المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة التكاثر الجزء الاول للامام موسى الصدر

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لتَرَوُنّ الجحيم، ثم لتَرَوُنَّها عين اليقين، ثم لتُسئَلُنَّ يومئذٍ عن النعيم. صدق الله العظيم.
سورة مكية، يعني: نزلت في أيام إقامة الرسول (ص) في مكة، بهذه السورة أيضاً: شكل الألفاظ وطريقة التعبير والمقابلة، تُستعمل هذه الأمور كسلاح، وكما قلنا أن النبي (ص) في مكة ما كان عنده سلاح إلا سلاح اللفظ، جرس اللفظ، فن اللفظ، جمال اللفظ، وتقريع اللفظ، وبالنسبة الى المؤمنين ومَن كان قلبه مستعداً لقبول الإيمان: الناس الطبيعيون (وليس الأعداء طبعاً) كان لهم لفظ ومعنى وسيرة وكل شيء، ولكن بالنسبة الى المنحرفين والمتعنتين في الضلالة كان لهم هذه الألفاظ التي يستعملها ويقرّع بها ويرسم لهم صوراً ولوحات لفظية قريبة لقلوبهم.. تهزهم (كما ذكرنا)..‏
عدة سور من هذا النوع في الآيات التي مرت: ويلٌ لكل هُمَزَة لُمَزَة، والصورة التي مرت: تبّت يدا أبي لهب وتبّ.. وهكذا الصورة التي رُسمت في سور الفيل: ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل.. وأمثال ذلك.. وهذه السورة من جملة هذه الصور التي يرسمها القرآن ويستعملها كسوط يضرب به القلوب المتحجرة النائمة الخالدة في غلوائها وطغيانها..‏
أحد المفسّرين الكبار يقول: وأنا أقرأ هذه السورة أتصور أنه صوت وحديث سماوي يطلع بين السماء والأرض ويخاطب هذا البشر الغريق في دنياه المتلهي بالمادة واللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر.. إنتبه الى هذا البشر الغريق في دنياه والملتهي بنفسه وبهواه.. المغفّلون في حياتهم والغافلون عما وراء هذه الدنيا، وحسب تعبير أحد الأدباء في وصف البشر: البشر مثل قطيع غنم، والموت مثل ذئب يأخذ واحداً من هذا القطيع فيفترسه أمام أعينهم، ولكن الغريب أن بقية القطيع يرتعون بارتياح وسهولة متناهية أبداً، مشغولون بالرعي وغير منتبهين بما يراد لهم وبما يدبَّر لهم في المستقبل، يقول هذا المفكّر أنّه أنا أنتبه عندما أسمع هذه الآيات أنه هذا البشر الغريق في دنياه المتلهي بالتكاثر والتفاخر يقصر نظره الى ما بين موته وولادته، فيفكر في حاله، في يومه، دون غده، دون مستقبله، ثم انتبه بأنّ هديراً سماوياً يرنّ في النفوس على لسان محمد (ص)، فيقول: ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لتَرَوُنّ الجحيم، ثم لتَرَوُنَّها عين اليقين، ثم لتُسئَلُنَّ يومئذٍ عن النعيم، وبالفعل: اللفظ بغاية الجمال والالتزام مع المعنى الذي صيغت الألفاظ لأجله.‏
أما التفسير لقوله ألهاكم التكاثر، ألهاكم واضح يعني أشغلكم، أشغلكم التكاثر، التكاثر استُعمِل وفُسِّر بمعنيين كلاهما وارد في الروايات التي توضح هذا التفسير، المعنى الأول أنّ الإنسان يرغب بالكثرة ويُكثر بشكل دائم ومتزايد ما عنده من الأموال، فالتكاثر بالمال يعني السعي المستمر في زيادة المال، التكاثر في الأولاد، التكاثر في الجاه، التكاثر في جميع وسائل العيش، التكاثر بهذا المعنى، بمعنى التكثير التدريجي، لماذا يسمى تكاثراً؟ مع أن التكاثر من باب التفاعل، لازم أن يكون هناك نوع من الجانبين في باب التفاعل، التضارب من باب التفاعل، يعني‏
هذا يضرب ذاك، وذاك يضرب هذا، فالتكاثر لماذا يُستعمل في باب التفاعل؟ مثل باب التفاعل والمفاعلة التي تُستعمل في اللغة العربية بنوع من العناية، من باب المثل: المطالعة، مطالعة ما معناها؟ مع أنّ باب المفاعلة أنه يكون الفعل من الجانبين، المطالعة: أنا أطالع، الكتاب لا يطالع، ولكن يقال مطالعة باعتبار أنه أنا حينما أُقبل على الكتاب أقابله ويقابلني، أنا أعطيه من نفسي، والكتاب يعطيني من نفسه، يعطيني ما فيه من مواد، وهذا يُستعمل في اللغة العربية، فالتكاثر يعني: أنا أُكثر المال، والمال يُكثرني رغبة أو مجداً أو عزاً عند الناس، فكأن هناك تفاعل وتكاثر من الجانبين، ولكن التكاثر يُستعمل في التكثير فقط كما استُعمل في هذه الآية المباركة: اعلموا أنّ الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم (الحديد-20)، والتفاخر يعني المفاخرة، ثم: وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد (الحديد-20)..‏
فإذن: التكاثر يعني التكثير المستمر المتدرج، فيقول القرآن الكريم: ألهاكم التكاثر، يعني: أنتم التهيتم بالإكثار ليلكم ونهاركم وجميع ساعات يومكم، فالإكثار والإكثار والإكثار، الطمع الذي لا نهاية له، والنفس التي لا تقتنع بما تكسب من المال أو الجاه أو الولد أو التمتع.. أنتم تلتهون بهذه الأمور كما أنّ الغنم يلتهي بالمرتع والأعشاب التي حوله، دائماً الغنم يُقدم على العلف وعلى العشب حسب توصيف الإمام في خطبته المعروفة: "أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر؟ فو الله ما خُلقت كالبهيمة المربوطة همّها علفها وشغلها..".. ثم يشير الى هذه النقطة أنّ الحيوانات التي تلتهي بالأعشاب التي هي حولها وتنسى ما يراد لها، ألهاكم التكاثر يعني: محاولة الإكثار من المال والجاه والزينة.. ألهاكم ذلك حتى زرتم المقابر.. يعني: أنتم لا تتركون لأنفسكم مجالاً للتفكير بالمستقبل.. بالمصير، جميع ساعاتكم من يوم ولادتكم حتى يوم موتكم حتى دخولكم في القبر.. ملتهين بالتكاثر.. فإذن: ألهاكم التكاثر عن التفكير في مصيركم ومستقبلكم وحقيقة أمركم، وما تركتم فرصة ولا ساعة في جميع عمركم الذي يبدأ من يوم الولادة وينتهي يوم زيارة المقابر.. هذا معنى واضح..‏
المعنى الثاني يطابق مع تفسير آخر بأنّ التكاثر هو التخاصم بالكثرة، المنافسة بالكثرة.. يعني: شخصان أحدهما يبدأ بالكثرة والمجد على الآخر، والثاني يفتخر بالزيادة على الأول.. من الجانبين.. بـهذا المعنى أيضاً المعنى سليم، يعني: الإنسان يعيش في دنياه بالمنافسة في الكثرة والمسابقة على الكثرة، دائماً الى أن يموت، ويقال في وقت نزول هذه الآيات أنّ قبيلتين من قبائل قريش هما "بنو عبد مناف بن قصي" و"بنو سهم بن عمر" كانوا يتباحثون في الإكثار والمجد والعدد، فكل قبيلة كانت تدّعي الكثرة لنفسها، فهناك حصل بحث عميق طويل، فإحدى القبيلتين قالت أو قال ممثلها بأننا في الأيام السابقة قُتل منّا عدد كبير في المنازعات والمخاصمات، ولو لم يكن هناك قتلى لكنا نحن أكثر عدداً وقوة منكم، ولهذا ذهبوا وعيّنوا ممثلين حتى يذهبوا الى المقبرة، الى الجبّانة ويعدّوا عدد الموتى: أنّ هذا قبر فلان ابن فلان من بني "سهم بن عمر"، وهذا قبر فلان بن فلان من بني "عبد مناف بن قصي"، عدّوا أمواتهم، وزادوا الأموات على الأحياء حتى يروا أي قبيلة أكثر، حتى إحدى القبيلتين طلع لها ثلاث بيوت أكثر من القبيلة الثانية، هذا المعنى أنه هناك تكاثر وتنافس في العدد ولو بضمّ عدد الأموات، وهذه باصطلاح الأصوليين الغاية الداخلة في المغياة، يعني: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، يعني: حتى وصل التكاثر بينكم الى أن تزوروا المقابر حتى تروا أي واحد منكم أكثر (ولا تعني أنه أنتم متّم)..‏
في المعنى الأول الغاية خارجة عن المغيّاة، يعني: ألهاكم التكاثر الى أن تموتوا، بعد الموت ما من تكاثر، أليس كذلك؟ لكن في المعنى الثاني: ألهاكم التكاثر والتنافس حتى مع زيارة المقابر واتخاذ زيارة المقابر مفهومية للتلاهي، مع أنّ الإنسان في المقبرة لازم يعتبر وينتبه للموت، أنتم تستعملون المقبرة أيضاً وسيلة للتكاثر والالتهاء.‏
الآية وردت في هذا الأمر، ولكن كما تعلمون فالقرآن الكريم معناه لا ينحصر بشأن النـزول ووقت النـزول، بل معناه أوسع، والحقيقة أنّ هذا المثل المرافق لدينا بين "بني عبد مناف بن قصي" و"بني سهم بن عمر" منافسة بسيطة وغير عميقة، والحقيقة أنّ هذا المثل مثال ظاهر وبسيط للمشكلة، المشكلة أعمق من هذا، هذا المثل شائع حتى في أيامنا هذه، هناك أناس يتنافسون ويفتخرون ويتكاثرون بالمقابر، فلان يقول: أنا إبن فلان إبن فلان، ماذا يعني أنت فلان ابن فلان ابن فلان؟ يعني أنت تفتخر بفلان وفلان الذي مات؟ بأي شيء تفتخر؟ هو مات، تأمل نفس المعنى، لكن بوقت نزول الآية كانت المنافسة بسيطة وبدائية، والآن تحولت وتطورت الى معانٍ أعمق، فالناس يفتخرون بالعائلات والأجداد وبالماضين من أسَرهم، هؤلاء ألـهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، ليس بالضرورة زيارة المقابر بالذهاب لزيارة القبور والتحدث عن الأموات، هذا المعنى الثاني..‏
المعنى الأول: ألهاكم التكاثر يعني الإكثار المستمر الدائم الذي يُلهي عن التفكير بالمصير الى أن تموتوا..‏
والمعني الثاني: ألهتكم المسابقات والمنافسات والتفاخر حتى تتفاخروا بالأموات سواء أكان على طريقة "بني عبد مناف بن قصي" ومنافسيهم بأنهم زاروا المقابر حتى يحصوا عدد الأموات، أو على طريقتنا المعاصرة أنه نفتخر بالأموات، وهذا المعنى الثاني وارد في كلمة للإمام في النهج، وهي جميلة جداً ككل كلمات الإمام، ولكن أحب أن أقرأ لكم هذه الفقرة، يقول الإمام بعد قراءة هذه الآيات: "يا له من مرام ما أبعده، وزوراً (يعني: زائراً) ما أثقله، وخطراً ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدّكر (اعتبروه خالياً من أي تذكّر وعبرة: المقبرة)، وتناولوه من مكان بعيد (..) أفبمصارع آبائهم يفخرون؟ (مصرع يعني مقتل)"، تأمل الإمام (ع): يعمّم الفكرة، ليس فقط أعدادهم: حتى يدّعي أنا كان عدد قبيلتي خمسون أو ستون، حتى أنا إذا افتخرت بأبي فأبي ميت الآن، الآن أنا ما دخلي من أبي إلا قبره؟، إذا قلت أنا إبن فلان، ما معناه؟ معناه أنه أنا أفتخر بهذا الفخر (أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعبيد الهلكى يتكاثرون؟)، "عبيد الهلكى" يعني: يعدّون الهالك، "أفبمصارع آبائهم يفخرون؟"، الفخر بالمصرع.. بالموت.. "أم بعبيد الهلكى يتكاثرون"، يعني: يُكثرون عدد أنفسهم بتعداد الأموات.. "يرتجعون منهم أجساداً خوَت".. تفتخرون بالأموات وتسترجعون وتكتسبون من الأموات.. ماذا يعطيكم الأموات؟ أجساداً خوَت، أجساد خاوية، يعني: خالية.. هالكة.. وحركات سكنت، "ولأن يكونوا عبراً أحق من أن يكونوا مفتخَراً، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلة أهدى من أن يقوموا بهم مقام عزة"، جناب يعني العتبة، يقول بواسطة الأموات: فلينـزلوا من كبريائهم الى مقام الذلة، مقام الاعتبار (عبَراً) فسّره بأن الموت ليس مصير آبائهم وأجدادهم، بل هو مصيرهم أيضاً، يعني: من هذا الكبرياء والعتو فلينـزلوا الى أعقاب الذلة، يعني: إذا خضعوا وذُلوا يكونوا أكثر تعقلاً وأهدى من أن يقوموا بهم مقام عزة بأنهم يفتخرون بالأموات فيصلون الى مقام العز، "لقد نظروا إليهم بأنظار العشوة وضربوا منهم في غمرة الجهالة، ولو استنطقوا عنهم (ولو فعلوا وسألوا وأنطقوهم) عرصات تلك الديار الخالية والربوع الخالية (يعني: لو تُرك المجال لتلك الديار والربوع الخالية لو استنطقوهم) لقالت: ذهبوا في الأرض ضُلاّلاً وذهبتم في أعقابهم جُهّالاً".. ثم يقول: "تطأون في هامهم".. بمن تفتخر وأنت تطأ في هامه؟ (يعني: قمة الرأس)، على اعتبار أنه عندما نمشي في الجبّانات فرؤوس الأموات تحت أرجلنا وتحت أقدامنا.. "تطأون في هامهم وتستنبتون في أجسادهم".. يعني: تزرعون النبات والأشجار في الأجساد (باعتبار أنّ هذه المقابر التي زرعت زرعت النبات على الأجساد).. ثم يعبّر تعبيراً لاذعاً (الإمام بكل أدب) ويقول: "وترتعون في ما لفظوا" (اللفظ: الرمي من الفم.. شخص يأكل ويلفظ البقية)، كل إنسان يستقرف ويستقذر ما يلفظه الآخر من فمه، يقول الإمام: "ترتعون في ما لفظوا"، هم رموا البقية الباقية من الجسد، وأنتم استنبتوهم ثم ترتعون فيه وتسكنون في ما خربوا..‏
فإذن: هذه الكلمة من الإمام كذلك تؤدي التفسير الثاني أن ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر: الغاية داخلة في المغياة، يعني: الآية الكريمة تقصد أنّ المنافسة والمسابقة ومحاولة السبق والتفوق من كل فئة على الفئة الأخرى بلغت حداً يكون هناك تفاخر بالمصارع الهلكى وبعبيد المقابر، ألهاكم التكاثر الى درجة زيارة المقابر والافتخار بها.‏
وعلى كل حال: كلا الموضوعين وكلا التفسيرين معنى حقيقي واحد، هذا المعنى هو أنّ الله سبحانه وتعالى ينذر عباده فيقول: أنتم التهيتم، تصبحون وتمسون وجميع وقتكم وأفكاركم وطاقاتكم وجميع هذه مصروفة في التكاثر، محاولة الإكثار: تريدون أن تكسبوا مالاً أو جاهاً.. زينةً ونعمةً وقوةً وأولاداً، حتى يجوز أن نقول أنّ التكاثر بالعلم أيضاً، لأنّ العلم الذي لا يكون لله هو مادة وظلمة، المقصود أنكم أيها البشر يجب أن تخصصوا لأنفسكم وقتاً للتفكير في المصير، من أين؟ والى أين؟ ماذا يراد بكم؟ ماذا سيحدث معكم في المستقبل؟ يعني: فقط تسعى لتحصل على خمسة أو عشرة أو خمسين؟.. تحصّل هذا المجد؟.. تحصّل هذه الكلمة أو تلك الكلمة؟ وانتهى؟ هذه هي الدنيا؟ كلا: ردع طبعاً.. كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون.. كلا (..) هذه اللوحة وهذا التعبير الرائع الموجع (..) والسوط المدوّي (..) تتكرر ثلاث مرات: كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، إذن: أنتم تعلمون في هذه الدنيا علم اليقين، العلم يعني معرفة الشيء، يعني اكتشاف الشيء، واليقين يعني قاطعية العلم.. عدم دخول الشك في العلم.. التأكد من الشيء..‏
علم اليقين يعني: أعلم شيئاً من دون الرؤية، ولكنّي كأنّي أراه، مثلاً: الآن أنا أعلم بأنّ في النصف الآخر من الأرض نهار، أنا أعلم بأنّ هناك جماعة في الحرب في بعض المناطق الأرضية، أعلم بأنّ هناك قوافل من الحجّاج ذهبوا وقوافل سوف يذهبون، مع أنّي لا أراهم.. هذا علم اليقين، يعني: واحد يعلم ولا يشك ولا يشتبه في معلوماته، يقول القرآن: كلا لو تعلمون علم اليقين، يعني إذا كان عندكم العلم الحقيقي، العلم الواقعي، العلم الذي لا يشوبه شك.. لترون الجحيم.. هنا في هذه الدنيا: لو كان عندكم علم كنتم ترون الجحيم والنتائج التي تصلون إليها بعد الوفاة..‏
إنذار: يريد أن يقول أنه أنتم ملتهون، ولكن لو كان عندكم علم، لو كان عندكم وعي لكنتم تنظرون بعين البصيرة الى ما بعد هذه الحياة من النار، ثم لترونها عين اليقين: لكنتم ترون الجحيم بعلم اليقين، يعني اليقين الحاصل من العين في الرؤية، فإذن لو كان عندكم معرفة صحيحة لكنتم تعلمون ما هو مصيركم بعد هذه الحياة الدنيا قبل أن ترونها بعينكم وببصركم في يوم القيامة، اختصاص الإنذار مقابل هذا الالتهاء لأنّ الإنسان الذي هو‏
في غفلة يهزّه ويحرّكه الإنذار أكثر من الرحمة، لا شك أنّ الله سبحانه وتعالى كما أنه يعذّب بالنار فإنّه يُنعم بالجنّة أيضاً، وكما أنه عادل وجبّار، فهو رؤوف رحيم، ولكن ماذا يعمل محمد (ص) والجماعة ملتهين بالتكاثر؟ يلزمهم شيء من التخوف والهزة والانفعال حتى لا تكون القضية فلتانة بهذا الشكل، ولهذا يذكر النبي (ص).. يعني: يذكر القرآن الكريم قضية الجحيم فقط، فإذن: أيها الناس المهتمين بالتكاثر أنتم لو كان عندكم بعض وعي لكنتم تعلمون ماذا وراء هذه الدنيا، ثم بعد الموت.. كنتم ترون ما وراء هذه الدنيا..‏
ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم: يوم القيامة أنتم مسؤولين عن النعم التي أنعمها الله عليكم، هذه الجملة مورد بحث المفسرين بشكل واسع، ووارد في الروايات أنه ما المراد من النعيم؟ النعيم هو النعمة طبعاً..‏
كثير من الروايات تشرح أنّ النعيم يعني الصحة والأمان، بعض الروايات تقول أنّ النعيم يعني الماء البارد والعسل المصفّى، بعض الروايات تذكر غير هذه المعاني، لا شك أن نِعم الله كثيرة، لماذا وردت هذه الجملة بعد هذه الآيات الكريمة؟ ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم.. الله سبحانه وتعالى يريد أن يُنذرهم ويقول: أيها الناس الملتهين بالتكاثر.. أمامكم النار.. لماذا لتُسألنّ يومئذٍ عن النعيم؟..‏
أولاً: زيادة الإنذار والتأكيد والتقريع والهزء من الملتهين بدنياهم، ثم هناك نقطة، هذه النقطة لطيفة أنّ القرآن عندما يقول: ثُمّ لتُسألنّ يومئذٍ عن النعيم يقصد أنّ المال، الجاه، زينة الحياة، اللعب، كل هذه المسائل (..) هي نِعم من الله، يعني: هذه الأشياء التي كانت تلهيكم في هذه الدنيا هذه نِعم من الله.. المال نعمة، والجاه نعمة، والزينة نعمة، والعلم نعمة، الأكل والشرب، كل شيء نعمة، لكن نحن لا نريد أن تلتهوا بالتكاثر، يعني: نحن نريد أن تضعوا الأمور في مواضعها، ولا تخرجوا عن نصابها وحدودها، تمتع بدنياك: قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق (الأعراف-32)، هذه الأمور كلها نِعم من الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس المطلوب أن تتكاثر وتلتهي وتحاول أن تغفل عن كل شيء ما عدا الأكل والشرب، بل عندما تأكل أو تشرب أو تلتذ بالمال تنتبه بأنّ هذه نعمة من الله، فيجب عليك شكر النعمة، ويجب عليك أداء الأمانة، لأنها من الله، الله أعطاك، وأنت أمين على هذا المال، ويجب أن تصرفه في مصارفه، ويجب أن تشكر الله سبحانه وتعالى (..) فمن يستعمل هذه النِعم من دون أن يشكر صاحب النعمة ومن دون أن يؤدي الأمانة هو مسؤول عند الله، وهذه زيادة عذاب على عذابه في يوم القيامة..‏
نرجع الى كلمة من الإمام سلام الله عليه، الكلمة التي طالما يستشهد بها بالنسبة للنعمة وبالنسبة للتكاثر، يقول الإمام: "ليس الزهد أن لا تملك شيئاً، بل الزهد أن لا يملكك شيء".. أنت املك ما تريد، وهذا لا يتنافى مع الزهد، ولكن المهم أن تكون أنت المالك لا أن تكون أنت المملوك، يعني: أنا يمكن أن يكون لي أموال كثيرة (أموالي)، وأتصرف بأموالي، وأستفيد من مالي في ترتيبي وترتيب أولادي وكسب الجنة لنفسي والمساعدة للناس، يعني: أستعمل المال كوسيلة لي، لكن أحياناً أموالي تملكني، هذا متى يصير؟..‏
كثير من الناس هم في الحقيقة سكرتارية عند أموالهم، عنده أموال وعنده بساتين وعنده مصالح كثيرة، همّه أن يسجّل هذه الأشياء، يحسبها، ويطلع وينـزل ليحصي كم دخل وكم خرج، وبهذا هو محاسب عند أمواله، يعني: مملوك، ولهذا لا يقدر أن يتصرف في مالكه، الذي هو أمواله، هناك أناس مسيرهم وعشرتهم وخطهم‏
وتفكيرهم.. كل ذلك يتحدد حسب المال.. كم هي قريبة للذهن هذه الفكرة؟، (مثلاً) أنا لا أملك شيئاً من المال أو الجاه أو أي شيء.. أعيش مع الناس العاديين.. بعدما أملك تختلف عشيرتي ، فإذن: مالي يقرر أصحابي، لا أنا، أنا عندما أملك ألبس شيئاً، وعندما أتمول ألبس شيئاً آخر، لا شك أنّ الله يجب أن يرى آثار نعمته على عبده، ولكن مع ذلك فالإنسان حينما يملك مالاً أو جاهاً أو كرسياً أو قوة أو أولاداً أو علماً.. هذه المملوكات تؤثّر فيه وتغيّر اتجاهه، في الحقيقة هو مملوك لهذه الأشياء، فالنعمة من الله لك، ولست أنت لنعمتك (..)..‏
أما في تفاسيرنا مثل نور الثقلين وتفسير البرهان وتفسير الصافي وغير ذلك، فهناك روايات متواترة تقول: يسأل الإمام الصادق (ع) أبا حنيفة (إمام الحنفيين) فيقول: بماذا تفسّر النعيم بقوله تعالى: ثُمّ لتُسألنّ يومئذٍ عن النعيم؟.. فيقول أننا نفسّره بالماء البارد والعسل المصفّى والقمح واللحم، أو (مثلما قلت لكم في روايات كثيرة) بالصحة والأمن، فيقول الإمام له بأنني أعتقد أنّ الله أكرم من ذلك، فأنت لو أنعمت على عبيدك ببعض هذه الأشياء، أو إذا ضيّفت جماعة كانوا ضيوفك بعض الأشياء.. هل تحاسبهم عليها بعد ذلك؟ طبعاً لا، فيقول: كيف تقول أنّ الله سبحانه وتعالى يحاسب عباده على الأكل والشرب والملابس، فيقول له: وماذا يقصد؟ فيقول: "إنّ النعيم ولايتنا، إنّ النعيم هو طريق الحق ومذهب الحق ونور الولاية".. هذا بحث مستقل أتركه للأسبوع القادم لأنني أحب أن أوضح هذه النقطة..‏
هناك كثير من الروايات هنا وفي غير هذا المكان تشير الى هذه المعاني، قد يبدو على بعض الشباب أنّ هذه مبالغات، هناك روايات كثيرة حول الإيمان بالولاية وأنه أعم من البشر، وأنه يشمل النباتات والحيوانات والشمس والقمر، هناك أحاديث كثير تقول: "ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية"، أحب أن أشرح هذه النقطة وأهمية الولاية في حياة الإنسان حتى نعرف أنه كيف هذه النعمة هي أهم النِعم؟ وكيف أنّ هذه النعمة يمكن أن يكون الإنسان مسؤولاً عنها؟ وكيف أنّ الشمس والقمر والنباتات آمنوا بها؟ وكيف أنه ما نودي بشيء مثلما نودي بالولاية؟ نتركها للأسبوع القادم إنشاء الله..‏
وبعبارة موجزة: ألهاكم أيها البشر التكاثر والإكثار المستمر أو التنافس بالكثرة، حتى أنكم زرتم المقابر لأجل إثبات كثرتكم.. حتى متم وانتهيتم بعدما التهيتم في جميع أموركم.. كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، ثم يقول: كلا لو تعلمون علم اليقين، يعني: لو كان عندكم الوعي الصحيح لكنتم ترون الجحيم بوعيكم قبل أن ترونه بعينكم، ثم لتَرَوُنَّها عين اليقين، ثم لتُسئَلُنَّ يومئذٍ عن النعيم. صدق الله العظيم.‏
غفر الله لنا ولكم..‏
والسلام عليكم.‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان