المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

الإيمان بالغيب (1)

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، {ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يُنفقون. والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}.
هذه الآيات المباركة في بداية القرآن الكريم تحاول أن تضع خطة عامة للهداية الإلهية من خلال رسالة الإسلام، وتؤكد الخط الذي يقترح الإسلام سلوكه على الإنسان المسلم، هذه الخطة تعتمد على النقاط الخمس:‏
الإيمان بالغيب. وإقامة الصلاة. والإنفاق مما رزقهم الله. والإيمان برسالة محمد وبرسالة الأنبياء الذين سبقوا محمداً (عليه وعليهم الصلاة والسلام). الإيمان بالمعاد والحساب والآخرة.‏
أما النقطة الأولى: الإيمان بالغيب، فهي ضرورية في حياة الإنسان، فالإنسان عندما يعيش حياته المادية، ونحن نعلم أنّ كل شيء في العالم المادي نسبي ومتغير، والتغير من طبيعته عدم الإستقرار، والإنسان يحتاج في حياته الى الإستقرار، العلم مثلاً في تكامل دائم، والتكامل تغير بطبيعة الحال، فإذا اعتمد الإنسان في حياته على العلم، وآمن بالعلم، واستند الى العلم دون سواه يشعر كما يتحرك العلم، يشعر هو أيضاً بالتحرك والتزلزل، فلا يمكنه أن يعتمد ويثق الى شيء واحد، حيث أنّ ما اكتشف حول هذا الشيء في هذا اليوم قد لا يكون صحيحاً في الغد، وما لا يكون صحيحاً في هذا اليوم قد يصبح صحيحاً في غد، فلا يمكنه أن يثق بشيء ثقة مطلقة، ولا يمكنه أن يرفض شيئاً رفضاً مطلقاً، وهكذا الصناعة والتكنولوجيا والتنظيمات البشرية، بل وهكذا الأنظمة الإجتماعية والإقتصادية والقوانين الوضعية كلها، حيث أنها من إنتاج الفكر البشري بما في ذلك الفلسفة وكل أفكار الإنسان، وإنتاج الفكر الإنساني والتجارب الإنسانية، كل هذه الأشياء متكاملة، فهي متغيرة ومتزلزلة ولا يمكن أن تكون سنداً وثقة وتطميناً للإنسان في حياته، فالإنسان يحتاج حاجة ملحة الى الإتصال بشيء ثابت حتى يستقر وحتى ينطلق في حياته فيحرك الحياة.‏
لا نقول إنّ الإنسان يحتاج الى جمود وسكون، بل نقول الإنسان يحتاج الى أن يعتمد أساساً ثابتاً ثم يستعمل العلم وسائر الإنتاجات البشرية استعمالاً متطوراً، فكما لا يمكن للعلم والصناعة والأنظمة المتنوعة أن تقوم مقام الإيمان بالله، لا يمكن أيضاً للإيمان بالله المطلق أن يقوم مقام العلم والصناعة والعلاج والأنظمة، فالإنسان يبدأ في حياته من نقطة ثابتة، أما النقاط المتغيرة فهي تبدأ من الإنسان، لا أنّ الإنسان يبدأ منها، ففقدان الإيمان بالغيب في حياة الإنسان يكوّن له قلقاً دائماً، ويقول القرآن الكريم: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28). وهكذا نجد أنّ الإنسان عندما يفقد الإيمان بالغيب يشعر بالقلق، خاصة عندما يكثر التطور، يتسرع في التكامل يزداد قلقاً كل يوم أكثر من يوم آخر، وفي عصرنا هذا حيث تشتد سرعة التطور، يحتاج الإنسان الى الإيمان بالمطلق بصورة أقوى وأشد. هذا في الأساس أمام في الفصول وفي النتائج فنحن نعتقد أنّ الإيمان بالقيم وبالمطلقات، الإيمان بالصدق، الإيمان بالوفاء، الإيمان بالعدل، الإيمان بكل قيمة لا يمكن أن ينفصل عن الإيمان بالغيب، فإذا كان الإحساس البشري معزولاً عن الإيمان بالغيب لا يمكن أن يدرك الإيمان بالقيم وبالمثل المطلقة.‏
وهنا المحنة الكبرى. عندما يفقد الإنسان الإيمان بالقيم المطلقة فلن تكون هناك صداقة ولا عداوة، ولا صدق ولا حق، بل هناك المصلحة، وهناك الأنانية، فيصبح كل إنسان إلهاً في زعمه، غريباً في حياته، منفصلاً عن بني نوعه، شريكاً معهم في المصالح فيتحول العالم الى شركات لا الى وحدات، وهذا هو الإنفصال العميق بين أبناء المجتمع بعضهم مع بعض، وبين الأجيال المتتالية البشرية بعضها مع بعض، فالإيمان بالغيب ميزة الدين ضرورية، وضروري في حياة الإنسان.‏
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان