المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


محاضرات

محاضرة في ذكرى عاشوراء

بسم الله الرحمن الرحيم‏
طبعاً كالعادة أخاطب الأخوة في لبنان جميعاً أيها اللبنانيون في هذا الوقت من سنة 61 هـ أي قبل 2733 عاماً كان الحسين ابن علي وفاطمة وسبط الرسول الأعظم محمد (ص) قتيلاً مع جميع أهله وأصحابه وكانت أجسادهم المحطمة على أرض كربلاء عرضة لهبوب الرياح الساخنة مكشوفة لإشعاعات الشمس المحرقة ولصولات الرمال المتحركة حينما كانت عائلته وكل من كان معه تستعد للسبي والرحيل في أقصى الظروف إلى البلاد النائية وفي هذا الوقت وفي نفس المكان أيضاً كانت تنبت بداية الثورة العاتية التي ترعرعت ثم عصفت بحكم الطغاة وزلزلت عروشهم واجتثت أثارهم من الأرض والتاريخ لم تكن هذه الثورة التي انطلقت من كربلاء وعمت الأنفس وانطلقت إلى الأفاق القريبة والبعيدة إلا بعض أثار استشهاد الحسين وإلا شعلة محددة من المشعل الحسيني الذي انتصب بعد منتصف القرن الهري الأول إن الساحة الحقيقة التي دارت فيها معركة عاشوراء هي ساحة القيم الإنسانية التي لا تنفصل عن الإيمان أما أبعادها فهي تمتد مع الإنسان ومع حياته أينما كان ومتى يكون ، تحكم جدران سجن ذاته وتربط بينه وبين بني نوعه وتخلق منه وجوداً كونيه يفوق حدوده الزمانية والمكانية ويتجاوز قدراته وكفاءاته ، الحسين في استشهاد صان القيم وبموته أحياها وبدمه أفرزها ورسمها على جبين الدهر ثم أدخلها في أعماق القلوب والعقول بعد أن هزها وفجرها بالفاجعة إن الإنسان المعاصر للحسين كان يعيش أقصى درجات الانحراف العام الذي بدا بانحراف حُكم ثم امتد إلى كافة قطاعات المجتمع وانتقل مؤخراً إلى النفوس وهزم الضمائر أو سخرها واشتراها أو سيطر عليها وذللها ، الخلافة المشؤومة أصبحت المُلك الموروث الذي يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد والجهاد الذي كان باباً من أبواب الجنة تحوّل إلى مغامرة تجذب الأرزاق وإلى باب للارتزاق الأموال العامة انتقلت من بيوت المال إلى خزائن السلطان والمناصب والمراكز تحولت من الأكفاء الأتقياء إلى أزلامه لا قيمة للإنسان ولحريته وحياته عندما يغضب الحاكم عليه وقد يُقتل في مرج عذراء أو يُنفى إلى الرُبذة أو يتعرض لحملة حديث مختلق من مرتزق أدرك العصور الأولى تجري هذه الأحداث وتجري المنكرات والبدع وتكرر ولا تجد أمامها معارضاً أو معترضاً أو متسائلاً على الأقل أما في هذه السنة وفي لبنان فإن الذكرى تأخذ أبعاداً جديدة أخرى هي من طبيعة التفاعل بين التاريخ وبين الجغرافيا في القضايا التي ترتبط بحياة الإنسان العامة فبعد محنتنا الداخلية التي استهدفت فيها القيم وهي التي أحياها استشهاد الحسين كيف يمكن معايشة الذكرى ومعاينتها والاقتباس منها ؟ وتفاعل هذه الناحية السلبية نقطة إيجابية وهي لبنانية أيضاً رغم بعدها العالمي فقد اقتربت ذكرى استشهاد الحسين u من يوم ولادة الفادي المسيح u ذلك اليوم الذي يدفع القيم الروحية السامية رغم الحدود المادية والظروف المنطقية للتاريخ يدفعها إلى أعماق النفوس ويهز المشاعر والضمائر ذلك اليوم المليء بمعاني السلام بل يوم السلام نفسه ومن جهة ثالثة تقع هاتين المناسبتان بين بداية السنة الهجرية والسنة الميلادية وجعلنا البداية اللبنانية لتاريخ جديد والتي تمخضت بدماء الشهادة قد تمخضت عن بداية السلام والمسرة والمجد الإلهي وهذا المناخ يُبعد عنا التشاؤم مهما ألحّ علينا بسبب القيم التي تساقطت في أرضنا العزيزة إلى جانب أجساد أبريائنا الأعزاء وبسبب التطورات المثيرة الحديثة في منطقتنا التي تشير إلى إحاطات واضحة لصراعات الكبار وانفجار الحرب الباردة بينهم في هذا الجزء من الأرض ثم أن المواجهة في معركة غير متكافئة في السلاح وفي العتاد وفي المسلك وفي الإنفجار ، والتي كان أحد أثارها الخلافات الداخلية تملأ الساحة العربية لتمكن الحرب الباردة تلك من تحقيق أغراضها ها نحن عشية الذكرى وكأنها التذكير الخاص من الله مالك الأيام ومدبرها ومرسل الرسل وشرائعها تذكرنا في لبنان تعلمنا كيف نعالج محنتنا كيف نضمد جراحنا نوحد صفوفنا ونجابه أحداث المنطقة إن العناية الإلهية ترسم لنا الخطة بالذات نبدأ نبدأ التضحية بالآراء بالمواقف بنتائج الأحداث وحتى بالمصالح الذاتية والفئوية لتحيا القيم فهي وحدها تجمع وتوحد ومع التوجه في حياة القيم يولد السلام في حياة الأنفس في السماء والأرض والناس والسلام هذا لقاء تاريخي محتوم بين المسيحيين والمسلمين وأن اللقاء تاريخياً كان محتوماً بين المسيحية والإسلامية سيما عندما تظهر الصهيونية في الأفق لكي تلعب بتراث المسيحية والإسلام معاً وبتاريخهما وحضارتهما وثقافتهما وقيمهما مرة أخرى مع فارق كبير هذه المرة حيث أن التباعد الذي قامت به في تاريخها الطويل وفي تاريخنا الطويل كان صادراً عن أفراد وعن مؤسسات أما هذه المرة فإن المتلاعب دولة تستقطب جميع الأفراد والمؤسسات وتستعمل جميع التجارب السابقة وتستعين بالمظلمين في العالم وهم الأكثرية الساحقة من البشر ، إن ذكرياتنا هذه السنة وفي لبنان بصورة أخص تحمل لنا البشارة الإلهية وتتلو علينا الآيات التي نعتبر أن المسيحيين هم أقرب إلى المسلمين وأن المشركين واليهود الصهيونيين هم أبعد الناس عنهم وذكرياتنا هذه السنة تأمرنا بالتضحية ليولد السلام والحب والقيم وتأمرنا بالتضامن الوطني التام لنصون وطننا وجنوبنا الحبيب مهدد ولكي نصون كل ما نملك أمام الأخطار المحدقة بنا ولنحمي ظهر أشقاءنا الذين أبوا إلا أن يأخذوا السلام العادل الشريف لا ليعطوا السلم الإسرائيلي المشروط ولكي نوجه أخيراً إخواننا الذين يتصدون لحماية الأرض والقضية العادلة نوجههم في اليوم العصيب هذا إلى التفرد لتحرير الأرض والقضية العادلة فنقدم لهم عند ذلك حبات قلوبنا وثمرات عقولنا وجهودنا ودعاءنا فيا أيها الأخوة اللبنانيون إلى التضحيات إلى إسلام إلى الوفاق الوطني إلى القيامة اللبنانية والتصدي لكل ما يحول دونها أو يشوهها أو يخنقها في المهد والسلام عليكم .‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان