المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة القدر الجزء الثالث للامام موسى الصدر

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، إنّا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنـزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كل أمر، سلامٌ هي حتى مطلع الفجر. صدق الله العظيم.
كنّا في تفسير سورة القدر، وبحَثنا حول معنى ليلة القدر حسبما يظهر من الآيات القرآنية والروايات الواردة عن طريق الأئمة، وذكرنا تفاسير ثلاثة لمعنى ليلة القدر، وعلى ضوء ما ذكرنا من التفاسير نرجع لنقرأ السورة المباركة: إنّا أنزلناه في ليلة القدر، يعني: نحن أنزلنا القرآن، وليس نزّلنا القرآن، (وأنتم) تذكرون ما قلنا عن الفرق بين الإنزال والتنـزيل، الإنزال هو النـزول الدفعي، والتنـزيل هو النـزول التدريجي، فليلة القدر ليلة تقرر جميع التعاليم الدينية الموجودة في القرآن الكريم، جميعها دفعة واحدة بصورة إجمالية نزلت على قلب رسول الله (ص)، فأصبح نبياً عالماً بالقرآن الكريم بشكل موجز، ولكن لم يكن مكلفاً بأن يلقي ويقرأ الآيات للناس إلا بعد الأمر، ونحن حينما نقول أنّ للقرآن نزولين (إنزال وتنـزيل) نتمكن أن نفهم هذه الآية بشكل واضح (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، يعني: القرآن الكريم كله دفعة واحدة نزل في ليلة القدر، وأما ثلاثة وعشرون سنة (مدة نزول القرآن) فهي مدة تنـزيل القرآن بالتدريج، وفي المرحلة الثانية كان النبي الكريم يبشّر ويبلّغ ويدعو الناس بالآيات..‏
أما الذين قالوا أنّ القرآن نزل دفعة واحدة فظلّوا في صعوبة من جهة تفسير هذه الآيات (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، كيف أنزلناه في ليلة القدر؟ وكيف أنزلناه في ثلاث وعشرين سنة؟ قسم منهم قال: إنّا أنزلناه يعني بدأ نـزول القرآن في ليلة القدر، وقسم منهم قال: ختمنا نزول القرآن في ليلة القدر..‏
ما يلفت النظر كلمة الضمير (إنّا أنزلناه) ولا يقول: إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، هذا نوع من التعظيم في اللغة العربية باعتبار نحن حينما نكبّر أحداً أو نعظّم أحداً أو نكبّر شيئاً أو نعظّم شيئاً نقول: حضر، جاء، شرّف.. من دون ما نسمّيه.. على أساس أنّ الضمير أبلغ في التعظيم، يعني: مع أنّ مرجع الضمير غير موجود (إنّا أنزلناه) فنحن أنزلنا ذلك الشيء الذي تعرفه والذي لا تغيب عنه، وهذا دليل عظمة ذلك الشيء طبعاً وتعبير تعظيمي أدبي لطيف..‏
إنّا أنزلناه في ليلة القدر، ثم: وما أدراك ما ليلة القدر، ما أدراك، يعني: كيف تمكنت أن تدرك، وماذا تعرف أنت عن هذا الشيء؟ ولكن تُستعمل هذه الكلمة في التعظيم أيضاً، يعني: حينما يريد القرآن أن يكبّر أيضاً ويعطي معنى العظمة والجلال لشيء يستعمل أسلوب السؤال، مثلاً: الحاقة، ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة، أو القارعة، ما القارعة، وأمثال ذلك.. هذا الأسلوب السؤالي يستعمله القرآن، والعرب يستعملونه كوسيلة لتحضير ذهن المستمع وتعظيم الفكرة أنّ هذا الشيء مهم ولا تعرف ما هو هذا من كثرة العظمة..‏
وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر: ذكرنا ما معنى خيرية ليلة القدر (خير من ألف شهر)، بالرغم من أنّ الكثير من الآثار يؤكد خيرية ليلة القدر من جهة الفضيلة والمقام، ولكن نحن فسّرنا خيرية ليلة القدر من جهة التأثير في التاريخ أنّ تأثير ليلة نزول القرآن على التاريخ البشري أكثر من ألف شهر، بشكل عام كمبالغة في الكثرة الكاثرة، أو ألف شهر يعني أيام حكم بني أمية (كما ورد في التفاسير الكثيرة)..‏
ثم يصف القرآن هذه الليلة وصفاً رائعاً لكي يجلب انتباه الإنسان للاستفادة من هذه الليلة في تاريخ البشر: تنـزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كل أمر، سلامٌ هي حتى مطلع الفجر..‏
تنـزّل: طبعاً الشباب يعرفون أنّ هذا بإسقاط التاء (تاء المضارعة)، يعني: تتنـزّل، أليس كذلك؟ تنـزّل لو كان ماضياً كان تنـزِل، تنـزّل الملائكة يعني: في هذه الليلة الملائكة بالتدريج وعلى دفعات وبصورة مستمرة تتنـزّل الى العالم، الملائكة والروح، ما هي الملائكة؟، وما هو الروح؟ لأنّ الروح كما يقولون تُذكَّر وتؤنَّث في نفس الوقت، الملائكة ما هي؟ والروح ما هو؟ طبعاً نحن لا نتمكن أن نجزم بمعنى من المعاني بالروح، ولا نتمكن أن نجزم بمعنى من المعاني بالملائكة، خاصةً إذا ما اعتمدنا أسلوب الرمزية والتفريط بالغيب، ونحن نؤمن بالملائكة، والإيمان بالملائكة جزء من الإيمان الإسلامي، لأنّ القرآن الكريم يقول: آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله (البقرة-285)، فالإيمان الإسلامي يتكون من الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل لا نفرّق بين أحد من رسله، يعني: الإيمان بجميع الأنبياء هو الإيمان الإسلامي، فإذن: إذا نريد الإيمان الكامل يجب أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ما هي الملائكة التي نؤمن نحن بها؟ طبعاً نحن كمؤمنين نؤمن بالملائكة كيفما كانت وأي شيء تكون..‏
كما أننا نؤمن بالله ولا نعرف حقيقة الله، نحن هل نعرف حقيقة الله؟ لا نعرف حقيقة الله، نحن نعرف صفات الله، نحن نعرف آثار صنع الله، لكن لا نعرف حقيقة الله، كذلك نحن نؤمن بالملائكة ولا ندري حقيقة الملائكة، ولكن نعرف آثار الملائكة وصفات الملائكة، ما هي صفات الملائكة وآثار الملائكة؟ نحن بإمكاننا أن نستخرج من القرآن الكريم صفات الملائكة وآثارها، نحن من أول القرآن نجد أنّ الملائكة كانوا يتكلمون مع الله، وكانوا يقولون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون (البقرة-30)، نحن نعرف أنّ الملائكة يسبّحون لله ويقدّسون لله، نعلم أيضاً: بعدما خلق لله آدم أبا البشر (ع) قال (سبحانه) للملائكة: اسجدوا لآدم، فسجدوا، فإذن: نحن نعرف أنّ مقام الملائكة يأتي بعد مقام آدم، ثم نقرأ في القرآن الكريم عشرات من الإشارات بالأشغال التي يمارسها الملاك، وإذا رجعنا بالأحاديث أيضاً نجد أشغالاً كثيرة تستند الى الملائكة، هل نتمكن من مجموع هذه الدراسات أن نصل الى شيء يوضح لنا حقيقة الملائكة أو أفعال الملائكة وصفات الملائكة؟..‏
أنا أقول لكم ما في ذهني، ولا أدّعي أنّ هذا هو الصحيح، ولكن هذه خلاصة ما درست وما فهمت من معنى الملائكة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف، الملائكة حسبما يُفهم من القرآن ومن الأحاديث عبارة عن عمّال ووسائل جند خاص بالله سبحانه وتعالى، يعني: الأعمال الكونية (هذا القسم) تقوم به الملائكة (..)، وقسم من الأعمال الكونية تلك التي نسميها "العوامل الكونية"، مثل ماذا؟ مثل الجاذبية، مثل الرياح، مثل الأمطار، مثل السُحب، مثل تأثيرات الشمس..‏
أليست عوامل كونية هذه الأشياء؟ القوة الجاذبية من فعل البشر؟ طبعاً لا، الجاذبية من العوامل الكونية،‏
مثلاً: تأثيرات الشمس، الإشعاعات، الجزر والمد، وضع الكواكب والأفق والبرق والرعد، هذه القوى الكونية الكثيرة الموجودة في الكون، هذه العوامل الكونية والآثار الكونية هي من فِعل الملائكة، ليست هي الملائكة كما يريد أن يقول أحد المفسّرين (أظن الطنطاوي)، ليست العوامل الكونية هي الملائكة، أبداً، بل الملائكة هي التي تستلم العوامل الكونية وتدير العوامل الكونية، فإذا نريد أن نذكر مثلاً الحاكم مع أجهزة الدولة على اختلاف درجاتها من أجهزة الحكم والقوى التنفيذية أو القوى التشريعية أو القوى القضائية أو قوى الأمن وأمثال ذلك من دون أن نشبّه نتمكن أن نذكر مثالاً: الكون والسماء والأرض، فالملائكة هي القوى، هي الأشياء والعوامل، هي الذوات والموجودات التي تستلم القوى الكونية..‏
آية في القرآن الكريم طُبّقت على الملائكة تقول: فالمدبرات أمرا (النازعات-5)، يعني: الملائكة التي تدبّر الأمر، والقرآن أكثر من مرة يشير الى تدبير الأمر، ويشير أيضاً القرآن الكريم بأنّ الملائكة تُنـزل السلام وتُنـزل الوحي، ويشير الحديث الشريف أنّ كل قطرة من قطرات المطر معها ملاكان، ماذا يعني ملاكان مع القطرة؟ إذا لاحظنا أنّ القطرة حينما تنـزل يكون معها قوّتان، معها عاملان، العامل الأول: لماذا القطرة تنـزل الى الأرض؟ لأنه تتأثر بالجاذبية، أليس كذلك؟ لماذا القطرة تنـزل الى الأرض ولا تطلع الى فوق؟ لأنّ جاذبية الأرض تجذبها، لا تقول: كيف ممكن أن تطلع القطرة لفوق؟ إذا لاحظت أنه ليس هناك فوق وتحت في العالم، لأنّ الكرة الأرضية بهذا الشكل، والغيوم الموجودة هنا تنـزل بهذا الشكل، كل شيء دون أطراف، لا فوق ولا تحت، هذا الذي أدّى الى أنّ "نيوتن" عرف نظرية الجاذبية، يقولون أنه كان جالساً في غرفته، فوجد تفاحة انقطعت من الشجرة ونزلت الى الأرض، ففكّر بأنه لماذا التفاحة نزلت الى الأرض، لماذا ما طلعت لفوق؟ إذا لاحظت أنّ الأرض كروية، فالتفاحة لماذا من هنا تنـزل الى الأرض؟، هذا الذي أدى الى رأي أنّ للأرض جاذبية تجذب الأشياء، وهذا الرأي الذي يفسّر الثقل ولماذا الأشياء ثقيلة (..)، الثقل ضغط الجاذبية، الجاذبية تجذبها، فأنا أشعر بالثقل، وإلا إذا طلعت لفوق وخرجت من تأثير الجاذبية فلا وزن لك (للإنسان)، هؤلاء الذين ذهبوا الى الفضاء حتماً قرأتم في المجلات والأخبار أنهم يفقدون الجاذبية، هناك: الإنسان يفقد الجاذبية، يعني: يفقد الوزن، فبإمكانه أن يقوم ويطلع وينـزل ويسرح ويمشي ويطير مثل ما يريد، (وهكذا:) الجاذبية هي التي تعطينا الوزن وتجعلنا ملتصقين بالأرض، فإذن، المطر: كل قطرة تنـزل لأن معها الجاذبية..‏
ثم هناك قوة ثانية هي قوة ضغط الجو، هذه القوة هي التي تعمل القطرة بشكل كرة، لماذا القطرة بشكل الكرة وليست بشكل المربعات والمكعبات أو طويلة؟ خذ كمية من الماء وصبّها على الأرض وصبّ على السماء وعلى الجو، ستجد أنّ القطرات تتحول الى كرة، أليس كذلك؟ لماذا تتحول الى كرة؟ لأنّ الضغط من جميع الجوانب متساوٍ، فتصبح القطرة كروية، فإذن: مع كل قطرة (يوجد) عاملان من العوامل الكونية: عامل الجاذبية التي تجذبها، وعامل الضغط الذي يحفظها ويصونها ويوصلها للأرض، لو لم يكن هذا العامل والضغط لكان ينتشر بالفضاء وما كان يصل الى الأرض أبداً، أليس كذلك؟..‏
فإذن: مع كل قطرة (يوجد) ملاكان، ملاكان ماذا يعني؟ يعني: يؤثر ملاكان على هذه القطرة نتيجةً لقوة الجـاذبية ونتيجةً لقوة ضغط الجو، من هنا نصل الى هذه النقطة بأنّ الملائكة فعلها وعملها إدارة الكون والعوامل‏
الكونية، والملائكة تقوم بأعمال كثيرة في الدنيا وفي الآخرة، والقرآن الكريم في أماكن عديدة يشير الى هذا البحث، فالملائكة بإمكاننا أن نفسّرها بالمدبّرات للقوى الكونية، أكرر بأني لا أقول أنّ العوامل الكونية هي الملائكة، بل أقول أنّ العوامل الكونية هي من صنع الملائكة وبتصرف الملائكة، وهكذا نفهم سجود الملائكة للإنسان أنه حينما سجدت الملائكة يعني جعلت القوى الكونية في تصرف الإنسان، فيتمكن الإنسان من استغلال هذه القوى ومن التأثير في هذه القوى ومن التصرف بهذه القوى عن طريق العلم، وهو بحث آخر نذكره في محله.‏
فإذن: الملائكة جنود الله، الملائكة موظفو سلطان الله، الملائكة عناصر حكم الله، سمّه ما شئت، لا نعرف حقيقتها، ونعرف أنهم سجّد لا يركعون، وركّع لا يسجدون، يطيعون الله ولا يعصونه، يسبّحون ويقدّسون بحمده، ويدبّرون الأمور ويديرون الشأن.. فإذن: جميع ما يجري من الأفعال في الكون ما عدا الأفعال التي تصدر عن الإنسان هي من صنع الملائكة أو من فعل الملائكة، هذا الذي نفهمه من معنى الملائكة.. من تفسير الملائكة وصفاتها وأعمالها..‏
أما الروح، ما هي الروح؟ حسب التفاسير الواردة في كثير من كتبنا التفسيرية: الروح كبير الملائكة، ولهذا عطَفها القرآن بالملائكة في أكثر من مكان: تنـزّل الملائكة والروح و يوم يقوم الروح والملائكة.. الروح والملائكة، الروح في هذا الاصطلاح غير روح الإنسان، معنى آخر، الروح يعني كبير الملائكة، وذكرت الأحاديث أوصاف كثيرة للروح، وفي بعض الأحاديث أنّ الروح هو جبرائيل، ولكن أيضاً أستنبط من هذه الآية ومن غير هذه الآية أنّ الروح كناية أو تعبير عن إرادة الله المباشرة، فهناك أفعال تصدر بواسطة الملائكة، بواسطة سكرتارية الله إذا صح التعبير، وهناك أعمال يقوم بها الله مباشرةً وبإرادته، الروح التي تنـزل في هذه الليلة المقصود منها عناية الله وتصرف الله المباشر..‏
في الكون: نفس الروح التي نفخها الله في آدم، فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (ص-72)، يعني إعطاء الروح لآدم والمسيح أو للإنسان، إعطاء هذا الروح أرفع من أن يسيطر عليه الملائكة، أرجو الانتباه: العوامل الكونية كلّها من تصرف الملائكة، والملائكة سكرتارية الله يتصرفون في هذه العوامل الكونية، ولكن هناك أشياء أهم من إمكانات الملائكة وفوق الملائكة، فنحن نعلم أنّ الملائكة سجدت لآدم بعدما نفخ الله فيه من روحه، فإذن: الروح أشرف من الملائكة، لأنّ الملائكة سجدت لإنسان بعدما نفخ الله فيه من روحه، لا نقدر أن نقول أنّ الروح هي من الملائكة، نقول: الروح تعبير عن الإرادة الإلهية المباشرة، يعني: الذي يقوم به الله مباشرةً، إرادة الله هي الروح، وملائكة الله هم سكرتارية الله سبحانه وتعالى، طبعاً: هذا التفسير له أدلة كثيرة، لكن أنا ألخّص لكم هذا الموضوع الذي استنتجته من المطالعة في هذه الآيات، وعندما نصل الى الآيات المباشرة في هذا الموضوع نتحدث فيها بشكل أوسع..‏
تنـزّل الملائكة والروح، يعني: القوى الإلهية، الجنود الإلهيين، إرادة الله ترتبط في هذه الليلة بالأرض، ليلة القدر هي ليلة ارتباط مباشر بين الأرض والسماء..‏
تنـزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كل أمر سلامٌ هي حتى مطلع الفجر، هذه اللوحة التي تُرسم في هذه السورة المباركة تبيّن جلال هذه الليلة العظيمة التي هي فوق مستوى إدراكنا..‏
وما أدراك ما ليلة القدر: هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر، هذه الليلة التي تنـزّل فيها الملائكة والروح من كل أمر، هذه الليلة التي هي سلام حتى مطلع الفجر.. ليلة عظيمة.. اغتنموها..‏
على أحد التفاسير الذي قلنا فإنها (ليلة القدر) ليلة نزول القرآن، فإذن: ليلة تحديد الحلال والحرام، ليلة تبيين كل شيء، ليلة التشريع الإلهي والسعادة الخالدة البشرية، ليلة السلام الذي لا يحصل إلا من تكثيف أحكام الإسلام، ليلة الدستور الإلهي القرآني، فإذا احتفلنا في هذه الليلة وأحيينا ذكريات هذه الليلة فإننا نرتبط بهذه المناسبة ونعيش في جو من المناسبة ونجدد عزمنا وسيرنا وسعينا ومحاولاتنا لأجل البقاء في هذا الخط الذي هو السلام والخير والفضيلة وفوق مستوى إدراك الإنسان من كثرة المقام..‏
وقلنا (في تفسير آخر) أنّ ليلة القدر هي ليلة كمال الإنسان نتيجة الصيام والرياضات الروحية، وقلنا (في تفسير ثالث) أنها ليلة استجابة الدعاء.. مهما قلنا فهي ليلة عظيمة فيها من الجلال والعناية الإلهية والتوجّه الربّاني إليها ما ليس في غير هذه الليلة، لأنّ فيها الكثير من الفضائل، أولاً: عظمة هذه الليلة المتجلية في كلمة القدر، ثم عظمة هذه الليلة التي يعبّر عنها القرآن: وما أدراك ما ليلة القدر، وأنها خير من ألف شهر، وأنّ الملائكة والروح تنـزّل فيها، وأنها سلام حتى مطلع الفجر، هذه الشروح والنتائج نتيجةً لمقام هذه الليلة التي ذكرناها في تفاسيرنا الثلاثة السابقة..‏
فإذن: تقديرها وإحياؤها مفيد وضروري وإعادة للشعور والنشاط والحماس الديني في نفس الأمة، ولهذا جعل رسول الله إحياء هذه الليلة من أفضل الأعمال والدعاء في هذه الليلة من أفضل الأعمال، ولكن حينما سُئل: هل هناك في ليلة القدر عمل أفضل من الدعاء؟ أجاب بأنّ طلب العلم في هذه الليلة أفضل من الدعاء.. أقول هذه الكلمة لأجل الشباب الذين يطلبون العلم حتى يعرفوا أنّ دراستهم وتعلّمهم للعلم أفضل من الدعاء، لأنّ في العلم دعاء حقيقي..‏
هذه خلاصة من سورة إنّا أنزلناه في ليلة القدر ذكرناه بما يسع المقام، وإنشاء الله الأخوان أيضاً يحاولون أن يطالعوا ويحفظوا ويفسّروا لأنّ القرآن الكريم كلما فُكّر فيه يُفهم منه أكثر وأكثر..‏
غفر الله لنا ولكم..‏
والسلام عليكم..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان