المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

سورة الرحمن

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم{الرحمن. علّم القرآن. خلق الإنسان. علّمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. ألاّ تطغَوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تُخسروا الميزان}الرحمن (1 - 9)
الحلقة الاولى:‏
إنّ هذه الآيات، حتى نهاية السورة المباركة، تعمّق المشاعر البشرية، بالنسبة الى الله الرحمن. وتستعرض نعم الله (سبحانه وتعالى) على عباده في مختلف حقول حياته. تستعرض هذه النعم لا مناً منه علينا، فهو تعالى غني عن عباده. ولكن الهدف تنمية الحب في نفس الإنسان، الذي فطر على احترام من أحسن إليه، وعلى حبه. وهذه صورة أخرى من صور التربية القرآنية، وخلق المعايشة للقلب مع ذكر الله تمهيداً لإيجاد الإيمان في النفس. وقد تحدثنا عن بعض الصور الأخرى في الحلقة السابقة.‏
والملاحظ أنّ القرآن في بداية كل فصل من فصوله، يذكر صفتي الرحمانية والرحيمية لله، وهذا مما يؤكد هذه الغاية. واستعراض نعم الله تعالى في القرآن، ودفع الأذى عن العباد، وقبول توبتهم، والتأكيد على حب الله للإنسان، ونصرته له، كثير وكثير جداً.‏
كذلك نشاهد الآيات التي تحث على حب النبي، وموالاته وإطاعته، وعلى احترام وتقديس الملائكة، وعلى إلفات النظر الى كرامة الموجودات، بصورة مختلفة، وعلى احترام المؤمنين بالله، وغير ذلك من الآيات، مما يؤكد بالنتيجة هذه الناحية العظيمة العاطفية.‏
ولا بد من إضافة ناحية أخرى، وهي الإهتمام القرآني بالدعاء. وخلق الأمل بالإستجابة. وأنّ الله هو للمضطرين، والمنقطعين، والمستضعفين، والمتعبين، وأنه مع الإنسان في أشد حالات اليأس. كالتي تحصل للغريق، أو للعطشان الذي يظن أنّ السراب في الصحراء ماء، حتى إذا ما أتاه ولم يجد شيئاً، وجد الله عنده. أقول: إنّ من نتائج هذه الناحية أيضاً تعميق الحب والأمل، وتنمية العواطف البشرية بالنسبة الى الله.‏
والسبب في هذا الإهتمام القرآني، الذي يجب أن يكون درساً للمربين جميعاً، هو أنّ العاطفة عنصر متمم للتفكر، لأجل إيجاد الإيمان في النفس. وإلاّ فالتفكر وحده، دون الحب، أشبه ما يكون بالفيلسوف العجوز الذي يكتفي بالتفكر، ويتقنه، ولكن لا يتمكن من إنجاز أفكاره أبداً.‏
ونقطة الأساس في هذه التربية، في مرحلتي التفكر والحب، هي وحدة الخط في أقوى وأدق صورة ممكنة. فالإتجاه العام أن يصبح الإيمان متعلقاً بالله، دون أن يكون لأي شيء، أو لأي شخص تأثيره في هذا الإلتزام. فالذات الإنسانية في أساسها، هي لله وإليه تعود. فعلى الإنسان أن يضعها في طريق حبه الكبير، وإيمانه بالله، وأن يحس بأنّ السعادة الكبرى تتطلب منه أن يذيب ذاته في طريق مرضاة الله، وأن يفنيها فيها. وإذا كان القلب هو نبع المشاعر في المصطلح القرآني، فإنّ الله يحول بين المرء وقلبه، فهو أقرب إلينا من قلوبنا.‏
وبعد اتخاذ الذات حجمها الحقيقي، والذات هي الصنم الأكبر، وبعد انسحابها عن مسرح العبادة، وعن القيام بدور الدافع الأول في تحركات الإنسان، بعد ذلك يتصدى القرآن للأرحام، والأولاد، والأموال، فيعتبرهم جميعاً نعماً من الله، وزينة لحياة الإنسان، ولكنها في نفس الوقت، فتنة واختبار لا يمكن أن تتجاوز الحدود، فتصبح الغاية الأصلية من الحركة.‏
ويتصدى أيضاً للحاكم وللمشرّع والولي، فيضع جميع ذلك ضمن إطار الولاء، والإطاعة والحكم لله، دون انحراف، وإلاّ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ويرفض بشدة جميع أنواع الشرك، فيعتبره تمزيقاً للإنسان، وتفريقاً لطاقاته.‏
هذه نبذة عن الأسلوب القرآني، حول السلوك التربوي المتّبع لإيجاد الإيمان بالله في نفس الإنسان، وسنصل لنتائج هذه الطريقة في الحلقات القادمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
الحلقة الثانية:‏
أيها الإخوة المؤمنون، لقد أعدنا تلاوة هذه الآيات لكي ننطلق منها الى نقطة مهمة هي موضوع دراستنا هذه الليلة، نقطة توضحها الآية الكريمة.‏
فالترابط الذي نشاهده بين رفع السماء ووضع الميزان، وبين النهي عن الطغيان في الميزان، ووجوب إقامة الوزن بالقسط، هذا الترابط يلفت النظر ويدعونا للتفكر.‏
إنّ وضع الميزان تعبير واضح عن نظام الكون، والحساب الدقيق المتحكم فيه. والقرآن إذ يؤكد ذلك، يطالب الإنسان الذي يعيش تحت هذه السماء، أن يكون منظماً في حياته، عادلاً في سلوكه، دقيقاً في تصرفاته.‏
هذا الترابط يوسع التفكير، ويجعل الإنسان يقف أمام المبادئ العامة للخلق، المبادئ المذكورة في القرآن، لينتقل منها الى مبادئ عامة لسلوكه في حياته. فإذا لاحظ الإنسان أنّ القرآن يؤكد خلق العالم بالحق والعدل، وأنه حصل في ستة أيام وفي أجل مسمى. إذا لاحظ ذلك، ينتبه الى أنّ هذه هي أسس الخلق. فعليه أن يعيش منسجماً معها، وأن يتحرك بحسبها بالحق والعدل، ومع تخطيط زمني دقيق في كافة مشاريعه وتحركاته.‏
بل يجد الإنسان من هذا المنطلق، مفتاحاً لرؤية عامة جديدة للكون والحياة. رؤية تقوم على أساس إيمانه بالله، وبصفاته، وبوحدته، وعلى أساس معرفته لله ولأفعاله. فالكون فعل خالق حي ومدرك وعالم وعادل. لذلك، فهـو، أي الكون، حي ومنظم بصورة دقيقة، ويحكم في ضمنه العدل، والعلم. وهذا يعني ضرورة الإنسجام والتحرك على هذه الأسس، عندما يريد الإنسان النجاح. وهكذا، تنعكس على الصورة الكونية صفات الخالق. ومن ثم يتعيّن الخط العريض للحركة في الحياة.‏
ومن أهم نقاط هذا الترابط، هي الإلتزام بالقيم في الحياة، وهي لا تنفصل عن الإيمان بالله. بل لا يمكن الإيمان بالقيم المطلقة، دون الإيمان بالله، ينبوع القيم وخالقها وحافظها. ولإيضاح هذا التلازم نقول: عندما نفترض حدوث الخلق بالصدف، أو من قِبل خالق غير كامل، لا يمكن الإعتراف إلاّ بوجود الوقائع المادية الخارجية. ويتحرك الإنسان عند ذلك، بدافع ذاتي محض، ويلتقي في المصالح مع الآخرين، على تفاوت درجات المشاركة في المصالح. ولا يمكن افتراض مُثُل تكون أوسع من الموجودات الخارجية. والحقيقة أنّ تصور قوانين عامة في الكون مع إنكار الخالق له في منتهى الصعوبة، فكيف المُثُل والقيم السامية المطلقة التي لا يمكن قبولها ولا تصورها في مثل هذه الحالة.‏
ومبدأ الإلتزام بالقيم في مقام التطبيق العملي، هو الحجر الأساس لبناء المجتمع المؤمن الذي تعتمد العلاقات القائمة بين الأفراد وبين الأجيال، على أساس العمل الرسالي، الذي هو كمال للفرد وامتداد لوجوده.‏
أما العمل الصادر عن غير المؤمن، فهو محدود وميت، كالبضاعة، دون تفاوت. وهنا يحصل الإنفصام بين أبناء مجتمع واحد. وتتحول الصلات الإجتماعية جميعاً الى شركات لا وحدات. ويحصل الإنفصام بين الأجيال التي لا يرتبط بعضها ببعض، إلاّ من خلال علاقات محدودة ومادية، لا ترتبط بالعاطفة، ولا بالتفكير. وهنا يحصل الإنفصال الكلي، وتحصل الصعوبات التي تلاقي الإنسانية طلائعها في هذه الأوقات.‏
ومجمل القول: إنّ الإيمان بالله ينعكس انعكاساً عميقاً على عمل الإنسان، جملة وتفصيلاً، وليس مجرد إحساس داخلي، غير مؤثر على عمله. وهنا نصل الى بحث عام، حول الغيب وعدم تجريديته في رأي القرآن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان