المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

كلمة للسيد موسى الصدر في يوم الولاية.. يوم الإمام علي عليه السلام

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم يوم الولاية ويوم كل موالي، فأنتم يا أولياء ولي الله أصحاب المجلس وأبناء المهرجان: المجلس لكم، أما كلمتي في هذا اليوم فعن الولاية التي هي معنى هذا اليوم، نحتفل بيوم الغدير لا لكي نبتهج، لأننا لا نشعر في عقلنا وقلبنا ما يدعو الى الابتهاج والسرور، وانما نجتمع لنصلّي ولنتزوّد ونتسلّح لمستقبلنا المظلم، في هذا اليوم نجتمع في هذا المكان لكي نشعر، لكي نتزوّد ونتسلّح ليومنا العصيب ولمستقبلنا المظلم، نجتمع في يوم علي (ع) لكي نجدّد بيعتنا معه ولكي نتّخذ منه في سيرته ومن سيره خطاً لكي ينبعث ويحيي في قلبنا الأمل ..
الولاية هذا يومها، فرسول لله (ص) في مثل هذا اليوم كان عائداً من حجّة الوداع، وصل الى مفترق الطرق فنادى في الناس بالاجتماع، هذا الاجتماع الذي كان في وادي جحفة وبقرب غدير خم هو آخر اجتماع بين نبي الإسلام وبين أمّته، هذا الاجتماع كان بمثابة جلسة الوصية لأنّ الأمّة بعد هذا اللقاء كلٌ ذهب الى بلده متزوداً بما سمع، والنبي الكريم (ص) عاد الى مدينته، وقد وافاه الأجل بعد شهرين أو يزيد من هذا التاريخ، فالاجتماع حصل في هذا اليوم عند مغادرة رسول الله أمته وفي خطبة بدأها بقوله بعد الحمد والصلاة (..) نعى نفسه في أول خطبته، فهو في اجتماعه الأخير يريد ان يثبّت خلود دينه ويؤسس بقاء رسالته، يودّع في هذا اليوم العصيب أمّته فيزوّدهم بما اذا حافظوا عليه يستمروا، وكان رسول الله (ص) فيهم.. إذن الاجتماع الذي حصل في هذا اليوم وفي ذلك المكان، وبعد الإعلان عن قرب وفاة رسول الله (ص) يكون هو الاجتماع الأساسي التاريخي المصيري في حياة الأمة، الفصل الثالث من حياة رسول الله بدأ في هذا اليوم، الفصل الأول بدأ يوم بعثة الرسول، والفصل الثاني بدأ يوم هجرة الرسول، واليوم فصل بدأه رسول الله بكونه نبي الخلود خاتم الانبياء (بيوم الغدير)..‏
في هذا اليوم جمعهم وقال لهم بعد الحمد والصلاة وإعلان الوفاة وأخذ الإقرار بأداء الرسالة، قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قالوا بلى، هم يعترفون بالآية الكريمة (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وبعد ذكر هذه القرينة والتأكيد على ان الولاية ليست حباً ومودّة فقط (بل تفسير وتطبيق ومضمون الآية الكريمة)، وحينما قالوا: بلى يا رسول الله قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثم رفع يديه قائلاً: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، ثم أمرهم بأن يبايعوا علياً وأن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ..‏
في هذا اليوم الذي كرّس ولاية علي نريد أن نبحث بعض الشيء، في معنى الولاية في معنى خلود رسالة محمد (ص)، في معنى ما نحتاج اليه في هذا اليوم، الولاية وردت في اكثر من آية، وفي الأحاديث المتواترة، والولاية ليست حباً ومودة فحسب، يقول الحديث الشريف المتواتر: بُني الإسلام على خمس: الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والولاية، وما نودي بشيء مثل ما نودي بالولاية، ما هي الولاية التي هي أهم من الصلاة والزكاة والحج والصيام؟ وما هو السبب في هذا الاهتمام؟ لأن الحديث يتابع فيقول: ولو أن احداً قام ليله وصام نهاره وحجّ دهره وتصدّق بجميع أمواله ولم يكن ذلك بدلالة ولي الله لن يُقبل الله منه ..‏
ما هي الولاية التي لها في الإسلام هذا الأثر العميق والدور العظيم؟ الولاية مضمون الآية الكريمة "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم"، أولوية رسول الله بأمته وأنفسهم معناها وجوب إطاعته، ووجوب اطاعة الرسول غير وجوب اطاعة الله (وإن كان ذيلاً من ذيول إطاعة الله)، إطاعة الله ما معناها؟ الإنسان هل يتمكن من استماع أمر الله ونهيه بالطرق المباشرة؟ هل أحدنا سمع كلام الله بصورة صحيحة؟ طبعاً لا، هل أحد منا يسمع كلام الله بإذنه طبعاً؟ لا، إذن نحن نسمع كلام الله عن طريق نبيّه، فإذاً قال رسول الله: هذا واجب، وهذا حرام، افعلوا، ولا تفعلوا، ونحن أطعنا هذا القول وطبّقنا هذا التعليم، فقد أطعنا الله، هذا ليس إطاعة الرسول، إطاعة الرسول التي بعد إطاعة الله في قوله تعالى "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، إطاعة تختلف عن إطاعة الله وتختلف عن تنفيذ الواجبات والمحرمات والأوامر والنواهي، فالأوامر والنواهي والواجبات والمحرمات هي في الحقيقة (أرجو الانتباه).. الواجبات والمحرمات والأوامر والنواهي هي في الحقيقة إطاعة الله، وليست إطاعة لرسول الله، فطاعة الرسول لها معنى اخر يختلف عن معنى إطاعة الله، ما معنى إطاعة الرسول؟ فيما عدا إطاعة الله، اطاعة الله تعني الإسلام لله، التسليم لأمر الله، تطبيق قوانين الله موجود في القرآن والأحاديث النبوية، الإسلام بأجمعه وبأكمله قد اكتمل في هذا اليوم، ولكن إطاعة الرسول كوليّ للأمر وحاكم انما هي في تطبيق أوامره التنفيذية، يعني رسول الله (ص) بعدما بلّغ أمته الرسالة الإلهية جاء لكي يطبّق هذه التعاليم على الأمة، وتطبيق هذه التعاليم على الأمة عبارة عن تشريعات تطبيقية، من باب المثل: عندنا قوانين في كل بلد تشرّعها القوّة الاشتراعية، التشريعية، المجلس، ثم هذه القوانين تسلَّم الى الحكومة، والحكومة تنفّذ هذه القوانين في مراسيم مسوّدات وقرارات صادرة من مجلس الوزراء، ثم من السلطات المحلية الأنزل فالأنزل، فإذن تطبيق القوانين أيضاً: قوانين صغيرة في إطار القوانين الكبيرة، كيفية تطبيق الدين تشريع أيضاً، ولكن تشريع في إطار التشريع الكبير الذي هو من صنع الله سبحانه وتعالى، فإذاً رسول الله حينما كُلّف تطبيق الإسلام، حينما كُلّف بتنفيذ تعاليم الله كان يأمر وينهي ويضع مراسيم وطرق وكان يضع وسائل وأسباب لأجل تطبيق شريعة الله، وهذا معنى التشريع في الولاية، هنا يأتي معنى وجوب إطاعة الرسول في اطار ولايته، إذن الولاية اطاعة رسول الله ومن بعده إطاعة علي وأولي الامر ، الإطاعة في حقل تطبيق، قلت هذه المقدمة لكي أصل الى هذه النقطة: الولاية سلطة إلهية لتطبيق أحكام الله أعطيت لرسول الله (ص)، والولاية وجوب إطاعة الأمة للرسول ولولي الأمر، هذا الوجوب إذا طُبق يعني إذا كل فرد من أفراد الأمة أطاع الولي وطبق ونفذ فقد مكّنت الأمة رسولها بتكوين مجتمع صالح لأن المجتمع الصالح إذا يريد الرسول ان يكوّنه يجب عليه ان يتخذ تدابير، وهذه التدابير إذا طُبقت يتكون المجتمع كما كوّن رسول الله هذا المجتمع بعد الهجرة، إستلم الحكم وكان يأمر وينهي ويجمع ويدافع ويحارب ويصنّف وينظّم في إطار الأوامر الإلهية، فتمكّن من تكوين المجتمع الإسلامي لكي يهيىء بيئة صالحة لنمو الإنسان وتربية الإنسان، الإنسان يتأثر وينفعل ويسمو بصلاته، الصلاة معراج المؤمن، فالصلاة تؤثّر في كمال الإنسان ونموّ الإنسان، وهكذا الصيام والحج والجهاد، ولكن أكثر العوامل تاثيراً في تكوين الإنسان هو خلق المجتمع الصالح.. البيئة الصالحة إذا تكونت فسوف تؤثّر في نموّ الإنسان وتربية الإنسان وكمال الإنسان أكثر من الصلاة والصيام، ونحن نشاهد هذا مشاهدة واضحة بأنّ الإنسان يتاثر بالبيئة وبالمجتمع الذي يعيش فيه، إذن الولاية اعتراف من الأمة وتمكين من الأمة لوليّها لكي يؤسّس مجتمعاً صالحاً، والمجتمع الصالح أكثر تاثيراً في رفع مستوى الإنسان ونمو الإنسان وكمال الإنسان من الصلاة والصيام والزكاة والحج، ولهذا يقول الحديث: ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية ، لأن الصلاة والصيام والزكاة والحج تأثيرها محدود ومؤقّت، بينما المجتمع تأثيره مطلق ويخلق آثاراً عميقة ثابتة تكوّن الإنسان وتحافظ على الصلاة، إذن الولاية (هي) إطاعة الفرد، نحن ربما نناقش ونبحث أنّ إطاعتي أنا ماذا تؤثر في تكوين ذلك المجتمع ولكن المجتمع يتكون من تخطيط ولي الأمر وتمكين الأمة له لكي يكوّن ويربّي، فإذاً ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية، يعني إذا اطعنا الله في شريعته وأطعنا الرسول وأولي الأمر في تطبيق الشريعة معنى هذا أنّ الصلات الاجتماعة التي توجد بين أبناء مجتمع واحد (هذه الصلات) تنبثق من إطاعة الله، ما هو السبب في كيفية معاملة أخي المواطن أو أخي المسلم؟ لأي سبب أعامله هذه المعاملة؟ المجتمع صلات الأفراد بعضها مع بعض، هذه الصلات التي هي مبادرات وأفعال وخطوات من الإنسان إذا انبثقت وصدرت بأمر من الله حينئذٍ الإنسان منسجم في إيمانه وأعماله، بينما إذا كان الإنسان كما يزعمون (هناك دعوة في العالم) بأن الدين والإيمان للإنسان وصلة الإنسان مع الله، فأحتفظ بايماني وبأخلاقي ولكن في صلاتي الاجتماعية أستوحي من مبدأ الآخر (مبدأ سعادة الإنسان مثلاً، والايمان بالإنسان مثلاً) بمحاولة لفصل الإيمان عن النشاطات والأعمال الخارجية، هذه المحاولة مغالطة لأنّ الإنسان موجود واحد، هذا الموجود الواحد لا ينفصل ولا يتجزأ الى موجودين، موجود يؤمن بالله، وموجود يؤمن بالإنسان، وينطلق بإيمانه بالإنسان في نشاطاته الاجتماعية، فإذا كان الإنسان يعيش في مجتمع غير مؤمن، المجتمع إذن مؤمن وغير مؤمن، مثل الإنسان، الفرد قد يكون مؤمناً وقد يكون غير مؤمن، قد يؤمن الإنسان بالله، وقد لا يؤمن، إذا يكون المجتمع علماني غير مؤمن فتفسير هذه الكلمة ان الإنسان في حياته العادية (يعني في اتصالاته مع الناس).. هذا هو تكوين المجتمع، أرجو الانتباه: أوضح المقدمة حتى نصل الى نتيجة المجتمع، حقيقة المجتمع، صلات الأفراد بعضهم مع بعض، لو افترضنا أنّ ألف إنسان عاش كل واحد منهم في غرفته في كهفه لا يتصل بالإنسان الآخر، لا يأخذ ولا يعطي ولا يبيع ولا يشتري ولا يدفع ولا يمنع، هذا ليس مجتمعاً طبعاً.. الشخص وحده.. المجتمع متى يتكون؟ حينما يكون بين الأفراد اتصالات، أخذ وعطاء، وإلا تصور أن الف شخص تضع كل شخص في غرفة منفصلة عن الغرفة الأخرى ليس بينهم أي اتصال وأي تفاعل، هذا ليس بمجتمع، هذا شخص، ليس مجتمعاً واحداً، بينما لو وجدت عشرة أشخاص، كان بينهم تفاعل، فقد كوّنت مجتمعاً، فإذاً حقيقة المجتمع بالاتصالات بينهم، وبين الأفراد، والصلات يبن الأفراد، والتفاعل بين الأفراد، هذه حقيقة المجتمع.. فكما أنّ الإنسان قد يكون مؤمناً، وقد لا يكون مؤمناً، المجتمع أيضاً قد يكون مؤمناً، وقد لا يكون مؤمناً، متى يكون المجتمع مؤمناً؟ اذا انطلق ووضع أسس اتصالاته على أساس الإيمان بالله، المجتمع غير مؤمن إذا انطلق وضع اتصالات الأفراد بعضهم مع بعض لا على أساس الإيمان بالله، هذا الفرق بين المجتمع المؤمن والمجتمع غير المؤمن، على هذا الأساس تكون الأعمال الاجتماعية، يعني: بيع، شراء.. زرع.. إدارة.. كتابة.. تفاعل.. زيارات.. هذه الأعمال الاجتماعية إذا ما انبثقت من الإيمان بالله فقد أمارس أنا الفرد نوعين من العمل، نوع أقوم به كصلاتي، كعباداتي، كأخلاقي، أنطلق بهذا النوع من العمل من الإيمان بالله، هذا النوع من الأعمال مكرَّس في نفسي، مبدأي الذي هو إيماني بالله، لكن النوع الثاني الذي هو الأعمال الاجتماعية التي أمارسها لا بداعي الإيمان بالله، هذه الأعمال أيضاً تكرّس وتنمّي في قلبي إيماناً بمبدأ ثاني، ولو كان الإيمان بالإنسان، لأن الإيمان بالإنسان على نوعين أيضاً، بين إيمانه وبين إيمانه، وبين نفسه وذاته.‏
الولاية اعتراف بوجوب طاعة الولي وتمكين للوالي من ان يكون مجتمعاً، فيخلق بيئة يعيش فيها الإنسان وينمو وهو منسجم مع نفسه، وإلا فلو كان للإنسان مجتمع غير مؤمن، مجتمع غير منسجم مع ايمانه، فنشاطه الاجتماعي يؤمن بمبدأ آخر ودافع ثانٍ يختلف عن مبدئه الأول الذي هو إيمانه بالله، فيعيش الإنسان في ازدواجية وتناقض ويتحطم ولا ينتج، بينما لو كان مصدر نشاطات الإنسان في الحقل الاجتماعي إيمانه بالله، فالإنسان حينئذٍ في صلاته وفي أعماله الاجتماعية نشاطاته كلها تنمي إيمانه، فيقوى وينسجم ويحافظ على إيمانه، فمن يدعي أنه يتمكن أن يكون انساناً مؤمناً في مجتمع غير مؤمن يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر، وهذا المستقبل الذي نعيش فيه: الإنسان بإيمانه يمارس أعمالاً، هذه الأعمال تنمّي إيمانه، ومن ناحية ثانية أعيش في مجتمع فأمارس أعمالاً أخرى، كل عمل يصدر من الإنسان ينمّي ويغذّي مبدأه، اليوم مثلاً أنت إذا خفت من شيء فاجتنبته، فإنّ اجتنابك يغذي مبدأ الخوف عندك، وإذا باشرت فمباشرتك تنمّي مبدأ الشجاعة عندك، الإنسان ليس بموجودات منفصلات، كل عمل خارجي ينعكس على مبدأ نفسي، إذن: لا يمكن للإنسان أن يحافظ على إيمانه بالله ويعيش في مجتمع غير مؤمن إلا بصورة جهاد وحرب ودفاع، بصورة تناقض مستمر، والطريقة التي يعلّمها الدين في هذا السبيل تكوين المجتمعات الصغار: وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فأولاً مبدأ الولاية تمكين لتكوين مجتمع صالح تأثيره على تربية الإنسان أكثر من تأثير الصلاة والزكاة والحج والجهاد والصيام، ولهذا قيل: ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية، ثانياً: انقياد الإنسان للولي، انقياد أفراد الأمة للولي الذي هو معنى الولاية، معناه تنسيق عمل الأمة وتنظيم نشاطات الأفراد، وحينئذٍ تكون نشاطات الإنسان مضبوطة وهادفة في طريق واحد ولا تتحطم، والمجتمع إذا تمكن ان ينسّق جهود أفراده حينئذٍ تخلق المجتمعات الصغيرة طاقات هائلة، والتجارب التاريخية أقوى دليل على هذا، وأفضل طريقة على تنسيق طاقات المجتمعات مبدأ الولاية وانطلاق نشاطات الإنسان، أي إنسان من أبناء المجتمع الواحد ينبثق من الولاية، فإذاً الولاية تكوين مجتمع وتنسيق طاقات الجماعة، ثم قداسة الإطاعة، قد أكون أنا أؤمن بالإنسان وأمارس عملي الاجتماعي بمبدأ الإيمان بالإنسان، وقد أؤمن بالنشاطات الاجتماعية المنبثقة من الإيمان بالإنسان الذي هو خلق الله وخُلق من الله ومبدأه الله ومنتهاه الله، يعني نشاطاتي إذا انطلقت من إيماني بالله إطاعتي تكسب لون القداسة، يعني الإطاعة في المجتمع الديني واجب من الواجبات مقدس يُثاب الإنسان ويؤجَر عليه، هذا اللون الخاص من الإطاعة يجنّد الطاقات المرئية وغير المرئية في حياة الإنسان، لأن الإنسان له طاقات كثيرة، قسم من طاقاته واضح يدخل تحت الحساب والمراقبة والفرض والتوجيه، لكن الطاقات غير المرئية لا تتنظم ولا تدخل تحت التوجيه الظاهري إذا لم يكن هناك إيمان بالإطاعة وقداسة للانقياد، فإذاً الولاية تجنّد طاقات الفرد، والولاية تجند طاقات الجماعة وتكوّن من المجتمع أكبر طاقة ممكنة، ثم تكوّن المجتمع الذي ينمو فيه الإنسان وينسجم معه في إيمانه وفي أخلاقه، في غير هذه الصورة، ومع عدم تنظيم الصلات الاجتماعية عن طريق الإيمان بالله، الصلات الاجتماعية تنمّي في نفس الإنسان إلهاً آخر، أفرأيت من اتخذ إلهه هواه فقد أضله الله على علم ، ماذا يعني اتخذ إلهه هواه؟ هل يُعقل أنّ الإنسان يعبد هواه؟ هناك أحد يصلي لأجل نفسه؟ فإذاً ما معنى اتخذ إلهه هواه؟ يعني غاية الغايات وهدف الأهداف ومصدر النشاطات عنده هو هواه، هو أنانيته، هذا معنى عبادة النفس، وعبادة الأنانية، فإذا مارسنا نشاطنا الاجتماعي لأجل مصالحنا والغاية كانت أنا، فمعنى هذا أنني غذّيت أنانيتي بذاتي وبنفسي، وضعت في نفسي إلهاً آخر غير الله اسمه أنا.. وهكذا، إذا كانت النشاطات الاجتماعية تنبثق عن إيماني بالإنسان المنفصل عن الله (والذي نسمّيه العلمنة) فمعنى هذا انّني أنمّي في كل أخذي وعطائي وصلتي وتفاعلي الهاً اخر غير الله إسمه الأنا، لا يمكن للانسان ان يتدفق ويبذل كل جهده ويتجه اتجاهاً واحداً إذا كان له مبدآن: مبدأ الله ومبدأ الإنسان، أو مبدأ الله ومبدأ الانانية، مبدأ الله ومبدأ العنصرية، مبدأ الله ومبدأ الفئة.. أي شيء من هذه الاشياء..، لو كوّنت للإنسان مبدأً وهدفاً وباعثاً ودافعاُ غير الله فقد حطّمت الإنسان وجزأته وبطلت عبقريته ووحدة قواه اتجاهك، فقط على هذا الأساس، الولاية أساس كل هذه المميزات والنتائج، وعدم الولاية يؤدي الى مجتمع يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر الذي نحن نعيشه اليوم، ولنعلم أنه لا أمل اطلاقاً لسعادة الإنسان إذا ما انطلق في نشاطاته الاجتماعية من مبدأ الولاية وإطاعة الله، لا يمكن.. كلها ترقيع، المجتمع المادي الحديث الذي بنى صلاته وأسسه وقوانينه وأعماله على أساس مبدأ المادة، على اساس مبدأ المصلحة، لا يمكن أن يسعد وأن يصل الى ما ينسجم مع إيمان الإنسان، والترقيعات والأدوية والعلاجات والمحاولة في تخفيف الطغيان والتناقضات كلها محاولات فاشلة تؤثر بعض الوقت، ثم ينقلب على الساحر، ولا أمل على الإطلاق من أنّ الحضارة المادية بأي شكل من الشكلين القائمين في هذا اليوم توصل الإنسان في هذا اليوم الى نتيجة تنسجم مع إنسانيته ومع حياته الحقيقية المتكاملة، هذه الولاية، ولأنّ الولاية كما قلت تشريعات تطبيقية في خلال التشريعات العامة يجب فيها رعاية المبدأ الذي نراعيه في تشريع الدين (أصل الدين)، وهنا تأتي حاجتنا الى النص، أرجو الانتباه: أنا أبحث حتى السادة ضيوفنا الكرام الذي شرّفوا لكي يُفيضوا علينا مما افاض الله عليهم حتى يرتاحوا ثم يسمّعون ما ينير قلوبنا (التشريع، الدين)، لماذا قالوا يجب أن يكون سماوياً وإلهياً؟ لأي سبب البشر الله أعطاهم العقل؟ ويمكن ان يكتمل يوماً ما ويعرف كل شيء؟ وهو الآن في طريق الاكتمال ومعرفة كل شيء، لماذا نقول: التشريع لازم أن يكون من إله؟ لأي سبب؟ لأنّ الإنسان العاقل العامل مهما كان محيطاً ومهما كان واسع الاطلاع يتأثر بالعوامل الأرضية، لأنّ الإنسان من الأرض يتاثر بمصالحه.. بمنافعه الفردية.. العائلية.. الإقليمية.. العنصرية.. الثقافات السابقة.. الآمال.. حدود التفكير.. مهما حاولنا أن نجرّد الإنسان عن واقعه الذي يعيش فيه فهذا خطأ لا يمكن تلافيه، فأي شريعة وأي قانون يكون من صنع الفكر الإنساني متأثر ببعض ما يتاثر به الإنسان لا يمكن أن يكون لكل الناس، قد يكون للأكثرية، وقد يكون للأقلية الحاكمة، القانون دائماً الذي ينطلق من التفكير البشري هو متأثر بزوايا ومصالح خاصة أو عامة أو على الاقل بطريقة التفكير، هذا المبدأ يفرض علينا ان نقول: نحن بحاجة الى تشريع إلهي لا يتأثر بالإقليم ولا بالمنطقة ولا بالعائلة ولا بالعنصر ولا بالطقس ولا بالارتفاع ولا بالانخفاض، يكون لله رب الإنسان، لنفس السبب الذي يجعلنا نلتمس شريعة سماوية لا تتأثر ونقول بأن النبي يجب أن يكون من قبل الله، نفس السبب، لأنّ الولاية تشريعات في إطار التشريعات العامة، ولأن الولاية تطبيق لهذه الشريعة وإعطاء من الذات البشرية المتأثرة بالعوامل الفردية والإقليمية والعائلية العنصرية، إذن تلعب بالتشريعات الصغيرة، ولهذا قلنا وقالوا أنّ الولاية أيضاً تحتاج الى نص، ولهذا فالولاية مقام عظيم يجب أن يكون الولي أرفع أبناء أمته على الإطلاق حتى يسمو عن جميع النـزعات والمصالح الخاصة، يجب أن يكون لمن كان معه الحق يدور معه كيفما دار، يجب ان يكون الولي متعمق الايمان في وجوده وجعل منه في لسانه وفي نظراته وفي اعماله وفي خواطره وفي حبّه وبغضه ميزاناً، وهذا معنى الإيمان على ما يفسّر العلاقة كميزان من الخشب يستعمله البناؤون من أجل الاستقامة، استقامة البناء، فنحن اليوم ميزان زئبق نستعمل من باب المثل، الإمام هو ميزان في لسانه، في عمله، في شهادته، في تفكيره، حتى في خواطره، فهذا هو الشخص الوحيد الذي يعبّر عنه رسول الله، يقول: أنا ميزان الاعمال وعلي لسانها، فالولاية لمن يتعمق في قلبه الإيمان فيجعل منه من لسانه وعمله وقلبه وفكره الميزان، يجب ان تسلم الى أسمى شخص، الى من ليس له شخصية متناقضة، الى من لا يسجد وما سجد لصنم قط، يجب ان تسلّم الى علي بن ابي طالب عليه السلام، والولاية بعدما وجدناها تطبيقاً وتشريعاً في الإطار العام، بدأت منذ أول الدعوة، فنحن نجد أنّه في أول يوم كلّف رسول الله (ص) بالإنذار بقوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين، وبدأ بنشر الدعوة، الحديث ينقله أحمد بن حنبل والطبري وابن الأثير وأبو الفداء والملا علي المتّقي والحلبي، يقول: حينما كُلّف دعا بن عبد المطلب أول دعوة عامة، وتكلم رسول الله (ص)، فقال: يا ابن عبد المطلب إني والله لا أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، قد أمرني الله تعالى بأن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، وقال علي (ع) وهو أحدثهم سناً وأمسّهم عيناً واحمشهم ساقاً: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليهم، فأخذ برقبته: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، فلعلّنا نعرف أنّ الرسالة التي هي المسؤولية في حقل الولاية التي ممكن أن تتعدّى إنسان، لأن النبوّة لا يمكن أن تتعدى محمدّاً (ص) خاتم الرسالة، الولاية التي كانت المنصب الثاني لرسول الله (ص)، منصب التطبيق، منصب الحكم، حينما نعرف ان الولاية هي المسؤولية فمن أول يوم الولاية يجب لرسول الله خليفة وولي حتى اذا سقط في طريق الجهاد يكون هناك من يؤدّي الأمانة ويتابع الطريق، ولهذا من أول يوم الرسالة تعيّنت هذه الولاية، والولاية بمعنى التشريع الجزئي في إطار التشريع الكلي هذه الولاية لا شك أنها بحاجة الى نص حتى تنمو الأمة وتتربى، وبهذا فقد جُعل دور الولاية دوراً محدوداً لا يتجاوز اثني عشر جيلاً كما هو وارد في نص الرسول الأكرم (ص) بنقل البخاري ومسلم وأبو داوود وأحمد بن حنبل والحاكم واو نعيم وابن حجر والسيوفي والملا علي.. ينقلون كلهم أنّ رسول الله (ص) قال أكثر من مرة أنّ له خلفاء إثنا عشر شخصاً، هذه الفترة فترة التربية، أو بالتعبير المعاصر فترة الثورة، هذه الفترة حتى تنمو الأمة وتصل الى المقام الذي يتمكن من ان يسمو على الصغائر ويرتفع على الأهداف والمنافع الخاصة، هي فترة الولاية، حينئذٍ هذه الولاية تُقدّم الى هذا الشخص الذي ذكرناه، هذه الولاية تقدَّم الى شخص لا يعتبر الولاية غنمة، بل يعتبرها مسؤولية وواجب، ويقول: أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون لهم أسوة لهم في جشوبة العيش، ويقول لعاصم بن زياد الزاهد الذي ترك بيته وأهله ولبس الخشن وشكاه أخوه الى (ع)، قال له: يا عاصم، يا عُدَيّ نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أما رحِمتَ أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله في ذلك، ثم وجّه عاصم الخطاب الى علي وقال: يا علي أنت أكثر تقشفاً وأكثر تحملاً لجشوبة العيش منّي، فلماذا أنت تقوم بهذا العمل الذي تنهاني عنه؟ فقال: له ويحك، إني لست كأنت، إنّ الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقوّموا أنفسهم بضعفة الناس، كي لا يتبنى بالفقير فقره هو ما كان يشبع، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، الولاية يكون لمن يكون هكذا، ولمن يحسّ في محن الأمة، لمن يشعر في المحن بما يقول ويعبّر عنه بعدما يشكو من الغارات التي شُنت على أقطار العالم الإسلامي في عصره، ويقول أنهم دخلوا الأنبار واحتلوا المركز وأزالوا حيلكم عن مسارحها وقتلوا وليّكم، ثم يقول: ولقد بلغني (هذا شعور الحاكم.. هذا شعور الولي) إنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينـزع حجابها وقلبها وقلائدها وما تمتنع منه إلا بالاسترجاء والاسترحام، ثم انصرفوا.. يشرح هذه النقطة في زاوية من العالم الإسلامي، ثم يقول: ما نال منهم رجلاً.. ولا أريق لهم دم.. فلو أنّ امرئ مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً، فيا عجباً هذا الشعور المرهف بآلام الأمة، وهو الذي يجعل من هذا الرجل يصلح أن يكون ولياً.. ثم يقول في كلام آخر حينما سمع وحينما أراد ان ينصحهم يكتب لهم في معركة، يقول: إني والله لو لقيتهم واحداً وهم قلاع الأرض كلها ما باليت ولما استوحشت، ثم يريد أن يربّيهم بأنّ هذه الشجاعة ليست أمراً ذاتياً في علي أنتم محرومون عنها، كلا: واحد منكم إذا كان عندكم إيمان علي كان منفرداً يقف في وجه قلاع الأرض كلها، يشرح، يقول: وإني من ضلالهم الذي هم فيه والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من قلبي، فإذاً لماذا أخاف ما دمت أؤمن بأنهم على ضلال وبأني على حق، فكلّكم بإمكانكم أن تقفوا منفردين أمام قلاع الأرض كلها، وإني الى لقاء الله لمشتاق وحسن ثوابه لمنتظر، ولكني آسٍ أن يلي أمر هذه الأمة سفهائها وفجّارها، فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً، فإنّ فيهم من شرب فيكم الحرام وجلد حداً في الإسلام، (..) فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وتأنيبكم وجمعكم وتحريضكم، ولتركتكم إذا أبيتم وضنيتم، ثم ينادينا وينادينا في هذا اليوم: ألا ترون الى اطرافكم قد انتقصت، والى امتاركم قد افتُتحت، الى ممالككم تزرى، والى بلادكم تغزى، انظروا رحمكم الله الى قتال عدوكم ولا تثاقلوا الى الارض(..)..‏
الولّي قلب الأمة ، يرفق لهم ولمحنهم، نحن في هذا اليوم وبعدما ذكرنا هذه النبذة الصغيرة من حياة الإمام ومن معنى الولاية نستمع لكي نبايع علياً بالولاية، ما معنى الولاية؟ ليس الحب والمودّة، معنى الولاية السير معه والسلوك في طريقه وإطاعة أمره، السير معه هو هذه التعاليم التي يشرحها لنا ويبعثها لنا ويُسمعنا إياها، هو يقول: الإنسان من خوف الموت الذي يغزى في عقر داره يصبح ذليلاً، الإنسان الذي يرتبط ويتمسك بحياته ولا يعتبر الحياة وسيلة لكرامته ولنموّه ولبلوغ أهدافه لا يتمكن من أن ينجح، إذا صار حارساً لحياته يفقد كل شيء في سبيل المحافظة على حياته، لكن إذا كانت الحياة وسيلة له يستعمل الحياة في سبيل بقاء كرامته، العمل والسير في خط علي بحاجة الى جهاد وجهود، لا نقول ولا نترك المسؤولية على الآخرين..‏
أيها الاخوان: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، نحن اليوم أمام حضارة مادية طاغية، هذه المعارك في فلسطين وفي فيتنام وفي أي بلد آخر نتائجها الطبيعية، لا تتصوروا أنّ الرئيس الفلاني والزعيم الفلاني في أميركا أو أوروبا أو روسيا هم الذين يسخّرون ويفتكون ويعملون، لا، الحضارة المادية هي التي سخّرت جونسون وأمثال ذلك هم وسائل، هذا السير الطبيعي للحضارة، وهذه نتائجها الحتمية، لا علاج ولا مناخ لنا إلا العودة الى الله وتطبيق خلافتنا على أساس الإيمان بالله، إلا أن نبدأ كل منّا من نفسه بصورة مخلصة مضحّية، بصورة مؤمنة، نحن يجب أن نشعر بالمسؤولية، ونخرج من التواني، إذا نحن شعرنا بأنّ مبدأ إنطلاقاتنا مصالحنا المادية فلا انتصار (..)، إذا شعرنا بأننا ضعفاء وأذلاء وغرباء في هذه الدنيا، إذا ما كنا مستندين الى إيماننا بالله كي نكسب منه الرصيد الأوفر في حياتنا وفي رصيدنا فنحن مستضعفون، قوّتنا بأن نشعر بأننا مرتبطين بالذي بيده ملكوت السموات والأرض، الذي السموات مطويات بيمينه، واتصالنا به، يجب أن نمارس هذا الاتكال وننمّي هذا الشعور، وبهذا نكون أقوياء ، يجب أن نخرج من هذا الخنوع والذلّ، يجب ان نتربّى على حياة المشقّة والسعي، يجب أن نفكر في أنفسنا، فهذا الذي نعيشه أيها الاخوان ليس حياةً، هذا ذل وهوان، مصيرنا، مستقبلنا الذي هو أملنا، حياة الإنسان: أمله، لأنه إذا لم يتأمل ولا أمِل وما انتظر لمستقبله شيئاً فهو منفصل عن مستقبله، الأمل هو الحياة، الأمل يعني الانتظار للمصير في المستقبل أحسن من اليوم، هذا الأمل على نوعين، نوع من دون وسيلة منطقية، هذا يسمونه الأماني، ومولانا علي (ع) يقول: الأماني غرور الحمقى، الذي ينتظر مستقبلاً زاهراً من دون أن يشتغل لهذا المستقبل، هذا أحمق، الأمل هو الذي تخطط أنت وترسم أنت وتضع قواعده أنت وتصنع أنت مستقبلك بيدك، أما بيد غيرك فهذا ليس حياةً، هذا موت، يقول علي (ع): فلو أن مات أحداً من هذا لما كان به ملوما، نعود ونقول: كلٌ منّا بمقدار طاقته، بمقدار حياته، بمقدار مسؤولياته في إطاره الصغير، إذا لم نضحّي ونجاهد ونخلص لن نستفيد شيئاً ولن يبقى إلا صبابة كصبابة الإناء..‏
أكتفي بهذا المقدار لأترك المجال لنفسي وللاخوان لكي نتمتع ونستمع الى الطيبات من الكلم..‏
وفقنا الله جميعاً وأيّدكم، والسلام عليكم..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان