المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

الانفاق في سبيل الله

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإنّ الله يعلمه وما للظالمين من أنصار. إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير. ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي مَن يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلاّ ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون}.
لقد كنا في الليلة الماضية في الحديث عن الإنفاق بالنفس في سبيل الله، وإنّ هذا الإنفاق يبعد عن الإنسان خطر التهلكة، والآن نعود الى الإنفاق بغير النفس، من الإنفاق بالمال أو الجاه أو التجربة أو الصحة أو كل ما يملكه الإنسان، كما تؤكد ذلك الآية الكريمة في أول القرآن {ومما رزقناهم ينفقون} (البقرة: 3).‏
قلنا إنّ الإنفاق في سبيل الله يبعد عن الإنسان خطر الإلقاء في التهلكة، وهذا الترابط في الإنفاق بالنفس اتضح في الحلقة السابقة، والحقيقة إنّ الترابط بين الأمرين ثابت في غير الإنفاق بالنفس أيضاً، لأننا إذا أنفقنا في سبيل الله من المال أو من كل ما نملك فقد أبعدنا عن نفسنا وعن مجتمعنا خطر التهلكة، والتهلكة في هذا الفهم هي التهلكة الإجتماعية، والعقد التي تحصل في المجتمعات، فالمجتمعات تنعقد وتتناقض وتنفجر، وتحصل الثورات والصعوبات ، وتتعقد الأنفس نتيجة للظلم الإجتماعي، ونتيجة للتفاوت الطبقي، ونتيجة لاحتكار بعض من أبناء المجتمع خيرات المجتمع جميعها، أو احتكارهم واغتصابهم لحقوق الآخرين، عندما يحصل في المجتمع انفجار فالإنفجار يعود الى مشاعر القلق والعقدة التي تنمو في نفوس الطبقات الكادحة، والطبقات الكادحة إنما تُحرم نتيجة الوضع الإجتماعي المسيطر على المجتمع، فإذا شعرت الطبقات المرفهة بوجود هذا الفرق وبضرورة المساعدة والإنفاق والإحسان فبعمله يرفع مستوى الطبقات الكادحة أولاً، وبذلك يمكّن تلك الطبقات من المشاركة في الحياة الإجتماعية، وبالتالي من رفع مستوى الحياة الإجتماعية التي يتمتع بها المحسِن والمحسَن إليه على حد سواء، وهذا مفهوم قوله تعالى في الآيات التي قرأناها في هذه الليلة المباركة.‏
{وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} وقوله تعالى: {وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم}، فمعنى الكلمتين أنّ المحسن إذا أحسن الى الطبقات الكادحة عن طريق الإنفاق الفردي، أو الإنفاق الجماعي أو وضع نظام يؤمن الحياة السعيدة للطبقات الكادحة، بذلك يشركهم في تحمل المسؤولية وفي رفع مستوى الحياة الإجتماعية، فيتمتع الجميع بهذا المستوى، ويكون خيراً للمحسِن وللمحسَن إليه يوفّى إليه الخير كما يوفّى الى الآخرين، ومن جانب آخر إمتناعه من هذا الإحسان يجعل العقدة نامية في نفوس الكادحين إذ يبعدهم أولاً عن المشاركة في رفع حياة المجتمع، وبذلك يشارك في إبقاء مستوى المجتمع متدنياً فيخسر هو قبل أن يخسر الآخرون.‏
ثم ابتعاده عن الآخرين في المشاركة يلقيهم في العقد النفسية وفي الأمراض التي تنتج عن الفقر والأمراض النفسية والمادية التي تحصل نتيجة للضعف والكدح والفقر، ولا تبقى مقتصرة على أولاد الفقراء بل تسري وتتعدى الى جميع أبناء المجتمع، فيعود الضرر الى الجميع، والعقد النفسية المتراكمة في الطبقات الكادحة النابعة عن الظلم الإجتماعي تؤدي الى الأحقاد. والى تراكم الأحقاد، والى التذمر، وبالتالي الى الثورة والإنفجار من الداخل فيعرّض المجتمع والإنسان الذي امتنع عن الإحسان الى التهلكة.‏
فقوله تعالى أنفقوا في سبيل الله نتيجته الطبيعية أنّ الإنفاق إلقاء للنفس في التهلكة، وهذا هو المفهوم من الآية الكريمة، ونتيجة الآية الكريمة {وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون}. فالإمتناع عن الإنفاق يؤدي الى الظلم الإجتماعي الذي يعود الى الممتنع عن الإحسان قبل أن يعود الى مَن امتنع عن الإحسان إليه، كما أنّ إلقاءه في التهلكة هو نتيجة طبيعية من الإمتناع عن الإحسان لأنه يعرّض المجتمع للتهلكة.‏
هذا المفهوم من الإنفاق أنّ الإنفاق يرفع مستوى الحياة الإجتماعية، ويعمّم الخير ومشاعر الخير، والإمتناع عنه يعرّض المجتمع للظلم والتهلكة الإجتماعية، والعُقَد والأمراض، هو مفهوم آخر ما عدا جزاء الله في الآخرة، ونحن نعتقد كما يؤكد لنا القرآن الكريم أنّ جزاء الله خير وأبقى، وما عند الله أوفى.‏
فالإحسان الى المتعبين بالصورة الفردية أو بالصورة الجماعية، له نتائج في هذه الحياة الى جانب نتائجه في تلك الحياة والحياة الآخرة.‏
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان