المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة الماعون للامام موسى الصدر

الملخص: حديثي في هذه الليلة في سورة الماعون: بسم الله الرحمن الرحيم، أرأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين، فويلٌ للمصلّين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، ويمنعون الماعون. صدق الله العظيم.
في الحقيقة: لا أخفيكم أنّني حينما قرأت هذه الآيات المباركة لأجل البحث في تفسيرها كأنّي وجدتُ شيئاً جديداً ما كنت أتصوره، لأنّي كنت أفهم من التعاليم الإسلامية ومن الروايات الواردة عن الرسول الأكرم (ص) معنى يشبه هذا المعنى في الحديث الشريف: "ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع"..‏
كنت أفهم من هذا الحديث الشريف أنّ هناك ربطاً وثيقاً بين الإيمان بالله وبين الاهتمام بشؤون الناس، الإيمان الإسلامي ليس إيماناً تجريدياً يكون مخصّصاً لقلب الإنسان وشعور الإنسان، الإيمان الإسلامي ليس في القلب فقط يربط الإنسان بخالق الكون بشكل وثيق من دون أن يتجلى هذا الإيمان في عمله وفي ذاته وفيما حوله من الناس وفيما حوله من الأشياء..‏
كنت أفهم من الحديث الشريف لأمير المؤمنين (ع) حينما سألوه: "يا علي هل رأيت ربك؟"، قال (ع): "لم أعبد ربّاً لم أره، والله ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله وبعده وفيه ومعه"، ثم سُئل: "هل رأيته بعينك التي في رأسك؟"، قال (ع): "لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير".. رأيته بقلبي..‏
من هذه الروايات كنت أفهم أنّ هناك صلة وثيقة بين الإيمان بالله والعمل لخدمة الناس وتحمّل مسؤولية سعادة الناس، فـ"من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم"، ولكن مع ذلك لم أجد في القرآن آيات بهذه الصراحة، ما كنت أتصورها.. مع أني كنت قرأت هذه السورة عدة مرات في سابق الزمن، والحقيقة أنّ القرآن الكريم كنـز كما ورد في الأحاديث لا تنتهي عجائبه ولا تُسبر أغواره، فكلما قرأ الإنسان القرآن بوعي أكثر يجد في القرآن شيئاً جديداً..‏
فلنرجع الى هذه السورة المباركة: أرأيت الذي يكذّب بالدين، أي: هل رأيت الذي يكذّب بالدين؟ الذي يُنكر الدين؟ الذي يتنكر لله ولرسوله ولليوم الآخر وللأحكام؟ أرأيته؟، طبعاً: تنبيه للجملة الثانية، أرأيته؟ يعني: أتحب أن تراه؟ إذا ما رأيت الذي يكذّب بالدين فأنا أرشدك إليه، إذا تحب أن ترى رجلاً يكذّب بالدين فانظر الى ذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين..‏
أقوى صورة من التأكيد في اللغة العربية والتأييد للمساواة والتسابق، هل تحب أن ترى رجلاً يكذّب بالدين؟ فانظر الى الرجل الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين، فإذن: زجر اليتيم وعدم الاهتمام بطعام المسكين يؤدي الى التكذيب بالدين، وهذا هو معنى الحديث الشريف: "ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع".. يدعّ اليتيم: يعني: يزجر اليتيم.. يردعه، يطرده، يتجاهل حقه، ولا يحضّ على طعام المسكين، ولا‏
يؤسّس ولا يهيئ ولا يوفّر ولا يمهّد الى إطعام المساكين، فإذن: اليتيم والمسكين رعايتهما من شروط الدين وأُسس قبول الإيمان، ومن يتنكر لهذا الواجب العملي فقد أنكر الله وما آمن بالله وكذّب دين الله، حجّة دامغة ليس فوقها تعبير ولا تعطي مجالاً للشك: أرأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين..‏
والحقيقة أنّ الإيمان بالله وبالدين بالمعنى الصحيح يستلزم الاهتمام والعناية بخلق الله وبشؤون المجتمع وبوضع الناس، وإلا فلا، السبب في ذلك أنّ الإيمان بالله بالشكل الصحيح يعني الإيمان بخالق الكون، العالِم، العادل، الرؤوف، الرازق، الرحيم، الله الذي له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، الله الذي تبدأ منه كل صفة صالحة وينتهي إليه كل خط صالح..‏
مبدأ كل خير ومنتهاه هو الإيمان بالله في هذا المعنى، مما يستلزم أننا نؤمن بالكون القائم على أساس الحق والعدل، لأنّ صفات الخالق وصفات المؤسس تنعكس على خلقه وعلى تأسيسه وعلى مؤسسته..‏
قلنا أنك تتمكن من الحكم على المدرسة من صفات مديرها، وعلى الدائرة من صفات رئيسها، وعلى كل مؤسسة من خلال أوصاف أصحابها، فالله خلَق الكون، وهو أحسن الخالقين، فالكون هو أحسن المخلوقات، والإنسان هو أحسن المخلوقات، خُلق الكون بشكل سليم، وخُلق الإنسان بفطرة حسنة، وعلى هذا الأساس، وعلى أساس أن المجتمع وشكل المجتمع هو من صنع الإنسان كما يقول القرآن الكريم: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس (الروم-41)، فالبشر هم الذين يكوّنون شكل مجتمعاتهم الصالحة أو غير الصالحة..‏
وإذا نجد في المجتمعات شيئاً من النقص أو الانحراف أو التفكك أو الجهل والفقر والمرض وأمثال ذلك، فلا شك أنّ كل هذا بما كسبت أيدينا، نحن أردنا -عالمين أو جاهلين-، لكن مِن صُنع أيدينا، نحن صنَعنا المجتمعات، ونحن خلَقنا أساليب الحكم في المجتمعات، وتحمّل الشعب للمسؤوليات هو الذي يخلق التخلّف أو التقدّم، هذا صريح في القرآن: إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم (الرعد-11)، فالوضع الاجتماعي صنيع الإنسان، والمشاكل الاجتماعية والفقر.. ووجود المسكين الذي لا طعام له.. ووجود اليتيم الذي لا راعي له.. كل هذا من نتيجة إرادتنا وصنعنا، فالفقر في المجتمعات والمرض والجهل (والجسم بلا راعٍ)، كل هذه النواقص نتيجة لعملنا نحن، فإذن: نحن مسؤولون عن هذه الأشياء إذا آمنا بالله واليوم الآخر، وهذا أيضاً صريح في آية أخرى وردت في سورة الأنفال في واقعة "بدر": واعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنّ لله خُمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (الأنفال-41)..‏
إن كنتم آمنتم يعني: دفع الخمس لله وللرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين شرط وسبب ونتيجة للإيمان بالله واليوم الآخر والرسالة، فإذن: الإيمان بالله يستلزم الإيمان بتحمّل المسؤوليات الاجتماعية، وهذا من صميم الإيمان..‏
لا يكفي لأحدنا أيها الإخوان أن يقول: أنا والحمد لله متقيّد بواجباتي الدينية.. أصلي، وأصوم، وأؤدي‏
واجبي الشخصي.. ويتجاهل ما يجري على الناس وما يجري حوله، لا يكفي هذا (كما تقول صريحاً هذه الآيات المباركات)، فإذن: عدم احترام اليتيم وعدم الاهتمام بوضع المسكين.. هذا تكذيب للدين، وفي أحاديث كثيرة ورد هذا المعنى في الجملة: أنّ الذي يموت في بلدة بسبب الفقر يسلب الله البرَكة من تلك البلدة، أو أنّ الله لا ينظر الى تلك البلدة، وبركات الله تطلع من القرية التي مات فيها الفقير..‏
الفقير يموت من الجوع، ويموت من المرض، ويموت من الجهل، ويموت من قلّة التغذية، ويموت من عدم توفير وسائل السكن، ويموت من عدم وجود النور والهواء الكافي في المساكن، ويموت من عدم وجود الصحة في القرى، ويموت من عدم وجود طبيب في القرية، ويموت من عدم سلامة المياه، ويموت بسبب كثير من هذه المسائل، ولا يموت فقط بسبب الجوع، كل هذا موت.. موت الناس بسبب الفقر..‏
فإذن: إذا مات أحد في القرية، عندها يحمّل الله أهل القرية مسؤولية موته، ما معنى هذا؟ معناه أنّ تخلّف الناس في القرى يؤدي الى موت الناس، والمسؤول عن ذلك هو كل فرد من أفراد هذه القرية، القرية في اصطلاح بعض الروايات ليست ضيعة في مقابل البلدة، ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض (الأعراف-96)، القرى هي المجموعات البشرية، بشكل قبيلة.. بشكل ضيعة.. بشكل مدينة.. بأي شكل كانت..‏
فإذن: المؤمن بالله يتحمل مسؤولياته الاجتماعية، ويستلزم عنايته بالاجتماع، كم يحاولون أن يربطوا بين هذه المفاهيم ويبعدونها عن الإنسان بقولهم أنّ الدين بالقلب مع الله وليس له شغل مع حياتنا العادية، بلى: له كل الشغل، أنت في نشاطاتك الاجتماعية تنبثق هذه النشاطات من إيمانك بالله، هذا هو الإيمان الصحيح، هذا هو الإيمان الحي، هذا هو الإيمان النابض، وغير هذا إيمان ميت، إيمان فاسد، إيمان نائم، ليس إيماناً..‏
بسم الله الرحمن الرحيم، أرأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين، فويلٌ للمصلّين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، ويمنعون الماعون. صدق الله العظيم.‏
أعتقد أنّ هذه الفقرة من السورة أيضاً تأكيد للفكرة الأولى بشكل آخر، الشكل الأول هو الشكل الإجمالي للمسؤوليات الاجتماعية: أرأيت الذي يكذّب بالدين، فذلك الذي يدعّ اليتيم، لكن في الفقرة الثانية شكل تفصيلي للمشكلة ولحلّها أو لعرض الفكرة..‏
نقول بشكل أوضح: أليست الصلاة عمود الدين؟ ألا نقول أنّ الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر؟ ألا نقول أنّ الصلاة إذا قُبلت قُبِل ما سواها وإن رُدّت رُدّ ما سواها؟..‏
أليست الصلاة أهم واجب في الإسلام؟ في حقل العبادات هذا شيء مفهوم.. مع ذلك فويلٌ للمصلين، أي مصلّين؟.. الذين هم عن صلاتهم ساهون والذين هم يراؤون ويمنعون الماعون..‏
ثلاثة شروط، ثلاثة أسباب، ثلاثة موانع تؤدي الى أن يقول الله: ويل للمصلّين..‏
أولاً/ الذين هم عن صلاتهم ساهون: ساهون من كلمة سهو، والسهو معناه مفهوم، قد يقال أنّ المعنى هو أنه يصلّي ويسهو في ركعة أو جزء أو سطر.. قد يقال أنه يسهو عن صلاته (ينسى).. ولكن معنى الآية لا هذا ولا ذاك، لماذا؟ لأنه يقول: ويلٌ للمصلّين، يعني يفترض أنه يصلّي، فإذن: ما معنى الذين هم عن صلاتهم ساهون؟،‏
نحن افترضنا أنّ الرجل يصلّي، كيف يسهو عن صلاته؟ بشكل واضح هذا الشخص الذي لا يبالي بروح الصلاة، بجوهر الصلاة، بنيّة الصلاة، بشرائط صحة الصلاة، بنقض الصلاة، يعني: لا يحترم الصلاة، يسهو عنها، يتساهل ويتجاهل.. يتنكر.. وهذا أمر موجود في كثير من الروايات: "ليس منّا من استخف بالصلاة" (..)، وإلا فالإنسان إذا صلّى وأتقن الصلاة وحافظ على الصلوات (كما يؤكد القرآن: حافظوا على الصلواة)، هذا غير معنى صلِّ، صلِّ يعني: أقم الصلاة، لكن حافظوا يعني: واظبوا.. يعني: صلِّ بشروط الصلاة.. في أوقات الصلاة.. أدِّ واجبات الصلاة..‏
فإذن: الشرط الأول هو عدم السهو في الصلاة، يعني: عدم الاستخفاف بالصلاة، يعني: احترام الصلاة وإعطاؤها وإيفاؤها في مواقعها وبشروطها كاملة، ومن شروطها طبعاً الطهارة وعدم الغصبية، ووقوعها في أوقاتها والشرائط..‏
والذين هم يراؤون: الرياء.. وما أدراك ما الرياء؟ الرياء هو أن يعطي الإنسان بالصلاة، أي صلاة؟ التي ليست لله، بل لأجل الناس، لأجل كسب مجد، هذا يبطل الصلاة..‏
المصلّي يمكن أن يختار بيته على محل آخر لأنه أدفأ، مثلاً يريد أن يتوضأ بالماء الحار لأنه أدفأ، هذه النية غير إلهية، لكنها لا تُفسد الصلاة، أنا أريد أن أصلي بهذا المكان دون ذلك المكان لأن المكان الأول فيه فراش أو سجّاد أنعم، هذا لا يضر، نوايا لغير الله، ولكن لا تبطل الصلاة، النوايا هذه يسمونها نوايا مباحة، ولكن إذا دخل الرياء في عمل المصلّي تكون صلاته لغير الله، مثلاً: شخص يصلّي، فيأتي أحد، فيطوّل الصلاة لأجله، عندها تكون صلاته باطلة، أو أن يفصح في القراءة، أو يقرأ آيات أحسن، أو يقرأ بصوت خاشع، أو يطوّل السجود والركوع لأجل كسب مجد من الناس، عندها تكون الصلاة باطلة..‏
حتى المستحبات، فلان من عادته مثلاً أن لا يقرأ القنوت، أو لا يزيد السبحانيات على تسبيحة واحدة، أو مثلاً لا يقول إلا تكبيرة واحدة في الصلاة، ولكن لأجل شخص آخر يقول سبع تكبيرات في أول الصلاة، يعني: الرياء في الجزء المستحب من الصلاة يبطلها أيضاً..‏
والرياء مرض عضال، وفي الحديث الشريف: "الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء".. يعني: الإنسان من حيث لا يشعر يبتلي بالرياء، فإذا لم ينتبه ولم يفتّش بدقة في دوافع صلاته جزءاً وكُلاً.. شرطاً وواجباً، فعندها هو مبتلى بهذا المرض، ولا شك أنّ الصلاة التي تصدر عن الرياء تُبعد الإنسان عن الله، يا ليته لم يصلّ، هذه نقطة مهمة يجب أن ننتبه لها..‏
الصلاة لله تقرّب الإنسان الى الله، لأن الصلاة لله تقوّي الإيمان، لماذا تقوّي الإيمان؟، لأنّ المصلّي يمارس إيمانه في عمله، فكأنه يغذّي إيمانه بالله..‏
أما الذين يمنعون الماعون، فهي رمز، يعني: الذين يمتنعون عن التعاون ومساعدة الجار، الذين يحجبون عونهم ولا يبذلونه لخلق الله ولمساعدة خلق الله، وهنا عدنا الى الخطوة الأولى بأنّ الصلاة التي هي عمود الدين (والتي هي النقطة الأولى في الدين) إذا كانت مقترنة مع تجاهل حاجات الآخرين فويلٌ للمصلّين، وهكذا نرى أنّ هذه السورة المباركة تربط بين جوانب الدين، الإيمان بالله، التصديق بالدين، الصلاة لله، والسعي في إصلاح النية‏
وخدمة اليتيم ومساعدة المسكين وبذل التعاون مع الآخرين..‏
فخلاصة الآية الكريمة أنّ الدين مجموعة لا تتجزأ، لا يمكنك أن تقول: أنا إيماني بالله عظيم، قلبي صافٍ.. مؤمن، ولكن أتجاهل شؤون الآخرين ومصلحتهم وحاجاتهم..‏
وهذا معنى إسلامي نفهمه من هذه الآية الكريمة بوضوح لا ريب فيه، هذا ما فهمته من تفسير هذه السورة، ونسأل الله أن يجعلها نوراً في قلوبنا وفي أعمالنا وفي نشاطنا من جميع النواحي..‏
والسلام عليكم‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان