المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

واقعة حُنين

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حُنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم ترَوها وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثم يتوب الله من بعد ذلك على مَن يشاء والله غفور رحيم}التوبـة (25 - 27)
هذه الآيات تتحدث عن واقعة حُنين. وهذه الواقعة غريبة من نوعها، لأنها جاءت بعد الإنتصارات الساحقة لجيوش المسلمين في مكة، على بقية الفئات والعشائر الكافرة. إنتصر المسلمون عليهم جميعاً وافتتحوا مكة المكرمة، ثم خرجوا لتصحيح أوضاع ما حول مكة، وتحرير العشائر والمستعمرين، والذين كان يتحكم فيهم طغاة، وفئات أخرى من خارج الجزيرة، كالعشائر المقيمة بين مكة وبين اليمن.‏
خرج الرسول (عليه الصلاة والسلام) مع جيشه، وكان كبيراً، خرجوا الى موقع "حُنين". عندما خرج كثير منهم، أعجبتهم كثرة هذا الجيش، وشعروا بأنّ هذا الجيش لا يُقهر. حصل لديهم الغرور، فابتعدوا عن الخط السليم، الذي كان هو المسلك، وهو الغاية في نفس الوقت. فنصرة المسلمين على الكفار، لأجل الوصول الى الأخلاق والعدل والتواضع. أما إذا كانت الحرب تؤدي الى الغرور والطغيان، فليست حرباً شريفة، بل هذه هي الحروب الشيطانية.‏
لذلك في هذه الواقعة، عندما شعر البعض بأنّ الكثرة هي التي تؤدي الى نجاحهم، إنقلبت الأوضاع.‏
فبينما كان الله نصر المسلمين في مواطن كثيرة، كما تؤكد ذلك الآية في بدايتها، في هذه الواقعة، إنكسرت جيوش المسلمين، وبدأوا يهربون. كثرتهم لم تنفعهم. أو على حد تعبير القرآن الكريم: {فلم تُغنِ عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ولّيتم مدبرين}.‏
بعض المنافقين قالوا: إنّ هذا الجيش الهارب سوف لا يقف حتى عندما يصل الى البحر، أي أنه سيهرب خوفاً ويطرح نفسه في البحر. وبدأوا يشمتون. وبرز النفاق المتعمق في قلوبهم، برز على لسانهم وعلى تصرفاتهم.‏
إذاً، إنكسرت جيوش المسلمين في هذه الواقعة، لأنهم ابتعدوا عن الله، وأعجبتهم كثرتهم. وهنا نقف عند نقطة دقيقة، ولكنها تربوية وعميقة في التربية الدينية. المطلوب من الإنسان أن يكون واثقاً من الله، لا أن يكون واثقاً من نفسه. والفرق بين الثقة بالنفس والثقة بالله كبير، وفرق عميق، يجب التتبع ودراسة شؤونه. فعندما يقول: الإنسان يثق بنفسه، أي قوي في سلوكه، معتمد على نفسه، معتقد بأنه سينتصر. وهكذا عندما يثق بالله، ويعتبر أنّ الله معه، فهو واثق من النصر، قادر على التحرك، معنوياته عالية في المقابلة وفي الحرب. ولكن الفرق أنّ الإنسان عندما يكون واثقاً من نفسه يتعرّض للغرور، بينما عندما يكون واثقاً من الله، لا يأتيه الغرور أبداً، وأنه لا يشعر أنّ القوة له.‏
ثانياً: عندما يكون الإنسان واثقاً من نفسه، قد يتعرض لسلوك مسالك سيئة، وللظلم، ولتخطي المباحات، والأمور المشروعة. ولكن عندما يكون الإنسان واثقاً من الله، يعرف أنّ الله لا يؤيده في الظلم، ولا في الطغيان، ولا في السلوك السيئ.‏
إذاً، الثقة بالله هي المطلوبة، وليست الثقة بالنفس، كما يقال في هذه الأيام. والإمام علي بن الحسين، زين العابدين، في دعائه المعروف بـ"مكارم الأخلاق"، يقول: "ولا ترفعني يا إلهي درجة عند الناس، إلاّ حططّتني عند نفسي بمثلها".‏
يعني كلما ارتفع شأناً عند الناس، أشعر بتواضع في داخل نفسي، وفي ذاتي. وهذا لا يعني أنّ الإنسان المعروف، وهو الإنسان الإجتماعي المرموق عندما يشعر بضعف في النفس يفقد معنوياته. بالعكس، عنده شعور بالثقة بالله، وهذه الصفة ستضمنه في سلوكه وفي حياته.‏
ونستمر في قراءة الآيات بعد ذلك: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم ترَوها}.‏
نقف عند هذه الكلمة، بعض الشيء {جنوداً لم ترَوها}، ما هي الجنود التي لا نراها؟ يقال: إنها الملائكة، ويقال أشياء أخرى. نحن لا نعرف التفاصيل. ولكن نعرف أنّ لله جنود السماوات والأرض. فكما أنّ له جنوداً من البشر، له أيضاً جنود من المعنويات، وجنود من الثقة بالنصر، وجنود من الإيمان بالقضية. فهذه الجنود، الإيمان بالقضية، الثقة بالنصر، والظروف المهيأة، والقيادة الصالحة، جنود أيضاً. ولا نحتاج الى أن نتصور أنه كان هناك ملائكة أو غير ذلك. وهذا المعنى وارد في واقعة بدر، عندما دعا الله رسوله (عليه الصلاة والسلام)، في أن يُنعم عليهم بالنصر. فهذه الجنود غير المرئية، التي تحارب أيضاً، ويقال في مصطلحنا المعاصر أنّ أفتك الأسلحة هي "الذعر" عند الخصم. الذعر أيضاً جند لمصلحة الفئة الأخرى.‏
إذاً، هناك جنود مرئية، وهناك جنود غير مرئية. وأنزل الله (سبحانه وتعالى) جنوداً لم ترَوها {وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على مَن يشاء والله غفور رحيم}.‏
وكانت هذه الواقعة إكمالاً للتربية الإسلامية، وانتصاراً وتتويجاً جديداً للنصر. لأنّ النصر ليس دائماً هو النصر على العدو، بل أحياناً هو النصر على النفس. ومعرفة الحجم الحقيقي للإنسان، والأبعاد الحقيقية للإنسان، عند الإنسان، عندما يتجاوز الإنسان حده، بطبيعة الحال، ينقلب الأمر الى ضده.‏
فمن شروط النصر، أن يكون واثقاً ذو معنويات عالية. ولكن عليه أن لا يتجاوز حده، ولا يغترّ، فالغرور آفة، وهو من جنود الشيطان. أعاذنا الله منه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان