المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


لقاءات صحفية

نداء سماحة الإمام السيد موسى الصدر في مؤتمر صحفي

التاريخ: 13/4/1972
الملخص: لقد حاولت تأجيل هذا النداء الموجّه الى ضمائر اللبنانيين الى ما بعد هذه الفترة، والتي تطغى فيها الإنتخابات النيابية ومقدماتها وأصداؤها على كل شيء، وذلك لاعتبارات أهمها:
1- إنّ ظروف هذه الفترة تطبع النشاطات والنداءات بطابعها، وتعطي لها في الخيال اللبناني الواسع التأويلات الإنتخابية.‏
2- إنّ إفساح المجال، من جهة ثانية، أمام الناخب ليمارس كامل صلاحياته ينمّي عنده الإحساس الكامل بالمسؤوليات.‏
3- إنّ واجبي، كرئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يحتّم عليّ الإصرار على الحياد الكامل، وتجنّب كل ما من شأنه أن يفسّر بالتدخل، لمصلحة شخص أو فئة لكي يبقي هذا البيت ملتقى الجميع على اختلاف مسالكهم وآرائهم.‏
ولكن الذي دعاني الى التحدث هو أنّ الشعب اللبناني يقف اليوم أمام فرصة دقيقة لعلها من أدق اللحظات الحاسمة في تاريخ لبنان، فرصة لا يمكن ولا يجوز إهمالها لكثرة القضايا المطروحة والصعوبات التي تتطلب الوعي والتجرد والجرأة.‏
فلبنان الجنوبي، هذا الجزء العزيز الذي قدّم، منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، للبنان وللعالم أشرف الخدمات وأرفع الأمجاد وأغلى المساهمات، يعيش اليوم في مأساة مؤلمة لا توصف، وسكانه يحسّون بآلام وبمشاعر رهيبة ومحزنة.‏
"هرعت فتاة في عيناتا الى أبيها الجليل عندما هاجم البلدة الكوماندوس الإسرائيلي، وقالت له مذعورة: إسمح لي أن أموت مستورة تحت ردائك. إنها حادثة خاصة ولكنها تعطي صورة واضحة عن شعور المواطن اللبناني في الجنوب، ذلك الشعور الذي بدأ يتحول الى اليأس، وباشر المستغلون بتحويله الى أفكار سلبية".‏
المشكلة الإجتماعية العامة، ومشكلات الشباب والطلاب بوجه خاص، تبرز اليوم وكأنها في ذروة التعقيد والخطورة.‏
المناطق المتخلفة والفئات المحرومة بلغت مرحلة نفاذ الصبر، ومن الضروري وضع حل سريع لمشكلاتها.‏
الهجرة اللبنانية الكريمة، هذا الحقل الخيّر الكادح، هذا الجناح العظيم من أجنحة الوطن بدأت تتعرض لصعوبات بالغة تهددها بالإنهيار، وهذه هجرة نيجيريا على أبواب حدوث الكارثة. الأخلاق تسير بسرعة هائلة نحو الإنحطاط والتدهور.‏
وأخيراً، النظام القائم في لبنان أصبح مسألة مطروحة لدى المواطن، بحيث أخذ الكثيرون من اللبنانيين يشكّون في كون هذا النظام هو الأفضل للبنان ولسلامته وازدهاره، هذه المسائل وغيرها تجعل المواطن اللبناني أمام مسؤوليات جسام تحرّم عليه اللامبالاة والمسايرة، وتفرض عليه الإهتمام الواعي واليقظة لكي يشترك في تقرير مصير بلده وصيانته وعزته وتنميته عن طريق انتخاب ممثلين صالحين للمجلس النيابي القادم. إنه اليوم مدعو لأن يتخطى جميع الإعتبارات ولا يكتفي مثلاً بالخدمات الخاصة، أو الثقة الشخصية، فيطالب المرشحين، بإلحاح، أن يعلنوا بصراحة برامج عملهم، والحلول التي يرتأونها لهذه المشكلات وغيرها، يؤكدون التزامهم بتنفيذها، ضمن ميثاق يرسم مواقفهم ونشاطاتهم في المجلس المقبل.‏
ولذا، فإني بكل إخلاص وتواضع أقدّم في هذا اللقاء بعض النماذج عن الحلول التي هيأتها اللجان المختصة في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لبعض هذه المشكلات، وأعلنت عنها خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، وذلك تسهيلاً على المرشحين والناخبين، وتأكيداً لضرورة تبنّيها أو تقديم بديل عنها قبل عملية الإقتراع.‏
مشكلة لبنان الجنوبي‏
إنّ هذه المشكلة المستعصية لها أبعاد محلية وعربية وعالمية تحتاج الى نشاطات متعددة الجوانب، مستمرة، مخلصة، والى إمكانات هائلة تعادل أو تفوق إمكانات العدو الإسرائيلي الذي يطمع في أرضنا دون ريب. وبموجب مواثيق لا يرقى إليها الشك.‏
ومن فضل الله على لبنان أنه يملك طاقات حضارية وبشرية تفوق إمكانات الكثير من البلدان الكبيرة في العالم.‏
وبإمكان اللبنانيين، فيما لو أرادوا أن يستثمروا هذه الإمكانات ويحركوا هذه الطاقات فيجعلوا من بلدهم قلعة منيعة لا يأمل فيها العدو ولا يطمع، ويستعين بها الصديق والشقيق.‏
إنّ هذه الإمكانات الهائلة مجمدة في الوقت الحاضر، وهذا التجميد في منطق الحضارات هو احتكار ظالم، وإهمال قاسٍ، ومصداق للمثل المعروف:‏
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والمـاء فوق ظهورها محمـول‏
فهل يجوز أن نقف مذعورين مضطربين أمام الإعتداءات الإسرائيلية ونحن نملك سلاحاً رادعاً وقوة ترغم العدو على التراجع.‏
فإلى جانب التنفيذ الفوري للخطة الدفاعية الموضوعة، وتحضير المواطن بالتجنيد الإجباري، والتسلح بأحدث الأسلحة، والإستعداد لتأمين المال اللازم لذلك مهما كلفنا من التضحيات، علينا أن نحرّك طاقاتنا المعنوية في العالم فنؤسس مجلساً وطنياً يضم كافة العناصر اللبنانية التي يمكنها تقديم خدمات فعالة لاجتذاب الرأي العام العالمي، عن طريق صداقاتها الشخصية، واحترام الأشخاص والمؤسسات العالمية لها.‏
إنّ كل واحد منا يعرف مدى تأثير المهاجر اللبناني على مهجره، ويعرف لبنانيين تربطهم علاقات أخوية برؤساء الدول العربية ومؤسساتها العامة والخاصة. ولعلكم تعرفون معي فرداً لبنانياً يدخل الولايات المتحدة فتفتح له الأبواب والقلوب والقصور فيستمعون إليه باحترام ويقيمون برعايته الصلاة في كل مكان حتى في القصر الأبيض. وعائلة لبنانية تستقبل وزير خارجية بريطانيا كصديق حميم. ولبنانياً آخر يساهم في مؤسسة كبرى كان رئيس جمهورية بلد كبير محامياً لها. وآخر يدق باب رئيس جمهورية فرنسا ساعة يشاء. وآخر يُستشار في مهام قضايا الشرق الأوسط من قِبل الإتحاد السوفياتي. وآخر يحرّك بورصة لندن بسهولة، فترتفع الأسعار وتهبط حسب رأيه. وآخر كان الوسيط الوحيد بين نيجيريا الإتحادية وبيافرا قبيل الحرب الأهلية. ولبنانيين آخرين يحتلون مراكز حساسة في كثير من الدول. ولبنانيين يمارسون المصالح الخاصة لرؤساء الجمهوريات الأفريقية وكبار شخصياتها وبعض أمراء الخليج ورؤساء بعض الدول الأخرى. ومؤسسات لبنانية لها دور واسع في الإعلام العالمي وفي التجارة العالمية.‏
هذا والجميع يعرف مدى العلاقات الحميمة التي تربط المؤسسات الدينية اللبنانية مع مئات الملايين من المؤمنين في العالم ومقدار عطفهم وتفاعلهم معها واحترامهم لها.‏
إنّ المجلس الوطني الذي يضم هذه العناصر يضع، بإشراف الدولة، برامج شاملة لتغطية العالم كله فيبعث كل عنصر، على نفقته الخاصة، الى القطر المناسب لكي يشرح الموقف بصورة منطقية وعلى ضوء الأرقام والوثائق.‏
يشرح ميزات لبنان الحضارية - وضع لبنان الجنوبي - أطماع "إسرائيل" التوسعية فيه المستندة الى الأدلة والوثائق والخرائط، تأثير الإعتداءات المستمرة على حياة المواطنين - حقيقة المحنة الفلسطينية - مزاعم اليهود وادعاءاتهم في فلسطين - الواقع البشري والديني والتاريخي - قرارات الأمم المتحدة - تشرد الشعب الفلسطيني - إنتظارهم في ظروف حياتية قاسية عشرين عاماً لكي يعاد إليهم حقهم في أرضهم بواسطة الأمم المتحدة أو الدول الكبرى أو الدول العربية، وأنهم حملوا السلاح بعد يأسهم المطلق من الجميع - التأكيد على أنّ المقاومة ليست مجموعة عصابات مخرّبة يستعملهم لبنان لإزعاج "إسرائيل"، بل إنهم أصحاب حق ومظلومون - الأزمة العربية الإسرائيلية وحقيقة المواقف.‏
هذا التحرك الإعلامي الشامل يساهم مساهمة فعالة في صيانة لبنان، ويخدم العرب والقضية الفلسطينية خدمة لا مثيل لها.‏
ويساعد بدوره أيضاً في رفع شأن لبنان، وإبراز معالمه الحضارية ودوره التاريخي في الثقافة العالمية وحفظ السلام.‏
وعلى الصعيد الوطني، علينا أن نؤكد بصورة دائمة وفعالة لأهالي لبنان الجنوبي أنّ الوطن وجميع المواطنين فيه يعيشون محنتهم، وذلك بأن تعطى الأولوية للجنوب في وسائل الإعلام الرسمية والصحف والمجلات، فتنقل دائماً في طلائعها أخباره والتقارير عنه مشاريعه وحاجاته. وأن تهيأ رحلات كثيرة بأعداد كبيرة للمواطنين من المناطق المختلفة كي يتنقلوا في الجنوب وفي المناطق الحدودية خاصة.‏
ومن الضروري جداً في هذه الأجواء المشحونة بالألم والأسى أن نتجنب مظاهر اللهو والترف والحفلات التي تثير المشاعر المصدومة وتبرزنا بمظهر اللامبالي.‏
المسألة الإجتماعية‏
وأما على صعيد المسألة الإجتماعية والمناطق المتخلفة، والهجرة اللبنانية، هذه المسائل الفنية التي تحتاج الى دراسات واسعة، والتي أعتقد أنّ لها حلولاً جاهزة وخططاً مدروسة لدى المسؤولين، ففي هذه المسائل لي موقف ورأي يمكن أن يصاغ بمشروع يرمي الى اعتماد الهجرة اللبنانية حلاً مدروساً لبعض المشكلات الإجتماعية، ولمنع هروب الكفاءات، ولتصحيح أوضاع الهجرة.‏
هذا المشروع يعتبر أنّ الهجرة ضرورة لا مفر منها، حيث أنّ الرقعة اللبنانية أصغر من استيعاب طموح أهلها الطامحين، مهما بذل من جهد وتدابير، ولذلك فالهجرة قديمة قِدم التاريخ اللبناني.‏
فالأفضل وضع دراسة عن الحاجات الوطنية وتحضير معلومات عن الحاجات العالمية للخبرات والطاقات.‏
ثم يصار الى توجيه الطلاب نحو تأمين الحاجات المذكورة، وبعد تغطية الحاجات المحلية تصدر الطاقات والخبرات الى مراكز الحاجات العالمية ضمن اتفاقيات دولية تحدد الرواتب والمدة وتفاصيل أخرى.‏
ومن جهة أخرى، عندما تتوفر للمهاجر ولرجال الأعمال وسائل الإرتباط الحديثة بحيث يصبح بإمكانهم إدارة مصالحهم وأعمالهم من مكاتبهم في لبنان يصبح لبنان مفراً لمكاتب عالمية، ويتمكن المهاجر من تمضية أكثر أوقاته في ربوع وطنه وبين أهله وأولاده.‏
إنّ الهجرة ركن من اقتصاد لبنان ومن حضارته، ولا يجوز أن نتركها تجري بصورة عفوية فتتحول الى مأساة إنسانية. إنّ الهجرة اللبنانية خدمت لبنان خدمات جلّى، وليس من الوفاء إهمالها.‏
موضوع الأخلاق‏
أما موضوع الأخلاق، وهي دعامة الوطن الأولى، وأساس إنسانية المواطن، وضمانة لالتزاماته الوطنية. فقد عرضت رأيي فيها لفخامة الرئيس يوم عيد المولد في هذا المكان، فأغتنم الآن فرصة اللقاء لكي أؤكد على ضرورة إعطائها عناية كبرى قبل فوات الأوان.‏
ولا يبعد أن يكون هذا العصر هو الأساس في معالجة مشكلة الشباب عندما يقترن بتدابير أخرى إجتماعية وتربوية وثقافية.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان