشائرية.‏
لقد وجدت نفس الإحساس تماماً لدى المقاومة، ففي لقاءاتنا، تحدثنا عن كافة الموضوعات، وتبيّن لي أنّ المقاومة تهتم بصيانة لبنان وسيادته، لمصلحته ولمصلحتها، كما أنها مقتنعة بضرورة عدم التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية، إبتداءاً من اختيار المختار ورئيس البلدية، وانتهاءاً بالنظام. المقاومة، بقيادتها الحالية، مقتنعة بضرورة عدم التدخل في هذه الشؤون، لكن هناك فئات من المقاومة لها قواعد عقائدية تتنافى مع النظام الحالي في لبنان. وقد قلت لأحد قادة هذه الفئات، وبحضور "القيادة العامة": "لك أن تعتقد ما تشاء، ولكن ليس لك أن تنفّذ ما تعتقده على الأرض اللبنانية، وإنما تنفّذ ذلك في أرض فلسطين".‏
ويتابع سماحته: وبعد النقاش، قلت بأني أعتقد أنّ أية حركة تلهي الجماهير الفلسطينية والقادة الفلسطينيين عن تحرير فلسطين تتنافى مع روح المقاومة، وروح الثورة، وهذا الحوار ساهم الى حد ما، الى جانب المساهمات الفعالة - وأقول المساهمات الأكثر فعالية من نشاطاتنا - في خلق الحوار الذي تأكد. وأرجو أن يستمر بعد أن تقدّر كل فئة موقف الفئة الأخرى. إنّ دعم المقاومة ليس فقط قدر لبنان، ورسالته، وواجبه، حتى على صعيد الحرب الباردة في العالم، بل يمكن القول إنّ مصلحة لبنان أن يملك ورقة اسمها ورقة المقاومة.‏
أما على صعيد السلطات السورية، فأنا في الحقيقة لم أبذل نشاطاً لفتح الحدود، رغم أني أتمنى ذلك، فسفري الى سوريا كان رحلة واحدة (قام سماحته بزيارة ثانية لدمشق في مطلع الأسبوع الماضي)، وقد جاءت في وقت الإلتهاب وانتقال الجيش اللبناني من الجنوب الى الشرق والشمال وبيروت، وبرز بعض شباب المقاومة في الحواجز والمخافر وأماكن في جنوب لبنان، مما جعلني أتصور أنّ "إسرائيل" ستستغل غياب السلطات اللبنانية، وستحاول احتلال الجنوب. وقد وجدت بعض "القرائن" على ذلك، وبدون أي تأخير سافرت الى سوريا، وتمكنت من تلطيف الأجواء من الناحية العسكرية، وبالتالي صدور الإتفاقية، وسحب الحشود الفلسطينية من الحدود الشرقية والشمالية وعودة الجيش الى جنوب لبنان، مما أفقد "إسرائيل" ذريعة القيام بأي عمل عسكري بهدف احتلال جنوب لبنان.‏
وهم التطرف المتبادل‏
سؤال: سماحة الإمام، هل بالإمكان إلقاء بعض الضوء على تلك "القرائن" والتي توفرت لكم حول نية "إسرائيل" في استغلال الوضع اللبناني الداخلي واحتلال الجنوب؟‏
جواب: هناك قرائن ثابتة، مثل الخرائط المكتشفة والتصريحات التي صدرت في أعقاب حرب 67، بأنّ الحدود في كل مكان مثالية إلاّ على الجبهة اللبنانية. أما القرائن التي حدثت مؤخراً، فقد نقلها الكثير من شبابنا الذين يدرسون في أميركا، إذ اكتشفوا بأنّ الطلاب اليهود هناك يدرسون مشاريع مائية وكهربائية وجغرافية وزراعية على ساحة جنوب لبنان. ومن المعلوم أنّ هذه السنة هي سنة جفاف، فقد قرأت في بعض الصحف الأجنبية أنّ بعض قادة "إسرائيل" يتحدثون عن ضرورة فتح الحوار مع السلطات اللبنانية حول المياه في جنوب لبنان، وغير ذلك من القرائن..‏
سؤال: لقد رافقتم مواقف الدولة والمقاومة منذ بدء الأحداث حتى نهايتها، هل كانت هنالك مواقف متطرفة في البداية، ثم لانت عند الطرفين؟‏
جواب: بدون شك، إنّ التطرف في المواقف هو الذي أدى الى الإنفجار، واستعمال السلاح كان ناتجاً عن تصورات غير حقيقية لدى الجانبين، فكان في ذهن بعض قادة المقاومة أنّ هناك نيّات تصفوية للمقاومة، وكانوا يربطون هذه النيّات بما يقال عن اقتراب موعد الحل السلمي - وهذا الحل برأيي بعيد جداً - ويقولون إنّ المشكلة الوحيدة أمام تطبيق ذلك الحل هي مشكلة المقاومة. وبما أنها - أي المقاومة - مجمدة في مختلف البلاد العربية، فهناك نية لإنهائها في لبنان. هكذا كان يفكر الكثير من قادة المقاومة.‏
ومن ناحية أخرى، كان هناك تخوف عند السلطات اللبنانية نتيجة المنشورات والشعارات وأحاديث بعض قادة المقاومة في المحاضرات، والإستدراج السياسي اللبناني من قِبل الأحزاب وبعض الشخصيات، ونحن نعرف أنّ اللبنانيين خبراء في الإستدراج، وكل ذلك نتج عن شكوك ساورت أذهان كبار المسؤولين اللبنانيين حول وجود نيّات ضد النظام وضد سلامة لبنان.‏
ويقول سماحته: لقد تبيّن بعد الحوار وبعد الإتصالات، أنّ هذه الأفكار غير صحيحة عند الطرفين، وأنّ المواقف اعتدلت جداً، وإني متأكد بأنها ستكون أكثر اعتدالاً الى درجة أنّ اعتدال موقف المقاومة سيكون بشكل لا تتصوره السلطات اللبنانية والفئات والأحزاب اللبنانية، وسترى المقاومة أنّ دعم الفئات التي كان الإعتقاد أنها في الصف المعادي لها سيكون بشكل لا يتصوره قادة المقاومة أيضاً.‏
سؤال: هل زالت مسبّبات الأحداث الأخيرة؟ وهل يمكن اعتبار استمرار العمل باتفاق القاهرة هو صيغة التفهم والتفاهم المطلوبة؟‏
جواب: إنّ اتفاقية القاهرة تشكّل نوعاً من النواة للحوار الجديد، وهنالك تفاوت كبير بين ظروف اليوم والظروف التي أدت الى تلك الإتفاقية التي تشكّل حداً أدنى أو إطاراً للحوار المثمر الذي تم من خلال الإتفاقية غير المكتوبة في فندق "ملكارت".. ورغم كل ما يقال بأنه ليست هناك اتفاقية، لكني أعرف أنّ هناك تفاهماً وتدابير إطلعت عليها، وهي مرضية جداً لمصلحة الطرفين.‏
سؤال: يقال بأنّ النظام اللبناني بدأ يتحول الى نظام رئاسي، فما رأيك؟ وهل تؤيد بالتالي تعديل الدستور وفق مستلزمات هذا التحول؟‏
جواب: إني أستبعد ذلك التحول، لأني لا أجد في الأفق أي أمر يلائم ويناسب تعديل الدستور الذي يحتاج الى اتفاق جميع أبناء الشعب على ذلك، أو الى ثورة عنيفة في لبنان - لا سمح الله -. ليست هناك بوادر وإرهاصات لتعديل الدستور أساساً، وأتصور أنّ ما يُشكى منه اليوم على صعيد وضع رئيس الوزراء، وعدم مشاركته الفعلية، ناتج في جانب من جوانبه عن عدم تحديد مدة لولاية رئيس الوزراء، وبالتالي منافسة الزعماء السنة على مركز رئيس الوزراء، بينما منصب رئيس الجمهورية ثابت لمدة ست سنوات، فعندما يأتي رئيس وزراء الى الحكم، تسعى المعارضة لتدعيم وضعها، وتنمية قواها، وتنسيق مواقفها مع مختلف الفئات المعارضة، وتؤدي هذه النشاطات بالتالي الى إسقاط الحكومة ومجيء حكومة أخرى.. وهذا يضعف موقف رئيس الوزراء.‏
ويضيف قائلاً: لقد أبلغت بعض المسؤولين المعنيين، بأنّ علاج المشاركة يكون بتكوين جبهة سياسية تحدد إطار الصراع بين الزعماء الذين يتصارعون على رئاسة الحكومة، حتى لا يكون هذا الصراع على حساب ضعف مركزهم السياسي.‏
وبالنسبة للنظام اللبناني ككل، فيما يحق لي أن أتحدث عنه، وأنا رجل دين لا أتدخل بالسياسة رغم كل ما قيل ويقال، لأني أعتبر أنّ ما أقوم به كان على أساس مبادئ، فلم أسعَ أي يوم في سبيل انتخاب نائب أو عزل آخر، ومجيء حكومة أو ذهاب أخرى، إني لا أشتغل في هذا. بالنسبة للنظام كانت لي أمنية، قبل انتخابات هذه السنة، وهي تحويل النظام الطائفي الى نظام ديمقراطي يعتمد على الكفاءات، ولا أقول نظاماً علمانياً، لأنّ بين الطائفية والعلمنة حلاً ثالثاً، هو النظام المتدين غير المتعسف.‏
وتابع يقول: إنّ مشكلة النظام الديمقراطي هي أنه يُحدث تفاوتاً في الفرص المؤمنة للمواطنين، لأنه عندما تترك الحرية دون حماية، يصبح المتقدم أكثر، والمتأخر يتأخر أكثر.. لا بد من لجم هذه الليبرالية التي تحملها الديمقراطية. ولمعالجة هذا الأمر إقترحت إنشاء مجلس آخر يضم ممثلين عن كل الطوائف وعن المناطق، وعن القطاعات المتعرضة للحرمان، مثل القطاعات العمالية والطلابية، على أن يعقد المجلس جلسات في أواخر كل سنة لمدة شهر أو شهرين، يدرس خلالها ما أصاب كل طائفة، وكل فئة، وكل منطقة من حرمان، لتدارك هذا الأمر حتى لا نبتلي بالديمقراطية الموجهة التي ترفضها أكثرية الشعب اللبناني.. ولا أرغب الدخول في التفاصيل أكثر من ذلك، باعتبار أنّ الأمر ليس من صميم مسؤوليتي.‏
سؤال: ماذا كانت ردة فعل الدولة إزاء ذلك المشروع؟‏
جواب: لا شيء!‏
سؤال: هل ستقوم باتصالات لتعزيز ذلك المشروع وإعادة إحيائه؟‏
جواب: الوقت غير مؤاتٍ الآن لطرح المسألة، والظروف غير مناسبة..‏
سؤال: لكن ظروف النظام القائم، هل هي قادرة على هضم ذلك المشروع؟‏
جواب: ذلك ممكن إذا أدركت الفئات اللبنانية جميعاً أنّ صيانة كرامتها وحقوقها وأوضاعها وحريتها أمر ممكن، من خلال نظام معدل للنظام القائم.. الإنسان يحب النظام كوسيلة للراحة والكرامة، وليس هناك في العالم مَن يعبد النظام ويعتبره مطلقاً لا يمكن التغيير فيه. نريد النظام من أجل الخير، وعندما يتأمن الخير بتعديل النظام فليكن التعديل.‏
سؤال: هل تعتقدون أنّ هناك تعارضاً بين الخير والنظام القائم؟‏
جواب: أعتقد أنّ اعتماد نظام الكفاءات، ووجود المجلس الثاني الذي ذكرته، يقدمان للبنان نظاماً أفضل من النظام الحالي، ولا بد من القول بـ"الخير النسبي" كي نصحح السؤال.‏
حقوقنا مهضومة أيضاً‏
سؤال: ما رأي سماحتكم بالمشاركة في الحكم، وهل تعتقدون بأنّ حقوق الطائفة الشيعية مهضومة في إدارات ومؤسسات الدولة؟ ومَن هو المسؤول عن هضم هذه الحقوق، إذا كانت كذلك؟‏
جواب: بالنسبة لقضية المشاركة أقرّ مجلس لرؤساء الطوائف تشكيل لجنة للإتصال بمختلف الفئات ودرس مطالبها ومحنتها. إننا من الذين فرض الله عليهم - والوطن كذلك - القيام بتعميم العدالة، والوقوف الى جانب المظلوم. لكن مسائل المشاركة دقيقة، وعسى أن نتعاون مع مختلف المسؤولين لمعالجة أساسية لها.‏
على صعيد حقوق الطائفة الشيعية، المعروف أنها أكثر الطوائف في لبنان حرماناً على صعيد الحقوق والوظائف، لكن مَن المسؤول عن ذلك؟ هذا يحتاج الى بحث طويل، وربما كان السبب أنّ النظام الطائفي في لبنان، الذي وُضع لمساعدة جميع الفئات والطوائف، لم يحقق المساواة، فمنذ بدء الإستقلال فكروا في صيانة حقوق الطوائف المتخلفة، لكن الذي حصل آنذاك أنه كان هناك نوع من الحوار بين الزعماء وليس بين أبناء الشعب.. ففي (..) كان الشعب أكثر تقدّماً، وشكّل قوة ضاغطة على الزعماء (..) أمكنة أخرى، تمتع الزعماء بمغانم ومكاسب، وبقي الشعب محروماً.. لم يعطِ النظام الطائفي المفعول المطلوب منه خلال هذه الفترة، لأنّ الحوار كان لا يتعدى الزعامة.. يعني كان الزعماء يتوزعون المغانم على موائد الإجتماعات، وأحياناً على موائد الطعام!‏
الزعيم الشيعي غير موجود!‏
سؤال: في أوساط المثقفين والمتعلمين الشيعة اعتقاد بأنّ هناك فراغاً في الزعامة الشيعية، وهؤلاء يعتقدون بأنّ الطائفة الشيعية بحاجة الى مَن يقودها نحو تحقيق مطالبها في الإدارة وفي الحكم وفي السياسة، فما رأيك في ذلك؟‏
جواب: أنت تسألني عن أوساط المثقفين؟ أتصور أنّ المثقفين لا يؤمنون بالزعامات التقليدية والقيادات الجماهيرية إلاّ من خلال العمل والتفاعل بين القمة والقاعدة، أو ما يسمى بالحركات العقائدية المتجسدة في الأحزاب والصحف والقوى الضاغطة.. لذلك فإنّ فكرة القيادة الشاملة للطائفة الشيعية لا يمكن أن تُطرح بالشكل التالي: أنه يمكن أن يأتي النبي في صورة إنسان، فيجعل من الطائفة الشيعية طائفة محظوظة دفعة واحدة، فهذه فكرة أسطورية، وهي تكريس لفكرة الغيبية.‏
ويتابع سماحته قائلاً: ليس من شك أنّ المسؤول عن حرمان الطائفة الإسلامية الشيعية هم قادة الشيعة في لبنان، سياسياً ودينياً واجتماعياً، كما أنّ لمستوى الوعي الشعبي دوراً كبيراً في هذا الحرمان. الطائفة الشيعية بحاجة الى المزيد من الوعي، والتعلم، والثقافة، وتحمّل المسؤوليات. أما حرمان الطائفة من الحقوق والوظائف في المراكز فهذا من مسؤوليات النواب في مناطقهم ومن مسؤوليات المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على صعيد عام..‏
هذا المجلس، خلال أربع سنوات من تأسيسه، ورغم الضغوط التي مارسها لإيصال الطائفة الى حقوقها لم ينجح أبداً، باستثناء بعض النشاطات التي بذلناها ونجحنا فيها من نشاطات ثقافية واجتماعية وخدمات مختلفة للجنوب، ومن جملتها إنشاء مجلس الجنوب. لقد بذلنا جهداً ونجحنا فيه، ولكن على صعيد الوظائف لم ننجح، مع الأسف، لأنه لم تكن هناك تشكيلات عامة خلال هذه الفترة إلاّ بصورة جزئية.. الحقيقة أني غير راضٍ عن مجهودنا في هذا الحقل، ولكن أملي أن نصل في المستقبل الى حقوقنا.‏
ويضيف قائلاً: إنّ القيادة الإجتماعية التي ترفع مستوى الطائفة بصورة عامة، من خلال حركة ثقافية وتربوية عامة، لا يمكن أن تأتي عن طريق أشخاص وأفراد معيّنين ومحدودين.. لا بد من التحرك والتفهم والوعي، وخلق قوى ضاغطة وتفاعلات إجتماعية واسعة للوصول الى الحق، وإني متفائل جداً في المستقبل، فالطائفة الشيعية خلال العامين الدراسيين 65 - 66 و 66 - 67، تضاعف عدد طلابها بنسبة 30 بالمئة، وهذا دليل على أنّ هذه الطائفة تقفز نحو التقدم والثقافة العامة، لكنها بحاجة الى توسيع المدارس والنوادي والتوعية بصورة عامة، ونرجو من المثقفين، كما تسميهم، والذين سيكونون القادة، أن يتعاونوا ونتعاون كلنا في تحسين أوضاع الطائفة.‏
سؤال: بالنسبة للقسم الذي لم ترضَ عنه سماحة الإمام خلال الأربع سنوات من ولاية المجلس الشيعي الأعلى، هل افتقد المجلس الى مبادرة سياسية من رجال السياسة الشيعيين لمساعدته في جانب من جوانب مشاريعه؟‏
جواب: إنّ سبب عدم نجاح المجلس في الوصول الى الوظائف لم يكن ناتجاً عن تخلّف بعض السياسيين عن تأييد المجلس، بل نتج عن الظروف الإجتماعية الصعبة والإعتبارات العديدة التي تتحكم بالوضع مع كل تحضير لإصدار تشكيلات.. وتذكر أنه خلال الخمس سنوات الماضية لم تصدر تشكيلات عامة، بل تشكيلات جزئية. إننا ندرس الآن ما إذا كانت قضية الوصول الى الحقوق والوظائف تستدعي تشكيل ضغط مثل الذي مارسناه من خلال الإضراب لحماية الجنوب.‏
وأسارع الى القول هنا إنني أعتقد أنّ ظروف البلاد الآن لا تتحمل الضغط الشديد حول هذا الموضوع، خاصة وأني أشعر بوجود تفهم بضرورة إعطاء الطوائف حقوقها كاملة.‏
الإمام بين الأمس واليوم‏
سؤال: بالنسبة للإضراب من أجل حماية الجنوب، هددتم في العام 1970 بالعصيان المدني، فهل مواقف سماحة الإمام في الأزمة الأخيرة ودعوته الى الإعتدال وعدم التطرف هي تغيير نوعي بالنسبة لما حدث في ذلك العالم؟‏
جواب: يوم طلبت الإضراب من المواطنين عام 1970 وهددت بالعنف، كنت أجد إهمالاً بالنسبة للقضية الجنوبية يعرّض الوطن للإحتلال وللإنقسام الداخلي، وربما للإنفجار من الداخل. إنّ استعمال بعض العنف يفيد في بعض المواقف أكثر من الحكمة ومن الإعتدال. أما اليوم، فالظروف مختلفة جداً، خاصة بعد الإنفجار بين السلطات اللبنانية والمقاومة. إنّ الخطر الإسرائيلي اليوم لا ينتج عن النشاطات الفدائية في الجنوب، ولا عن مسألة وجود قوة دفاعية أو عدم وجودها. الخطر الإسرائيلي اليوم ناتج عن التطورات الداخلية، يعني عندما يتطور الوضع الداخلي، فسوف تتذرع "إسرائيل" ببعض الأحداث لتقوم بتصرف أرعن في الجنوب، مثلاً لو افترضنا أنّ الجيش اللبناني انتقل الى بيروت والى الشرق والشمال لمواجهة الحشود التي كانت، وبرز بعض شباب المقاومة على المسرح في الجنوب، في الطرق والمخافر والحواجز، مثلما حصل خلال الأزمة الأخيرة، فهذا كافٍ للإحتلال بالنسبة لـ"إسرائيل".. كما أنّ الإنفجارات الداخلية تجعل لبنان بنظر أصدقائه العالميين، بلداً مهزوزاً، وبالتالي تقلّ قيمة استقرار نظامه لدى مختلف الدول، وهذا يسهل مهمة "إسرائيل" في الإحتلال. لذلك، ورغم إصراري ووقوفي مع أي شخص يطلب العدالة، لا أؤيد ولا أريد خلق موقف صعب وعنيف قد يؤدي الى انفجارات معاكسة تهدد بمخاطر وطنية.‏
لست الرئيس الدائم‏
سؤال: في عصرنا الحالي، لم يعد بالإمكان الفصل بين الدين والسياسة، فبصفتك رجل دين ومارست أدواراً سياسية من خلال منصبك، ألا تعتقد بأنّ منصب رئاسة المجلس الشيعي الأعلى هو السبيل الى ملء الفراغ الذي يشكو منه شباب الشيعة؟‏
جواب: أولاً، منصبي ليس دائماً.. إنّ مدة رئاستي هي ست سنوات، وقد مرّ عليها أربع سنوات. ثانياً، كما ذكرت، أنّ لنا تفسيراً في القضية السياسية. إنّ العمل على أساس المبادئ العامة لا يعتبر سياسة، وأعتبره من صميم مسؤولياتي، ولكن أن نسعى لانتخاب شخص، أو ترئيس أو توزير شخص، فهذا عمل سياسي. إني أعتبر أنّ على المجلس أن يكون للجميع، وليس لفئة دون أخرى، كي يتمكن من أداء دوره العام الشامل.‏
الزعامة السياسية للطائفة لا يمكن أن تتأمن من خلال أطر، كإطار المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وإطار النيابة، وإطار الرئاسة.. إنّ الزعامة في هذا العصر هي زعامة شعبية، وفكرية، فهي لا ترتبط بالتالي بالإطار الذي يبعد الجماهير عن الإنقياد الفكري والإجتماعي للأشخاص، وهذا ما أعانيه شخصياً، لأنّ وجودي في مركز رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يجعلني مسؤولاً عن شؤون إدارية مختلفة، ويفرض عليّ نوعاً من التحرك الرسمي، وهذان الأمران يبعداني عن إمكانية القيادة الفكرية للناس.. وربما قبل استلامي الرئاسة كنت أقدر على القيادة، وما أعانيه يعانيه كذلك كل رجال السياسة والشخصيات، لهذا أتصور أنّ رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أو أي مركز مدني أو سياسي آخر، يمكّن صاحبه من قيادة جماهيرية للطائفة الشيعية، إنما هو يساعد على خلق إطار المساهمة في التحضير لهذه القيادة.‏
16 ساعة عمل يومياً‏
سؤال: بالنسبة لتحديد مدة رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، أعتقد أنّ هناك مشروعاً في مجلس النواب بتحديدها بست سنوات، لكن هذا المشروع لم يصبح بعد قانوناً نافذاً، وربما جمّد.. فلماذا استبقت سماحتك إقرار القانون؟‏
جواب: هناك قانون يعدّل مواد تنظيم المجلس الإسلامي الشيعي، وقد أُعدّ بصورة مستعجلة وفي ظروف صعبة، وداخل مجلس النواب أيضاً، ونتيجة لتيارات مختلفة عدّل القانون.. كانت هناك نواقص كثيرة فيه، فعدّل وأقرّ في لجنة الإدارة والعدل، لكنه لم يطرح بعد إمام مجلس النواب، ونرجو طرحه في المستقبل. إنّ المركز الدائم هو لأعمال التشريفات والمجاملات، ولست مستعداً لأن تكون المجاملة عملي، ولأن أبرز في المواسم. إنّ العمل الجدي لا يمكن أن يكون دائماً، فطاقات الإنسان محدودة، وصحته لا تساعده على التحرك والإستمرار.. يمكن وضع مدة طويلة لرئاسة المجلس الإسلامي الشيعي، وربما ينفّذ هذا في المستقبل.‏
ويضيف سماحته: لكن بالنسبة لمركز الرئاسة، لم أكن بحاجة الى قانون يجدد لي. لقد بذلت مع أصدقائي جهداً كبيراً في تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وفي وضع قانون له. لا أتصور إذا استمر الوضع على الشكل الحالي، أننا بحاجة لقانون لهذا الموضوع. لكن هل يصح بأن أمارس العمل الذي أقوم به باستمرار، إذ أعمل أكثر من 16 ساعة في اليوم، حتى في أيام الجمعة والسبت والأحد وغيرها من الأيام؟ لهذا لا أعتقد أنّ إمكانياتي الصحية والفكرية تساعدني على الدوام في منصب الرئاسة!‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان