المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة العصر الجزء الثاني للامام موسى الصدر

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، والعصر، إنّ الإنسان لفي خُسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. صدق الله العظيم.
كان حديثي حول سورة العصر، وبحَثنا عن اليمين المبتدأ به في السورة: والعصر، إنّ الإنسان لفي خُسر، ولماذا اليمين تعلّق بكلمة العصر، ثم في معنى كلمة إنّ الإنسان لفي خُسر، وقلنا أنّ الخسارة في الإنسان وللإنسان شيء طبيعي لأنّ الإنسان مع كل يوم يفقد جزءاً من عمره ومع كل ساعة يقترب الى موته، ولا شك أنّ العمر هو رأس مال الإنسان، فالإنسان بطبيعة الحال في خسارة، يعني مثل جبل من ثلج تحت الشمس، كل لحظة يذوب هذا الثلج، وكل ساعة تقلّ كمية الثلج، على هذا الأساس: لا تحتاج كلمة إنّ الإنسان لفي خُسر الى أي تفسير آخر، ومعناها واضح، ومع ذلك فمن الممكن توضيح هذه الجملة بمعنى آخر، وهو أنّ الإنسان حينما يولَد يولَد على الفطرة، وفطرة الإنسان مخلوقة على الخير، وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في آية فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها (الروم-30): ديناً حنيفاً.. فطرة الله.. توضيح بدل بيان باصطلاح النحويين، بيان في الحقيقة، فطرة الإنسان.. خلقة الإنسان.. صُنع الإنسان على الدين الحنيف، يعني: المستقيم السليم المحب للخير، يكره الشرك، يسلك السبيل الصالح، وفي آية أخرى: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة (البقرة 138). هذه الماكينة الإلهية التي نسمّيها الإنسان هي مثل ماكينات الشركات، وكل ماكينة لها لون ولها هيئة ولها موديل، هذه الماكينة الإلهية (التي اسمها الإنسان) الله سبحانه وتعالى خلَق لها موديل (شكل)، هذا الموديل أو الصبغة أحسن صبغة: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، وفي مكان ثالث: فتبارك الله أحسن الخالقين (المؤمنون-14) حينما يأتي القرآن الكريم على كلمة ثم أنشأناه خلقاً آخر (المؤمنون-14)، يعني: عندما يكتمل الخلق الإنساني، عندها يقول الله: تبارك الله أحسن الخالقين.‏
المفهوم من هذه الآيات أنّ الإنسان بحسب الفطرة سليم وطيب، وهذا رأي فلسفي، لأن هناك فلاسفة يقولون بأنّ الإنسان مفطور على الشر، يقولون بأنّ الطفل مفطور على الشر، ومجرم بالأصالة، آراء فلسفية معروفة، في هذا الحقل يؤكد القرآن الكريم أنّ الإنسان مفطور على الخير، والروايات تؤكد هذه الحقيقة بأنّ الإنسان خُلق صالحاً، خُلق مستعداً للكمال في كل جانب، فإذن: في اليوم الأول كان الإنسان صالحاً خيّراً بالذات، ولكن بالقوة، طبعاً: الأخوان الذين درسوا المنطق يعرفون معنى القوة، القوة مقابل الفعل، الشجرة شجرة بالفعل، ولكن البذرة شجرة بالقوة، هذه البذرة شجرة لكن بالقوة، يعني: تصلح أن تكون شجرة، بينما الشجرة هي شجرة بالفعل، هذه البذرة إذا أفسدناها بالطرق العلمية تفقد القوة، فتفقد هذا الاستعداد.‏
الإنسان خيّر بالقوة، يعني ماذا؟ يعني الإنسان المخلوق عنده استعدادات أن يكون خيّراً في جميع الجوانب: في العلم، في الثقافة، في القوة، في الرياضة، في كل شيء.. الطفل قابل لأن يكون صالحاً، فالطفل قابل لأن يكون "باستور".. لأن يكون "آينشتاين".. لأن يكون مجرماً كبيراً أو صالحاً كبيراً أو عالماً كبيراً، الطفل قابل لكل شيء.‏
هذا الرأي مقبول من قبَل العلم الحديث كما قلنا في مقدمة العقائد، وعلماء تاريخ الأديان يقولون أنّ الإنسان يعرف الدين بفطرته.. لا أنّ الدين عقدة نفسية أمام الخوف والعدل، هذا بحث آخر، يعني: ما قلته وما نسمعه من القرآن الكريم حول صلاحية الإنسان وكمال الإنسان الفطري وكونه عنصراً خيّراً.. هذا الشيء يؤمن به العلم الحديث أيضاً (..)، فإذن: الإنسان الأصلي المولود طيب، وحينما يعيش، فإذا سلك هذا الطريق الذي فيه شروط أربعة: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، عندها يكون مختلفاً عن الإنسان غير المؤمن أو غير الصالح أو غير المتواصي بالحق أو غير المتواصي بالصبر، هذا الإنسان حينما يسلك سبيل الحياة يفقد الشيء الكثير من الاستعدادات الطبيعية، من باب المثل: هذا التراب والحديد الموجود في الأرض إذا أعطيناهما لمهندس خبير يعمل منهما بناية حلوة، بينما إذا أعطيناهما لمهندس "غشيم" يُفسد البناية ويعمل بناية غير صالحة.. وبعدما نستعمل الترابة والحديد في هذه البناية فإنّ هذه المواد تتلف، أليس كذلك؟ لا نقدر أن نهدم من جديد ونبني بناية جيدة (بنفس المواد)، فإذن: نقدر أن نقول أنّ الحديد والتراب حينما كان على الأرض وبشكل خام كان أحسن منه عندما استُعمل، مع أنه استهلك شغلاً وجهاداً وصُرف فيه عمر لكل تلف، ولهذا فقيمة التراب والحديد على الأرض شيء، وقيمته في البناء غير المأهول أو الفاسد أقل.. أقل بكثير..‏
هذا المثل الواضح يعطينا فكرة على أنّ الإنسان طيب في حد ذاته، الطفل البريء الصالح يمكن أن يطلع منه كل شيء، هذا الإنسان بعدما انحرف وبعدما كبِر ولم يستعمل هذه الكفاءات وهذه القوة وصار بناءً غير صالح، يعني: خسر الكفاءات التي كانت موجودة عنده، أليس كذلك؟ فإذن: نقدر أن نقول إنّّ الإنسان لفي خُسر، يعني: هذا الإنسان الذي يُبنى إذا لم يكن على أساس الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فيكون مثل الترابة والحديد المستعمَلان بيد مهندس غير صالح غشيم، فتتلف، لم يعد لها قيمة..‏
يتلخص ما قلت في هذه الجملة أنّ الإنسان المولود في أول حياته له كفاءات وطاقات، فيصلح أن يكون عالِماً أو فيلسوفاً أو مربياً أو كل شيء.. لكن إذا انحرف وسلك سبيلاً غير السبيل الصحيح فهو في الحقيقة يفقد حتى الكفاءات الأصلية التي عنده، فإذن: الإنسان لفي خُسر، إلا الذين آمنوا، يعني ما عدا هؤلاء، الإنسان في خسارة، يعني: يكبر عشرين أو ثلاثين سنة، والطفل الصغير أشرف منه وأكثر كفاءة منه: مثل الترابة غير المبنية التي هي أشرف من الترابة المبنية، هذا معنى آخر لـ "إنّ الإنسان لفي خُسر"، وهناك معنى ثالث لـ إنّ الإنسان لفي خُسر..‏
سأذكر مثلاً أوضح للتفسير الثاني، وهو أنّ الإنسان يقصد بلداً بعيداً، فيَصل أمام مفترق طرق، يمكن عندها يصل الى المفترق بينه وبين الغاية عشرة كلم، فإذا وقف هنا فهو قريب من الغاية، لكن إذا سلك سبيلاً منحرفاً فكل ما سلك وكل ما جاهد وكل ما سعى وكل ما صرف من الوقت يبتعد عن الغاية.. يا ليته كان واقفاً ولم يمش، فالسعي والجهد يضرّه ويُبعده عن الغاية..‏
نرجع الى المعنى الثالث: الإنسان في خُسر، لماذا؟ لأنّ الإنسان عنده طاقات متنوعة، هذه الطاقات تتلخص في عنصر الخير وعنصر الشر، وكما نعلم أنّ عنصر الشر في الإنسـان أيضاً كمال، لماذا؟ لأنّ الإنسان لو لم يكن عنده عنصـر الشر لكان مسيَّراً نحو الخير، ما كان يعرف الشر، لكان الإنسان مثل النحلة، النحلة لا تعرف إلا‏
جباية العسل، ولا تقدر أن تعمل عملاً ثانياً، الإنسان لولا أنه يهتدي الى الشر لكان مسيَّراً، لكان آلة، لما كان خليفة الله، الإنسان عرِف الشر، وهذا فضل من الله، ولهذا القرآن الكريم في مكانين يقول: ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها (الشمس / 7-8)، يعني: ربّ النفس وخالق النفس ألهمها فجورها وتقواها، يعني: كما أنّ التقوى للنفس من ملهمات الله فأيضاً الفجور من إلهام الله، أرشدها الى الجانبين، حتى يكون باختياره: قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها (الشمس / 9-10)، حتى يكون الخير بملء إرادتك والشر بملء إرادتك، وفي مكان آخر القرآن الكريم يقول: فهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة (البلد / 10-11)، هديناه النجدين.. طريقين.. طريق الضلال، وطريق الهداية..‏
فالإنسان مكوّن من عناصر، تتلخص العناصر في عنصر الشر وعنصر الخير، وهو يعيش في عالم، فإذا كان في خطه وسيره الطبيعي، وإذا كانت العناصر الأصلية الموجودة، وكان هو متجهاً نحو الخير، فإنه يكتمل ويتكامل، ولكن إذا لم يسلك هذا الخط فإنه يذوب في أطراف حياته ويضل الطريق، لماذا؟ جواب ثالث غير الجوابين الأولين: هذا الجواب يظهر في الاستثناء بعدما عرفنا معنى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، إذن: نعرف أنّ الإنسان إذا لم يكن من هذه الفئة فسوف يكون في خُسر وخسارة دائمة في حياته..‏
فلننتقل الى الاستثناء: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. في الليلة الماضية قلنا أنّ الإنسان من دون الإيمان صغير أولاً، وعمره قصير ثانياً، والإنسان مع الإيمان كبير أولاً، وعمره طويل ثانياً، لماذا؟ لأنّ الإيمان بالله يعني أنّ هذا الإنسان من مخلوقات الله، علّته ذات الله، الله هو الذي خَلَق، والعلة مرتبطة بالمعلول، لا تنفك عن المعلول كما يقولون في المنطق، فالإنسان المؤمن يشعر باتصاله بالله، وبأنه رشحة من رشحات الله، وشعاع من أشعة الله، فحينما يشعر الإنسان بالله ويؤمن بالله يعني يشعر بأنه جاء من عند الله ويرجع الى الله، يعني: خالد، يعني: دائم، يعني: لا يبدأ من يوم ولادته، ولا ينتهي عند موته، بل يبدأ من الله، وينتهي الى الله، إذا فكّرتم في معنى العلّة والمعلول يتضح لكم هذا الأمر، يقولون: العلّة حدّ تام للمعلول، يقولون أنّ المعلول موجود في العلّة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، إذن: المعلول ينبثق من العلّة، لا أريد أن أدخل في هذا البحث، لكن أقول أنّ المعلول موجود في العلّة بشكل إجمالي حسب قول الفلاسفة..‏
فإذن: الإنسان مع الله خالد، منه وإليه، دائم، الموت مرحلة من مراحل حياته، ينتقل من هذه المرحلة الى مرحلة أخرى أوسع وأعمّ، فالإنسان المؤمن خالد، أو بتعبير أصح: الإنسان المؤمن يشعر بالخلود، بينما الإنسان غير المؤمن يشعر بالنهاية لأنه ينتهي عندما يموت، والإنسان المؤمن يشعر بالاتصال بالله، والله بيده ملكوت السماوت والأرضين، لذلك يشعر المؤمن بالقوة، يشعر بالاستناد الى مصدر القوة، أما الإنسان غير المؤمن فيشعر أنه وحده باعتبار أنه ليس هناك من سند يسنده ولا دعم يدعمه، منقطع.. الإنسان المؤمن يشعر بالاتصال بالله، الله الذي يملك كل شيء: المسيطر على كل شيء، هاتان نقطتان: الخلود والقوة، بينما غير المؤمن يشعر بالانقطاع وقصر العمر.. ويشعر بالضعف، وثالثاً: الإنسان غير المؤمن غريب، والإنسان المؤمن ليس غريباً، لماذا غريب؟ بأي وسيلة غريب؟ الإنسان المؤمن يجد نفسه وسائر البشر وكل ما في الكون معلولات لخالق واحد، فهو جزء من قافلة، جزء من موكب، جزء من مجموعة، ليس هو مخلوقاً، وإنما هو جزء من المخلوقات لخالق واحد، الله هو الذي خلقني وخلق غيري وخلق الشمس والقمر والنجوم وخلق جميع هذه الأشياء من منبع واحد ولأجل هدف واحد، هذا يعطيني الشعور بالتجمع مع الكون، لست غريباً في العالم إذا كنت مؤمناً، بل أشعر بالانسجام مع مجموعة الكون ومع مجموعة العالم، وبالنتيجة أشعر بالانسجام مع الكون ومع العالم..‏
هذا البحث الذي ذكرناه في أول اليمين بأنه حسب التعبير القرآني وحسب الواقع العلمي فجميع الموجودات يؤدون دورهم الطبيعي بإتقان، وهذا المعنى يسمّيه القرآن "السجود"، فالإنسان في خطه وفي حياته يشعر بأنه هو الذي يسجد لله، والسماوات والأراضين ينسجمون معه في هذا السير وهذا الخط، فإذن: أنا ومَن حولي وما حولي منبثقين من إله واحد نؤدي الدور الكوني في مسرح كبير.. في قافلة كبيرة.. كلٌ يؤدي دوره..‏
هذا الشعور يرفع عني الوحشة والإحساس بالغربة والضعف، فإذن "إلا الذين آمنوا": ليس الإيمان أمراً تجريدياً في النفس لا يعكس على ذاتي وعلى نفسي، وإنما أمر يعكس على تفكيري وإحساسي..‏
وعملوا الصالحات: العمل الصالح أولاً نتيجة للإيمان، لأنّ الإيمان الحقيقي (أي الشعور بالارتباط) يجعل لي منهجاً يختلف عن منهج غير المؤمن، حينما يدخل الإيمان في القلب يظهر على الوجه وعلى اللسان وعلى اليد، هذا المعنى واضح في كثير من الآثار القرآنية والروائية، والحديث الشريف يقول: "مَن أسرّ سريرة ألبسه الله رداءها"، يعني: من أخفى في سريرته وفي باطن نفسه شيئاً (إن خيراً أو شراً)، هذا الشيء الخفي في النفس لا يبقى خافياً على الآخرين، بل يظهر على الإنسان بأظهر مظاهر الظهور..‏
الرداء في اللغة العربية يعني اللبس الذي يلبسه الإنسان خارج جميع الملابس (العباءة باصطلاحنا): هذا اللبس الذي يغطّي كل الملابس نسمّيه عباءة أو رداء، الكناية في الحديث يقول أنك إذا حاولت أن تخفي في قلبك سراً سوف ينكشف على العالم كما يظهر رداؤك، يعني: الذي كتمته في سر السر يظهر في علن العلن، والقرآن الكريم أيضاً يؤكد في بعض الآيات: أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول (محمد / 29-30)، يعني: الجماعة الذين في قلبهم إلحاد أو مرض يظنون أنه لن يظهر، بإمكانك يا محمد أن تعرفهم من لحن القول، من كيفية لسانهم، من كيفية وجوههم، من كيفية سيماهم، هذا المعنى أنّ الشيء القلبي ينعكس على الجسد، هذا شيء طبيعي وليس بحاجة الى إثبات بعدما عرفنا في الفلسفة أنّ الجسم والروح متفاعلان يعكس أثر أحدهما على الآخر، وينعكس عليه أثر الآخر (كما قلنا عدة مرات)، الخجل الذي هو حياء وصفة نفسية ينعكس على الوجه، فيصير لون الإنسان أحمر، والخوف الذي هو حالة نفسية للإنسان يؤدي الى اصفرار الوجه، والإنسان الذي يشعر بمصيبة لا يرغب بالأكل، والإنسان المتألم في الجسد لا يتمكن من التفكير الصحيح، حتى قالوا: "العقل السليم في الجسم السليم"، فالتفاعل بين الجسم والروح أمر حقيقي، وأي صفة حصلت في النفس تنعكس على الجسم، فإذن: العمل الصالح من طبيعة الإيمان وأثر الإيمان، وهكذا نتمكن أن نفهم معنى العمل الصالح..‏
ما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح هو العمل الذي ينبثق عن الإيمان بالله، ربما هناك أناس يقولون أنّ هذا العمل عمل إنساني، ما تفسير العمل الإنساني؟ يختلف حسب تفسير الإنسان، ما هي الإنسانية حتى أنا أعمل عملاً إنسانياً، العمل الإنساني حسب تفسير المؤمن شيء آخر، لأن الإنسان حسب تفسير المؤمن شيء آخر، ما هو تفسير الإنسان حسب تفسير المؤمن؟ الإنسان الذي نعرفه موجود حر مستقل.. جزء من المجتمع.. جزء من الكون.. مخلوق لله، جوانب لوجوده طبعاً.. العمل الصالح هو العمل الذي يصدر في خلال هذه الجوانب الأربعة، وهذا أيضاً بحث طويل نذكره إنشاء الله في المستقبل..‏
حينما نقول هذه الكلمة: إنّ العمل الصالح هو العمل الذي ينبثق عن الإيمان بالله، ثم: العمل الصالح أثر من آثار الإيمان، وفي نفس الوقت ضمانة للإيمان، لأنّ الإنسان إذا آمن ولم يمارس عمله فالإيمان يضعف ويذبل، وهذا من طبيعة الصفات النفسية، والإنسان الخائف إذا مارس خوفه تجنب عمّا يخاف من عدو أو سارق أو ظلام، إذا تخوّف كثيراً أو مارس خوفه فخوفه يشتد، بينما إذا لم يمارس خوفه ودخل في ما يخاف منه يكون كما الإنسان الذي يخاف من الظلام ويدخل في الظلام، وكما الإنسان الذي يخاف السارق أو العدو، فواجَه ولم يهتم بهما (وأمثال ذلك).. عندها الخوف يضعف عنده، كلما مارست وجئت بنتائج الإيمان فإيمانك يقوى، فالإنسان المؤمن إذا لم يصلّ، فمع كل ترك صلاة يضعف إيمانه درجة، ومع كل صلاة يقوى إيمانه درجة، وليس فقط الصلاة.. أي عمل يصدر من الإنسان مخلصاً لله يقوّي إيمانه، وأي عمل ليس لله يُضعف إيمانه، فإذن: الإيمان والعمل الصالح بينهما تفاعل، والإيمان سبب العمل، والعمل ضمانة للإيمان..‏
وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر: قلنا أنّ الإنسان جزء من المجموعة، وإذا كان مع المجموعة وكان هناك تواصٍ يقوى ويبقى، بينما لو كان الإنسان وحده في الميدان يُخاف عليه من الذوبان، ولهذا المصلحون حاولوا أن يُصلحوا المجتمع، وإذا عجزوا عن إصلاح المجتمع خلقوا مجتمعاً صغيراً، خلقوا أصدقاء، خلقوا حزباً، خلقوا كتلة، خلقوا جمعية، خلقوا معهداً، وذلك حتى يعيشوا في هذه الكتلة متواصين كلٌ ينصح الآخَر، وإلا فالإنسان يذوب ويكون في خُسر، وهنا نرجع الى معنى الخُسر: المعنى الثالث للخُسر..‏
الإنسان إذا كان وحده فهذا الانفراد يشكّل عليه خطراً عميقاً، لأنّ الإنسان عند الانفراد يذوب، والإنسان عند الانفراد حتى ولو كان مطاعاً فهو في خطر الغرور، ولهذا فالحاكم عندما لا يتشاور ولا يقبل نصيحة الآخرين ولا يسمع لكلام الآخرين فإنه ينحرف ويشعر بالغرور، فالتواصي بالحق أولاً يحول دون الذوبان، وثانياً يحول دون الغرور، والغرور (كما قلنا) انحراف، لأنّ الإنسان المغرور يشعر بالاكتفاء، فلا يأخذ من الآخرين نصيحة ولا طاقة ولا قوة.. يعني: يضع بينه وبين الآخرين حجاباً، الإنسان المغرور فاسد مثل الترابة المبنية، لا ينفع، وينحرف..‏
فإذن: التواصي يعني التعاون والعيش في كتلة، وهذا من واجبات المؤمن، في أي عصر لا يمكن للإنسان المؤمن أن يسلك طريقه وحده، لازم أن يكوّن حوله جماعة أو يتكتل داخل الجماعة، وإلا يذوب، وعند الانفراد يذوب أو يغتر (تأخذه العزة)، فالتواصي يوجب بقاء الإيمان وبقاء العمل الصالح، والتواصي بالحق لا بد منه، والتواصي بالصبر حتى يتمكن الإنسان من الاستقامة والمثابرة في الطريق، لأنه لا يمكن للإنسان أن ينجح إذا لم يثابر، فالبذرة إذا لم تتحمل المشاق تحت الأرض لا تنفجر ولا تتحول الى شجرة، والطالب إذا لم يثابر ولم يستمر لا يمكن أن ينجح في العلم، وهكذا.. فالمثابرة والصبر شرط أساسي لنجاح كل مهمة في جميع شؤون الحياة..‏
فإذن: الصبر شرط لوصول الإنسان الى الهدف والى نجاحه، ولهذا فالقرآن الكريم حينما يريد أن يبحث عن الجهاد (وعن السير دائماً) يؤكد على كلمة الصبر: إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا (فصلت-30)، استقاموا على الطريقة.. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس (البقرة-177)، في كثير من الآيات: الصبر والوقوف والمثابرة والصمود شرط أساسي للنجاح..‏
بعبارة أخرى: العالم المخلوق الذي نعيش فيه هو عالَم الصابرين والمجاهدين، أما الكسالى والتنابل فهؤلاء بمعزل عن النجاح في الحياة، والذي لا يصبر ولا يصمد يقف ويسقط في الطريق، والواصل في الطريق هو الذي يصبر، وإنّ من طبيعة الكون الصبر والصمود والمثابرة، هذا الصبر إذا كان بالتواصي يبقى، وإذا لم يكن من تواصٍ ولم يتحمل الإنسان المشاق فإنه يسقط، لأنه لا أحد ينتظره، لا أحد يسمع له، لا أحد ينصحه، في اليوم الثاني.. الثالث.. الرابع.. الخامس.. وأخيراً يسقط في الطريق.. ولهذا هو بحاجة الى من ينصحه ويواسيه ويتواصل معه، فإذن: الناجح الذي ليس في خُسر في هذا العالَم هو المؤمن العامل الصالح الذي يعيش مع مجموعة يتناصحون بالحق ويتناصحون بالصبر، هذا الباقي والناجح في العالَم، والخاسر هو غير المؤمن وغير العامل الصالح.. المنفرد الذي لا يعيش في جو التواصي بالحق والصبر، هؤلاء الساقطون الضائعون في الطريق، أما الباقي فهو من يحمل هذه الشروط الأربعة..‏
خلاصة السورة المباركة أنّ الإنسان إذا لا يريد أن يخسر عمره يومياً ولا ينحرف عن فطرته الأصيلة بالخلق فيجب أن يكون مؤمناً حتى يكون كبيراً وخالداً، ويجب أن يكون مؤمناً حتى لا يكون منفرداً غريباً غير منسجم مع العالم، ثم يجب أن يعيش في جماعة، فالتفرّد في أي خط وبأي مركز (حتى على مركز القيادة) يشكّل خطراً على الإنسان، يجب أن يتواصل مع الآخرين.. يأخذ ويعطي، وإلا يذوب ويغتر، وفي كلا الحالتين يقف وينحرف ويسقط في الطريق ولا يصل..‏
هذه خلاصة من هذه السورة المباركة العظيمة التي كان من شيَم أصحاب رسول الله (كما قلنا) أنهم حينما كانوا يلتقون ببعض وينفصلون عن بعض حتماً كان يقرأ أحدهم على الآخرين هذه السورة المباركة..‏
شعار المؤمنين المجاهدين في حياتهم: سورة "العصر"، وإذا فكّرنا نجد حتماً هناك معانٍ أخرى خارجة من البحث الذي ذكرت لأنه لا يمكن أن نستوعب المعاني العظيمة القرآنية كما تعلمون..‏
غفر الله لنا ولكم..‏
والسلام عليكم ..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان