المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

الانفاق في سبيل الله بالعلم والخبرة

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، {إن تُبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تُخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير. ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي مَن يشاء وما تُنفقوا من خير فلأنفسكم وما تُنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله وما تُنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تُظلمون. للفقراء الذين أُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تُنفقوا من خير فإنّ الله به عليم. الذين يُنفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
طالما أننا كنا في الحديث عن الإنفاق بالنفس وعن الإنفاق بالمال، علينا أن نعود فنتذكر أنّ من أنواع الإنفاق هو الإنفاق بالعلم أو التجربة أو الخبرة، فهذا الإنفاق له أثره الإجتماعي الكبير، كما أنّ المطلوب من الإنسان المؤمن بالله أن لا يكون أنانياً يريد الشيء لنفسه، فالشيء الذي له في الحقيقة أمانة بيده من الله، فعندما ولدنا لم نكن نملك شيئاً فقدّم لنا ربنا كل هذه النعم، وقد استفدنا هذه النعم الإلهية من الظروف الإجتماعية المختلفة من وراثة وتجربة للآخرين، ووجود للمشترين والأمن والخبرة والأوضاع العامة. فقد شارك في ثروتنا وفي خبرتنا وفي علمنا وثقافتنا، المجتمع بجميع أبنائه، والماضي بجميع الذين حاولوا وعملوا وقدّموا تجارب للآخرين، كما أنّ المستقبل شارك في الإمكانات لطموحنا إليه، ولمخططاتنا لتأمين حياة أولادنا والأجيال القادمة، وهكذا نجد أنّ كل ما نملكه من مال أو جاه فهو ناتج عن الجهد الجماعي الحاضر والماضي والمستقبل. وما نملكه من الخبرة والثقافة والعلم، فقد تعلمناه من خلال الكتب والأساتذة والمدارس التي أمّنها لنا الآخرون الماضون والآباء، وهكذا نجد أنفسنا أننا مدينون بعمل الآخرين، فإذا أردنا أن نحتكر ما نملك لأنفسنا، فقد احتكرنا ما ليس من حقنا، فعلينا أن ننفق من علمنا ومن خبرتنا ومن خدماتنا. كما أنّ الواجب علينا أن ننفق من أموالنا، وبعبارة أخرى يريد القرآن الكريم أن يجعل الإنسان مؤمّماً يعتبر نفسه مُلكاً للأمة، كما يعبّر عنه القرآن في هذه الآية {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} (الحديد: 7) فما نملكه استخلاف من الله، علينا أن ننفقه. ومن جانب آخر، فإنّ تقديم النفس والمال والجاه خير لنا وسعادة لدنيانا ولأخرانا، كما ظهر من خلال الحلقتين السابقتين، وهذا المفهوم يظهر بشكل بارز في واجبات الإنسان الصائم بعد أن يفطر فمن أوجب الواجبات زكاة الفطرة، وقد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ زكاة الفطرة تصون حياة الإنسان. وهذا من الطبيعي، كما برز من خلال الحلقتين السابقتين، أنّ الإنفاق سلامة للنفس، وسلامة للمجتمع، وأنّ ترك الإنفاق يؤدي الى ظلم إجتماعي، ويؤدي الى إلقاء النفس في التهلكة، وبذلك عندما يريد الإسلام أن يجعل سعادة الإنسان مكتملة يوم العيد يفرض عليه أن يقدّم الصدقة، زكاة الفطرة، بمقدار كل فرد من أفراد عائلته للفقراء، حتى يُشرك الآخرين في فرحة العيد، وحتى يتمّم تجارب رمضان من التحسس بآلام الآخرين، وحتى يؤمّن حياة المجتمع من قِبل الإحسان والصدقات.‏
وهنا نصل الى هذه النقطة لكي نتأكد أنّ الإنسان في هذا العيد بالذات، عندما يرى كثيراً من أبناء هذه الأمة واقفين في صفوف القتال، يُنفقون أنفسهم وأموالهم وحياتهم وشبابهم وأطرافهم للموت في سبيل الدفاع عن الأمة. فالصدقة الحقيقية هي التي تجعل هذه الأموال في خدمتهم، فعلى المسلمين في هذا العيد قدر المستطاع، وبمقدار ما يتمكنوا، أن يساهموا بأموالهم وبطاقاتهم، وبالمعدات والأمتعة والأغذية والأدوية وجميع خدماتهم واختصاصاتهم أن يؤمّنوا للمقاتلين، فهم الذين بإنفاقهم للنفس يحفظون لأمتهم، ولنا بصورة خاصة، الخروج من التهلكة، أما إذا تخلّفنا عنهم - لا سمح الله - فهذا معناه إبقاء الأمة في حالة الذل، وفي حالة سيطرة الظالمين، وفي حالة عدم تملّكها لتقرير مصيرها.‏
فيا أيها الإخوة المؤمنون، إجعلوا العيد خالداً لأمتكم عن طريق دعم المقاتلين، واجعلوا عائلات المقاتلين في أعياد كما أنتم في مثل تلك الأعياد، واجعلوا العيد عيداً إنسانياً لتحرير الإنسان العربي والإنسان المسلم من جراء الظلم والطغيان والتخلّف وعدم التحسس بآلام الآخرين.‏
هكذا يكون العيد قد حلّ علينا بصورة كاملة ومفرحة، وعند ذلك نفرح ونحمد الله على ذلك.‏
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان