المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

محاضرة لسماحة الامام حول مفهوم المعاد

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذّركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد}.آل عمران (30)
الحلقة الاولى:‏
بسم الله الرحمن الرحيم: {وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} (فصّلت: 21).‏
وفي هذه الحلقة، نتمكن من إلقاء الأضواء على المحاسبة الإلهية، وعلى مفهوم المعاد والجنة والنار، في أبعادها العامة، تاركاً البحث في التفاصيل للعلم المختص بها.‏
نتمكن من ذلك، بعد معرفة المعادلة القرآنية حول مساواة الإنسان لسعيه، وبعد التذكر للغاية من الموت والحياة، وغير ذلك مما أشير إليه في الحلقات الثلاث السابقة.‏
أولاً: إنّ العمل عندما يصدر عن الإنسان، يبقى في العالم دون فناء، أو تقلص. يبقى بصورته الأصلية، أو المتطورة. وينعكس على الإنسان، لأنه صادر عنه، وأنه عاش العمل من خلال نيته، ومن خلال سعيه. وهذا هو مفهوم تسجيل العمل على الكتاب الذي يخرجه ربنا إليه منشوراً يوم القيامة، ومعنى شهادة الأيدي والأرجل والجلود. وهذا هو معنى إلزام الطائر في عنق الإنسان، وغير ذلك من التعبيرات، التي نراها في هذه الآيات {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونُخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً} (الإسراء: 13 و 14).‏
وقوله تعالى: {حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلوده بما كانوا يعملون} (فصّلت: 20).‏
وهذا العمل أيضاً ينعكس على العالم، مهما كان العمل صغيراً، فلا يمكن أن يحدث في الكون حادث، إلاّ ويتفاعل وينعكس ويؤثر على مختلف الموجودات. وهذا أيضاً هو مفهوم تسجيل العمل في الكتاب، كتاب الكون الذي ورد في القرآن الكريم.‏
وبقاء الفعل لا يحتاج دركه الى أكثر من دقة في الحقائق الكونية الثابتة التي اكتشفها العلم، ويؤكدها العقل والتجربة. يبقى العمل بعد صدوره، بكمّه وبنوعيته وبآثاره.‏
ثانياً: إنّ هذه المساعي والأعمال الصادرة عن الإنسان، هي بمنزلة ترسيم تدريجي للوحة، هي لوحة وجود الإنسان وحياته. فكل موقف منه هو بمنزلة ريشة تتحرك لترسم صورة. واللوحة في الحقيقة، هي مجموعة الريشات المستعملة، أو قل إنّ الذات الإنسانية، عدّاد يعدّ الحركات، ويحفظها، ويجسدها، ويصونها خلال الزمن.‏
ثالثاً: والجزاء، هو معايشة الإنسان في الآخرة، لأعماله التي صدرت عنه في الحياة الدنيا، وآثار هذه الأعمال. ومن الطبيعي أنّ صورة العمل في العالم الآخر، تختلف عن صورته هنا، ولكنهما عن حقيقة واحدة يعبّران، وعن هذه الحقيقة يكشفان، كالماء عندما يتجمد، أو يتبخر.‏
فالإنسان في الآخرة يجد ما عمل من خير أو شر محضراً. يعرفهما، ويميزهما بدقة، ويدرك مسؤوليته عنهما. وبالتعبير القرآني {كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}.‏
والحقيقة، أنّ العذاب والثواب هناك، هما خلاصة الأعمال والتصرفات الصادرة عن الإنسان، لا أنهما جزاء يختلف في النوعية والحقيقة، عن الأعمال. يحصل في عالمنا مثلها، مثلاً: السجن أو الغرامة للسارق، أو لكل مَن خالف قوانين السير. فالسجن والمال حقيقتان تختلفان عن السرقة أو السير المخالف للقانون. بل العذاب، هو صورة علوية، ملكوتية، للأعمال الصادرة عن الإنسان. ولعلنا نتمكن أن ندرك بدقة صورة كريهة للعمل السيئ الذي يصدر عن شخص في غطاء جميل. فلنفكر في اغتصاب حق أو إيذاء بريء، أو كبرياء على الناس، على المستويات العالية، ثم ندرك صورها الواقعية، وبشاعة تلك الصورة، بشيء من الدقة. وهكذا، نرى جانب الثواب، وترابطه مع العمل الصالح في حياتنا هذه.‏
رابعاً: ومعنى ذلك أنّ جزاء كل عمل حاصل مع العمل مباشرة ودون تأخير، وفي حال حصوله، ولكن حصوله في العالم، والغطاء الجميل الذي يغطيه، وظروف هذا العالم، ودوافع العمل، والمنافع الحاصلة منه، والغفلة، وغير ذلك، تمنع عن رؤية حقيقة العمل، وبالتالي عن الجزاء. وحسب التعبير القرآني: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} (ق: 22).‏
فلندرك أنّ التحرك له من الأبعاد الخالدة، والصور الباقية المتتابعة، ما يجعلنا نفكر في المسؤولية الإلهية، وفي تأثير العمل على أنفسنا، أو على العالم. نفكر في ذلك كله طويلاً، قبل الإقدام على العمل.‏
وأخيراً، نختم هذه الأمور بمثال، ولنتصور الفاكهة التي نضجت وهي كاملة، أو معيوبة. لكي نتأكد أنّ سلامة هذه الفاكهة، أو عيبها، ليست وليدة يوم الحصاد. بل هي نتيجة سعي المزارع ساعة السقي، أو عدمه، وساعة مكافحة الأمراض وخدمة الشجر، أو تركهما. فالعيب أثر مباشر لكسل المزارع، ساعة السقي، أو وقت الكفاح للأمراض وغير ذلك. وليست وليدة الساعة الأخيرة. وهكذا الجزاء، ليس نتيجة العمل والوضع يوم المعاد، بل هو أثر فعلنا في هذه الدنيا. فنحن هنا، إذ نتصرف نعيش فعلنا، ونعيش جزاء فعلنا، ولكننا في غفلة عن رؤية الجزاء دون العمل. وسنرى ذلك يوم القيامة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
الحلقة الثانية:‏
بسم الله الرحمن الرحيم‏
{يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً. ومَن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نُصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً}.النساء (29 - 30)‏
الملاحظ في هذه الآية أنّ القرآن الكريم بصدد تأسيس مبدأ عامل وشامل في الإقتصاد عندما ينهي عن أكل الأموال بغير التجارة الناتجة عن التراضي، ومبدأ التجارة المطلقة الخاضعة للتراضي من الطرفين، لا خاضعة من طرف واحد.‏
مبدأ عام لا يخضع إلا للقيود الواردة في القرآن الكريم وفي أماكن أخرى من جهل أو ظلم أو غش أو غير ذلك من الأمور، ما عدا هذه القيود فإنه مبدأ عام يسمى في الحقوق بأصالة حاكمية الإرادة، فالإنسان حر في أن يتعامل على ضوء المصالح من خلال شكل يختاره، أو أي حد يختاره، شرط أن لا يكون استغلال أو استثمار أو إكراه أو ضغط من طرف على طرف آخر.‏
هذا المبدأ واضح في الآية الكريمة، ولكن في هذه الآية ملاحظتان إجتماعيتان كبريان: الأولى، التعبير الجميل: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}. فقد يسند القرآن الكريم الأموال الموجودة بين أيدي الناس الى الناس، فكأن ما لكل فرد هو للجميع رغم أنّ القرآن الكريم يؤكد على الملكية الشخصية، ولكن مع ذلك كون المال بيد الإنسان من منطق القرآن أمانة، ورغم عدم جواز تصرّف شخص آخر في هذا المال فهو مال للجميع.‏
فبهذه السورة يحاول القرآن الكريم أن يؤكد أنّ هذا المجال رغم ملكيته لفرد، فهو كالمال الثابت للجماعة، فإذا احترم إحترم مال الجماعة، وإذا لم يحترم وأكل بالباطل فقد خسرت الجماعة هذا المال.‏
وهذا الأسلوب القرآني وارد في أماكن مختلفة من القرآن الكريم، بالنسبة للأولاد والأموال وبالنسبة الى المصالح الإجتماعية وغير ذلك.‏
عندما يجعل أموال الناس، وكفاءة الناس، وخصائص الناس، وحاجات الناس للجماعة فلا يفرّق القرآن الكريم بين الفرد والجماعة. والمبدأ الأبرز من هذا المبدأ ذيل الآية عندما يقول، بعد أن يتمم المبدأ العام: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم}. يضيف القرآن الكريم هذه الجملة: {ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً}. من الظاهر {لا تقتلوا أنفسكم} يعني لا تنتحروا أو إذا قلنا أنفسكم مثل مبدأ أموالكم هي نفس كل إنسان فلا تقتلوا أنفسكم، يعني لا تقتلوا بعضكم بعضاً إنّ الله كان بكم رحيماً. هذا المعنى الظاهر، ولكن وجود هذه الفقرة مباشرة وضمن آية واحدة، بعد كلمة {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، تلقي هذه الكلمة أضواء جديدة على مفهوم المبدأ الأول، ولعل الواضح من هذه المقارنة أنّ القرآن الكريم يريد أن يقول إنكم أيها المؤمنون إذا أكلتم أموالكم بينكم بالباطل وما جعلتم مبادلتكم بالتراضي فسوف تتعرضون للمقاتلة الداخلية.‏
الأخطار التي تتعرض المجتمعات لها من جراء عدم احترام أموال الناس وأكل الأموال بالباطل والرغبة في استثمار القوي للضعيف، وفي اغتصاب القوي من الضعيف، هذا الوضع يعرّض المجتمع للخطر أو للإنتحار الداخلي، وللمقاتلة بين أبناء المجتمع بعضهم مع بعض. وهذا الأسلوب القرآني وارد في آيات الصدقات، مثلاً عندما يقول القرآن الكريم في الآية: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم الى التهلكة} (البقرة: 195)، عدم الإنفاق يعرّض المجتمع للهلاك، وهذا الشيء الذي نشاهده في المجتمعات التي ليس فيها العدالة، تتعرّض هذه المجتمعات للإنقسامات وللثورات وللإنفجارات الداخلية، وتتعرّض بالتالي للتهلكة كما يسمّيه القرآن الكريم.‏
هذا أيضاً عندما يكون المجتمع متنكراً للنظام الصحيح الصادر عن التراضي، والقائم على العدل بين أبنائه في مبادلة الأموال، يتعرّض هذا المجتمع بدون شك للمقاتلة الداخلية، أو على حد تعبير القرآن الكريم قتل النفس الذي يحصل نتيجة لهذه الأوضاع والمخالفات.‏
ومن الطبيعي أن يكون في نهاية الآية: {إنّ الله كان بكم رحيماً}. وهنا يوضح في هذه النقطة ما ورد في الآية الأخرى {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً} مَن يفعل ذلك يعني يقتل نفسه، أو يعني أكل أمواله بينهم بالباطل، {ومَن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً} في الدنيا ونصليه ناراً في الآخرة، كنتيجة طبيعية للإنحراف الحاصل من الأعمال، وكان ذلك على الله يسيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
الحلقة الثالثة:‏
بسم الله الرحمن الرحيم‏
{لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ مَن ظُلم وكان الله سميعاً عليماً}.النساء ( 148)‏
أيضاً، مثل كل ليلة، هذه الآيات تحتوي على مجموعة مبادئ وأبحاث وتعاليم. وندواتنا المتواضعة، لا تحتمل كل هذه الأبحاث. ونتشرف بأن نفكر، ونقف متأملين بعض الشيء أمام الآية الأولى من هذه الجولة، وهي الآية التي تلاها الأستاذ شريف الأخوي، حفظه الله، في هذا الوقت المبارك: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول}.‏
السوء من القول، يعني القول السيئ. عندما يجهر به الإنسان، لا يحب الله هذا الجهر. وهذا يعني، الغِيبة، لأنّ الغِيبة هي جهر بالقول السيئ. عندما يذكر الإنسان أخاه الإنسان، بالقول السيئ فقد جهر بالسوء من القول. وهذا موقف لا يحبه الله. وسبب عدم حب الله له لأنّ هذا الموقف هو يضر الإنسان أقصى ضرر ممكن. والسبب في ذلك، أنّ الغِيبة، أو ما عبّر عنه القرآن الكريم في هذه الآية: {الجهر بالسوء من القول} عبارة عن ذكر الإنسان أخاه بما يكرهه أو يغضبه أو يشينه.‏
وهذا يعني، أنّ الإنسان بكلمته يكشف عيوب الناس، ويفضح الغائبين، ويزعزع ثقة الناس فيهم. وإذا تعمّقنا في هذا الموقف، وأخذنا بعين الإعتبار أنّ الإنسان يعيش بين مجتمعه ويخدم مجتمعه، ويستفيد مجتمعه من كفاءاته، بثقتهم، بثقة الناس في الإنسان. فعندما نراجع الطبيب لمعالجة مريض، ثقتنا في الطبيب تدعونا الى مراجعته، أما إذا لم نكن واثقين من سلوك طبيب فإننا لا نرجع إليه أبداً. كذلك مراجعتنا للمعلّم، أو للمهندس، أو للبائع، أو للعالم الديني، أو للحاكم، يعتمد كل ذلك على ثقتنا به.‏
فالثقة بالشخص، وجوده، حياته، فائدته للمجتمع، مشاركته في الحياة العامة. أما إذا انتزعت الثقة، فمعنى ذلك أنه مات، على الصعيد الإجتماعي. فقد المجتمع هذا الشخص.‏
{ولا يغتب بعضكم بعضاً} (الحجرات: 49) يضيف القرآن الكريم مفلسفاً هذا النهي بقوله: {أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} (الحجرات: 12).‏
والحقيقة، أنّ الغِيبة، تماماً، منزلتها منزلة مَن يقص لحماً من أخيه الميت، أو أخيه الغائب. عند ذلك بإمكاننا أن نشبّه أنّ الإنسان الذي يعيش ضمن مجتمعه بثقة المجتمع فيه. فالثقة، وجوده، وكل غيبة له، وذكره بالسوء من القول طعن، وطعنة في حياته الإجتماعية. أو قص قطعة من جسمه، وقطعة من لحمه. وهذا يعني أنّ الغيبة تؤدي الى إماتة الإنسان إجتماعياً. والى فقد ثقة الناس، وزعزعة حياة الناس والقضاء على الثروات الإجتماعية المتوفرة داخل المجتمع.‏
ومن الطبيعي أنّ الذي يغتاب غائباً، ويساهم في موته الإجتماعي يضرّ نفسه. لذلك، عبّر القرآن الكريم: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه} فكأنه يقتل أخاه. وكذلك في الروايات الواردة في المعراج أنّ الرسول (عليه الصلاة والسلام) رأى ليلة المعراج أنّ قوماً يقصّون لحومهم بالمقاريض فيأكلونها، فسأل عن ذلك، فقالوا له: هؤلاء هم المغتابون. نفس الصورة التي نراها في هذه الآية، أنّ الإنسان بالغيبة يأكل لحمه، أو لحم أخيه.‏
الغيبة هذه من المصائب الإجتماعية التي يُبتلى بها المجتمع المتخلّف، الذي يعيش الفراغ. فلا يجد ما يشتغل فيه وما يسلبه، إلاّ التحدث عن الغائبين، ويؤنس حياته الخاصة والعامة، بذكر الآخرين، وهو لا يدري أنه يحطّم مجتمعه.‏
حرمة الغيبة لا تعني عدم جواز غيبة الظالمين وانتقاد الظالمين، ولذلك القرآن الكريم يستثني قائلاً: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ مَن ظُلم}.‏
فالغيبة محرّمة، ولكن حرمة الظلم أكثر. حتى أنّ الغيبة تجوز بالنسبة الى الظالمين. وإلاّ فالظالم إذا بقي محفوظ الجانب، لا يُنتقد، ولا يقال عنه شيء، ولا يعاب في المجتمعات سراً وعلانية، فسوف يستمر في طغيانه وظلمه. وسوف يبقى ظالماً، ويتعرّض المجتمع لتعميم ظلمه. ولذلك، فغيبة الظالم كنبذ الظالم، جائزة. والله (سبحانه وتعالى) هو الرقيب على ذلك.‏
والقرآن الكريم يضيف: {وكان الله سميعاً بصيراً}، ولا بد من الإضافة الى أنّ الغيبة أخف من التهمة. فالغيبة هي ذكر عيب موجود في الإنسان الغائب، أما التهمة فهي ذكر عيب غير موجود في الإنسان الغائب. بدون شك، أنّ التهمة تركيب من الغيبة ومن الكذب، فلها ما للعيبين معاً من النتائج والمساوئ.‏
وشهر رمضان، الذي يجعل الإنسان يمنع نفسه عن الرغبات، يسهّل للإنسان أن يمتنع عن الغيبة. وقد ورد في الأحاديث: "رب صائم ليس له من صومه إلاّ الجوع والعطش". الذي يصوم ويغتاب، هذا يتعذب بالعطش والجوع: ولكن صيامه لا يوصله الى التقوى المطلوبة من الصيام.‏
نسأل الله أن يعصمنا من هذا العيب الكبير، الذي ينبع عن مرض في النفس، وعن سوء في الخُلُق، وعن عجز وضعف في القلب، وعن حقد سافر ودفين في الذات.‏
نسأل الله أن يصوننا عن ذلك، رغم أنّ هذا المرض منتشر جداً في مجتمعاتنا، ونسميه أسماء مختلفة، من نقد، ونكتة ومزاح، وسهرة، وأنس. ولكن نحطّم أنفسنا بأنفسنا، ونخرب بيوتنا بأيدينا. وبتعبير القرآن الكريم نأكل لحوم إخواننا وهم غائبون. نسأل الله أن يصوننا من ذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
الحلقة الرابعة:‏
بسم الله الرحمن الرحيم‏
{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله مَن اتّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم}.المائـدة (15 - 16)‏
إنّ مطالعة الآيات القرآنية تضع أمام الإنسان صورة الرسالة الإلهية، التي حملها الأنبياء، وفي أوصاف تتكرر مع كل نبي ومع كل رسالة. وهي صفات: الهداية، والنور، والوضوح، والكتاب، والحكمة، والتزكية. وعندما نقارن هذه الرسالة الموجهة الى الإنسان مع تصوير الخلق، ومراحلها في الآيات الأخرى نقترب من إدراك الهدف من الرسالة، ومن إرسال الرسل.‏
{بسم الله الرحمن الرحيم. سبح اسم ربك الأعلى. الذي خلق فسوّى. والذي قدّر فهدى} (الأعلى: 1-3).‏
نتلو الآيات، ونرى أنّ الخلق هو بداية لمراحل التسوية، والتقدير، والهداية، وأنّ الوجود كله يتحرك في اتجاه واعٍ، يبدأ بالتكوين والتنوع ثم يوضع لكل شيء حد وقدر. ويكتمل بتحمل كل شيء دوره واهتدائه الى مسؤوليته. وهذا الإهتداء في الموجودات كلها، هو الذي ينفي العبث واللهو، والتفاهة في الخلق.‏
وينفي القرآن الكريم عن الخلق، في أماكن أخرى، اللهو واللعب نفياً قاطعاً. وقيام الموجودات بدورها الكوني في المصطلح القرآني، يسمى بـ"السجود"، و"الصلاة"، في آيات كثيرة. نتلو منها هذه الآيات: {ألم ترَ أنّ الله يسجد له منَ في السماوات ومَن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} (الحج: 18).‏
وهذه الآية: {سبّح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} (الحديد: 1).‏
وهذه الآية: {ألم ترَ أنّ الله يسبّح له مَن في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (النور: 41).‏
إنّ هذه الصورة الواقعية الرائعة، التي يرسمها القرآن الكريم عن الخلق، وكأن الكون كله حياة، وحركة، وتناسق، وتناغم في الأدوار، ووحدة في الجوهر وفي الهدف. إنّ هذه الصورة، تقارنها صورة مقترحة على الإنسان، عندما يطبّقها يصبح منسجماً مع الكون، ناجحاً، ويخرج عن الغربة، وعن الفشل في حياته، وعن هذه الصورة يعبّر القرآن الكريم بالهداية وبالنور. كما تتضمن الصورة، الصلاة، والتسبيح، والسجود.‏
فلقد هدى الله الإنسان، بواسطة الأنبياء والكتب الى مسؤولياته، والى سبل كماله وسعادته في حياته، وحدّد الهدف في الآية التي تلوناها الى مراحل ثلاث:‏
1- الإهتداء الى سبل السلام.‏
2- الخروج من الظلمات الى النور.‏
3- والهداية الى الصراط المستقيم.‏
فالسلام، وهو ضد الحرب والتصادم بين الإنسان وبين نفسه، وبينه وبين الإنسان، أي الناس وبينه وبين الموجودات.‏
السلام هذا، يحصل عندما يمارس الإنسان دوره الطبيعي، المتناسب والمنسّق مع الأدوار الكونية الأخرى. حيث أنّ كل دور يكمل الأدوار الأخرى، ويكتمل بها. وهذا التكامل المتبادل، حقيقة السلام المطلوب، وسبله، هي التعليمات الإلهية التي تقدَّم للإنسان بواسطة الأنبياء. والسلام هذا، في نفس الإنسان وفي المجتمع وفي الوجود، قاعدة للمرحلة الثانية من هدف الرسالة، وهي الخروج من الظلمات الى النور.‏
من الظلمات بمختلف أنواعها: من الجهل، والمرض، والتأخر، والظلم والفقر، الى النور: بجميع إشعاعاته، من علم، وصحة، وتقدّم، وعدل وكفاية. إنّ السلام أساس لكل عمل إصلاحي، ولكل فكر سليم. فالنفس الحاقدة، لا تقبل التقدم والكمال. والمجتمع المتناقض المتفسخ من الداخل، لا يصلح لتنمية بذور التقدّم.‏
وأخيراً، نصل الى المرحلة الثالثة من الهدف، وهي الوصول الى الصراط المستقيم.‏
وإذا لاحظنا أنّ التعاليم الدينية، تؤكد في كلمة {إنّ ربي على صراط مستقيم}، وندرك أبعاد هذا الصراط، الذي هو أقرب وأدق طرق الكمال، وأكثر انسجاماً مع الوجود كل الوجود. ففي هذا الصراط تتجند طاقات الفرد والجماعة دون أن تهدر، من الفرد، أو من الجماعة، أية طاقة.‏
فنسأل الله أن يهدينا الى الصراط المستقيم {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
الحلقة الخامسة:‏
بسم الله الرحمن الرحيم‏
{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله مَن اتّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم}المائـدة (15 - 16)‏
إنّ كلمة النور في هذه الآية، يجب الوقوف عندها، والسؤال عن سبب تكرارها في معرض التعبير عن الكتب السماوية جميعها، وعن دعوة الأنبياء جميعهم.‏
فقد ورد في الإنجيل وفي التوراة وفي القرآن، وفي جميع كتب السماء، كلمة النور، والهدى، والكتاب. وإذا لاحظنا مفهوم النور، أي الوضوح والصفاء، نصل الى مسألة هي من صميم ضرورة دعوة الأنبياء، والإيديولوجية الغيبية.‏
الحقيقة، أنّ استعراض الآيات التي قرأناها في الحلقة السابقة، واكتشاف أنّ المطلوب من الإنسان أن يكون منسجماً مع الكون كله، وأنه يؤدي دوره الكوني، إنّ استعراض الآيات هذه، يجعلنا نتأكد من وجود روابط واقعية بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين بني نوعه، وبينه وبين الموجودات.‏
وهذه الروابط قديمة قِدم الإنسان، مخلوقة مع خلقه. ومن أنّ الدين هو إبراز هذه الروابط، والتعاليم التي تنظّمها وتنمّيها. ولذلك، رأينا في سورة الرحمن، وفي معرض النعم الإلهية، أنّ كلمة {علّم القرآن} متقدمة على كلمة {خلق الإنسان}، تأكيداً على أنّ الوظائف والعلاقات التي وردت في القرآن، والتي يبرزها ويكشف عنها القرآن، هي حقيقة كونية، أزلية، وليست أموراً وضعية مدروسة، موضوعة بواسطة الإنسان.‏
ومن جهة أخرى، إذا أراد الإنسان أن يضع قوانين كاملة لتنظيم علاقاته بالموجودات لا بد له أن يعتمد القوانين السماوية، لأنّ أي قانون وضعي يتأثر بالثقافة المحدودة، والعواطف الخاصة، والمصالح الشخصية المختصة بواضعه، مهما حاول التجرد. وهذه الأوصاف تجعله غير صالح للتطبيع الكامل، والتنظيم الكامل. وبعبارة أخرى هذه الأوصاف تجعل في المبدأ القانوني، شوائب من الظلام. أما المبدأ، الذي هو النور، والصفاء، والوضوح دون شائبة، من ثقافة محدودة أو مصلحة خاصة، أو عاطفة شخصية، فهو المبدأ الذي يأتي من السماء، ولا يتأثر بهذه العوامل. ناهيك عن مشكلة عدم الإطلاق، والنسبية، التي أشرنا إليها في الحلقات السابقة.‏
والآن نلخص ما أشرنا إليه في هاتين الحلقتين. وفيما يؤكد عليه القرآن الكريم في مباحث النبوة، تمهيداً للبحث عن التفاصيل:‏
أولاً: إنّ رسالة الأنبياء جميعاً واحدة.‏
ثانياً: إنّ لكل موجود، وظيفة كونية، حتى أنّ لجسم الإنسان، لقلبه، لأعصابه، لمعدته، لعينه، لسمعه، وظيفة كونية ثابتة.‏
والمطلوب من الإنسان، إنسان الإرادة، إنسان التفكر، الإنسان المخيّر، وبين الموجودات. ووضع الإنسان في القافلة الكونية، التي تبدأ من الأزل، وتستمر حتى الأبد. لذلك، فعليه أن ينظّم علاقاته مع الموجودات، ويبدأ بالخروج من الظلمات الى النور، فيدخل في الصراط المستقيم.‏
رابعاً: إنّ الرسالة الإلهية، هي الإيديولوجية الوحيدة، التي لا تشوبها شائبة الأرض، والنقص. بل كلها كمال، ونور، وكتاب.‏
خامساً: وبملاحظة ما ورد في حلقة الغيب والشهود، نضيف أنّ الطريق أمام الإنسان، لا نهاية له، فطموحه كبير، والطموح الكبير يستدعي التحرك الدائم والتقدم الدائم.‏
هذا هو المبدأ العام في مبحث الرسالة والنبوة، أو ما تسميه الكتب السماوية السابقة "ملكوت السماء". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان