المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة العاديات للامام موسى الصدر

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، والعاديات ضَبحا، فالمورِيات قَدحا، فالمغِيرات صُبحا، فأثرن به نَقعا، فوسَطن به جَمعا، إنّ الإنسان لربّه لكنود، وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحُبّ الخير لشديد، أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور، إنّ ربّهم بهم يومئذٍ لخبير، صدق الله العظيم.
التفسير الحرفي لهذه السورة المباركة: العاديات جمع عادية، والعادية والعادي متفاعل من عدْو، العدْو يعني الركض، والعاديات يعني الراكضات، ما هي الراكضات؟ يقولون الخيل، ويقولون الإبل، نحن نفهم العاديات ضبحا بأنّ الضبح يعني تنفّس الخيل الراكض، يعني اللهث الشديد الذي يصدر من الفرس بحالة السرعة والمشي السريع، والعدْو يسمّوه ضبح..‏
فالموريات قدحا، إيراء يعني إشعال النار: أفرأيتم النار التي تورون (الواقعة-71)، الموريات يعني المشعلات، يعني كل ما يُشعل النار، قدحا يعني شعلة قداحة، الزناد يسمى قداحة، يعني شعلة نار، فالموريات قدحا يعني المشعلات نارا..‏
فالمغيرات صُبحا، مغيرة متفاعل من أغار، أغار يعني شنّ الغارة، يعني الشخص أو الجماعات الذين يغيرون ويحاربون بغتة بقصد النهب والسيطرة، هذه الجماعة يسمونهم المغيرات، أما صُبحا فمعناه واضح، يعني هذه الإغارات التي تحصل صباحاً باكراً (يترجم المعنى اللفظي)..‏
فأثرن به نقعا: نقع يعني غبار، وأثرن يعني حركن، يعني تحريك الغبار..‏
فوسطن به جمعا: وسط فلان، وسط الغرفة يعني دخل في وسطها، ووسط جمعا يعني دخل في وسط الجمع..‏
إنّ الإنسان لربّه لكنود: الأرض الكنيدة يعني البخيلة التي لا تخصب.. لا تعطي ثماراً.. والإنسان الكنود يعني الجاحد البخيل الذي لا خير فيه..‏
وإنه على ذلك لشهيد: المعنى واضح..‏
وإنه لخير الحب لشديد: هذا واضح أيضاً.‏
أفلا يعلم إذا ما بُعثر ما في القبور: بعثر يعني فرّق، ومبعثر يعني متفرق، بُعثر ما في القبور يعني أنّ ما في القبور يخرج بشكل متفرق، يعني كل ما في القبور يطلع، رسالة الى يوم المعاد طبعاً..‏
وحُصّل ما في الصدور: حُصّل يعني أُوضح واتضح واكتُشف ما في الصدور..‏
إنّ ربّك يومئذٍ لخبير..‏
العبارات والكلمات هذه ترجمتها، لكن ما معنى التفسير؟ هنا كما قلت في الليالي السابقة للتفسير عن الأيام عندما كان رسول الله (ص) في مكة (وهذه سورة مكية أيضاً) ما كان له سلاح أبداً إلا لفظه، إلا بيانه، وهذا السلاح كان ماضياً جداً في مكة باعتبار أنّ العرب كانوا يقدّرون الفصاحة ويتذوقون البلاغة، ويتقنون فهم‏
الشعر والكلمة الفصيحة، ويحترمون الفصحاء والمعاني العالية، يعني كان عندهم صفاء في الفطرة، وهذه السور تستعمل أساليب بيانية قوية للتأثير على الناس، وهي لا تعتمد فقط على المنطق الفطري وشعور الناس بالمعاد وعدم خلق الإنسان عبثاً، بل في هذه السور القرآن يعتمد على الأسلوب البياني اللمّاع المثير المهيّج، ولهذا يذكر الناس ويعبّر عن الأشياء التي يعرفونها ويصفها وصفاً جميلاً يأخذ بمجامع القلوب ثم يأتيهم بالكلمات والنصائح اللازمة كما وجدنا، في عدة سور استعمل القرآن هذه الكلمات، بعبارة أخرى: القرآن كان من القوة والتأثير في اللفظ والسلاسة والروعة والجمال في المعنى الى درجة ما كان يتمكن الرجل مهما كان ملحداً ومهما كان عدواً وخصماً للنبي إلا أن يخضع نتيجةً لقوة البيان..‏
نتساءل: لماذا نحن في هذا العصر لا نشعر بهذا الجمال في القرآن؟، هذا نتيجةً لخلط الأذواق، يعني: ذوقنا اختلط باللغات الأجنبية.. باللغة الدارجة العادية وبالتعبيرات المختلفة وبضعفنا في تذوّق الأدب.. كلما تذوّق الإنسان الأدب يستأنس بالقرآن أكثر ويؤخذ بالتعبير القرآني أكثر، والقصة معروفة بأنّ العرب اجتمعوا وقالوا: ماذا نعمل مع محمد؟ الرجل يتقدم تقدماً سريعاً ويأخذ أولادنا ويؤثّر في شبابنا، فأحدهم (وهو الوليد) قال: أنا لازم أن أسمع كلماته ثم أقول لكم ما هو علاجه، فجاء الى النبي وطلب إليه أن يقرأ من القرآن، فبدأ النبي يقرأ بعض الآيات حتى وصل (ص) الى قراءة هذه الفقرة: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (فصلت-13)، فصرخ الوليد وهرب، وقال أنّ هذا الكلام لا يشبه كلام البشر، ولهذا حاول أن يتهم هذا الكلام اتهاماً عميقاً وقال أنه سحر، وعبّروا عن النبي بأنه ساحر يسحر الناس، وصار هذا الهجوم متداولاً بأنّ النبي ساحر، وهذا مما يدل على تأثر العربي بالاستماع للآيات القرآنية تأثراً عميقاً..‏
وهنا أنقل لكم أيضاً كلاماً من أحد كبار العلماء المسلمين غير العرب، وهو أبو الأعلى المودودي (باكستان)، هذا يتعجب جداً ويقول: أنا متعجب لماذا العرب ضعفاء بالإيمان مع أنهم يستمعون الى لغة الوحي، يقول: نحن لازم أن ندرس سنيناً وعشرات السنين حتى نتعود على فهم كلام الله، والعرب من طفولتهم يقدرون أن يفهموا، وهذا توفيق لهم، إنهم مباشرةً يتمكنون من استماع كلام الله، فلازم أن يكون تأثرهم أكبر..‏
إذن: هذه الآيات تصف مشهداً من المشاهد المألوفة عند العرب، مشهد غارة مفاجئة (متعارف عليه عند العرب)، ولكن يشرح في هذه الآيات الخمس منظراً ولوحة جميلة ومثيرة بكلمات أولاً قليلة ثم في الكلمات رنة وتقاطيع مناسبة، يعني: اللفظ يناسب المعنى، وبعدما يستمع الإنسان لهذه الآيات كأن المنظر بتفاصيله أمام عينه..‏
الواو فيه قسم، والعاديات ضبحا، يعني يحلف بالخيل الراكض.. جماعات الخيل.. فرق من الخيل الراكضات ضبحاً (والتي تضبح ضبحا)، يعني تركض بسرعة وتتنفس وتصهل بسرعة، يعني هذا المنظر يصف جماعة من الخيل تركض، وتضبح دلالة على النفس الشديد العميق، هذه القطعة الأولى، هذا الركض فوراً يصبح جري ومشي وصوت.. وفيه نار أيضاً..‏
فالموريات قدحا: حوافر الخيل تصطدم بالصخور، ونتيجةً لسرعة الاصطدام والاحتكاك يطلع شعلة من النار.. القدح (..)، عندما الفرس يركض بسرعة يعمل هذا الشيء (..)، فالموريات قدحا يعني هذه الخيل الجارية‏
الضابحة بسرعة وقوة بشكل كأنه يولع النار (..)، وصف سرعة وروعة المنظر.. الى أين؟..‏
فالمغيرات صبحا: هؤلاء شنوا الغارة في الصباح، الصباح الباكر، يعني: جماعة من الجيش يغيرون على فئة من الأعداء صباحاً، يعني: على حين غفلة، لأنهم في الصبح غير مستعدين أن يقابلوا عدوهم (..)..‏
فأثرن به نقعا: هذه العاديات السريعات نتيجةً لهذا العدْو وهذا الإيراء وهذه الغارة، نتيجةً لهذا يثيرون الغبار، فأثرن به نقعا..‏
فوسطن به جمعا: قبل أن ينتبه عدوّهم لما صار وما هي القصة، الجمع والجيش (...) قبل أن يستعد ويفيق يرى أن الخصم بينهم.. فانتهى الموضوع.. يعني عندما هذا الجيش يغير عليه صباحاً دون تحذير من قبل، فالأمر انتهى.. بين لحظة وأخرى يرى في وسط جماعته جيش الخصم دخل عليه..‏
مجموع هذه القطعة يعطينا المنظر واللوحة بأنّ جماعة من الخيول هجموا صباحاً بسرعة مذهلة وبصوت عالٍ ومع إيراء النار وإثارة الغبار الشديد، فدخلوا في وسط القوم وسيطروا عليهم.. وصف للغارة التي كان العرب تعوّدوا عليها، وصف جذاب للمستمع: لفظ العاديات ضبحا، القِطع من الوصف تتناسب مع شكل الغارة.. السرعة والتخطيط والمفاجأة وسرعة النهاية، خمس آيات، انتهى كل شيء، سيطروا على الجماعة..‏
هنا أذكر بعض آراء المفسرين، قسم منهم قالوا أنّ العاديات هي الخيل، وقسم منهم قالوا أنّ العاديات هي الإبل (الجِمال)، سبب هذا البحث أنهم قالوا أنّ واو القَسم يجب أن يكون تقديساً للمقسَم به، يعني: نحن عندما نحلف يميناً بالله أو بالرسول أو بحياة الصديق فإننا نقدّس الشيء الذي نُقسم به، فقالوا: كيف نقدر أن نقول أنّ القرآن يقدّس العاديات صبحا؟ فإذن يجب أن تكون العاديات في سبيل الله، والسورة نزلت في مكة، وما كان هناك من عاديات للإسلام، يعني الخيول الإسلامية التي تشنّ الغارة ما كانت موجودة في وقتها، إذن المقصود بالعاديات يعني الجِمال، الإبل العاديات التي تنقل الحجّاج بين عرفات والمزدلفة، وبين المزدلفة ومِنى، لكنهم وقعوا في مشكلة أنّ ضبحا هو صوت نفس الخيل، ثم والموريات قدحا تفرض أن يكون هناك شعلة من الأرجل، والخيل له صوت وحوافر تقدح الشرر، ولكن الإبل خفّه ناعم لا يكوّن شعلة..‏
وقسم منهم قالوا أنّ العاديات باعتبار أنه بعد ذلك المسلمون يكون لهم عاديات وأنّ اليمين لما بعد ذلك، لكن في الحقيقة هذه المسائل ليس لها لزوم بعدما عرفنا في بعض التفاسير السابقة حينما كنا نبحث في بعض الأيامين القرآنية التي سبقت، مثلاً: والعصر (اليمين بالعصر) هناك قلنا أنّ الإسلام يحاول أن يعوّد الإنسان على تقديس كل شيء، أولاً على تقديس الكون، ولهذا يقول: ألم تر أنّ الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب (الحج-18)..‏
وهكذا في المرحلة الثانية: الإسلام يريد أن يعوّد الإنسان على قداسة كل عمل، وكما نعلم نحن في التربية الإسلامية: الإسلام يريد أن يقول أنّ الإنسان في عمله التجاري "الكاد لعياله كالمجاهد في سبيل الله"، في عمله الزراعي يعبد الله، في درسه، في تدريسه، في اتصالاته مع الناس، في خدماته للناس، الإنسان دائماً في حالة العبادة، قلنا أنه في بعض الوصايا للرسول (ص) أنه حتى في النوم والأكل الإنسان يعبد الله: "نوم المؤمن عبادة".. "نوم الصائم عبادة"، حتى الأكل والضيافة عبادة، الأكل عند الصديق عبادة، الأكل من الحلال مع الشكر ومع الحمد وتحضيراً للعمل عبادة..‏
يحاول الإسلام أن يعطي لجميع الأفعال صبغة العبادة، حتى في الزواج، أنتم تعلمون أنّ الزواج والعمل الجنسي كانوا يقولون في الأديان السابقة أنه عمل خطيئة.. الخطيئة الكبرى.. حتى أنهم يسمونه دنس، بينما الإسلام اعتبره سنّة: "النكاح سنّتي، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي".. يعني أعطى للزواج صفة القداسة، وهكذا في الجهاد حلّل إزهاق النفوس وغارة الأموال.. أشياء الإنسان بطبيعته لا يرغب إليها ويعتبرها في المنطق الإنساني عمل غير سليم، ولكن حينما كان للدفاع وللحق ولأجل إنقاذ الحق وإنقاذ الضعيف من القوي.. الجهاد: هذه الحرب الطاحنة التي فيها القتل وإزهاق الروح، هذا الجهاد هو أفضل العبادات طبعاً، فالإسلام يحاول في سورة العصر أو في سورة الشمس أو الضحى وأمثال ذلك أن يعطي مفهوم القداسة للأعمال كلها، كل عمل.. هذه الغارات: العاديات ضبحا، فالمغيرات صبحا، ممكن أن تكون عبادة، أليس كذلك؟، فهذا يعطي صفة للغارة التي هي جهاد وعبادة، ولكن المهم في هذا التعبير أنه تعبير قريب لقلب الإنسان، وخاصةً لقلب العرب المستمعين لهذه الكلمات، تعبير قريب لقلبهم بحيث بمجرد ما تسمعه قلوبهم تحنو الى هذا المعنى، ثم يصوّر محمداً يحلف اليمين بهذا المنظر الجميل الغيور المفرح الداعي الى الاعتزاز، ثم ينتظرون لاستماع النتائج، هذه القطعة الأولى من الآية القرآنية (اليمين بهذه النقاط)..‏
هنا بعض الترتيبات النحوية أرجو أن تنتبهوا لها، باعتبار هذا شيء مفيد لكم أيضاً، "الواو" واو القسَم، العاديات مفهومة، وضبحاً: الضبح مصدر مفعول مطلق، كيف مفعول مطلق ومن دون الفعل يُستعمل؟ يقولون هذا بخط العامل، يعني: والعاديات الضابحات ضبحاً، باعتبار أن العاديات ملازمة للضابحات، فإذن: كأنّ كلمة الضابحات أو التي تضبح ضبحاً موجودة في الآية، أليس كذلك؟، نقول نحن مثلاً: ضربته ضرباً.. مفعول مطلق..‏
فالموريات قدحاً: أورت قدحاً يعني أشعلت ناراً..‏
فالمغيرات صبحا: هنا الصبح لا شيء.. لا مفعول، ولا مفعول مطلق، ظرف.. ظرف زمان..‏
بعد ذلك فأثرن: الفاء فاء العطف، العطف على ماذا؟ أثرن: نحن ليس عندنا فعل مسبق، عندنا: والعاديات ضَبحا، فالمورِيات قَدحا، فالمغِيرات صُبحا..‏
فأثرن عطف على ماذا؟ باعتبار أنه اسم الفاعل يقوم مقام الفعل، يعني: فأورين قدحاً (العاديات)، أورين قدحا وأغرن صبحا فأثرن نقعا.. أليس كذلك؟ على اعتبار أنه فعل واسم فاعل، وكل واحد يقوم مقام الآخر بالنسبة للعكس، فأثرن به نقعا بأي شيء؟ ضمير، ومرجع الضمير معناه مثلما يقولون، يعني: فأثرن بالإيراء والعدْو والغارة (بهذه الأعمال التي حصلت).. أثرن بهذا الشيء نقعا..‏
فوسطن به جمعا: أي بهذا العمل وسط الجمع، الجمع هنا أيضاً مفعول لكلمة فوسطن مثل نقعا الذي هو مفعول لأثرن (..)..‏
حسناً: حلَف القرآن اليمين بهذه اللوحة، بهذا المنظر المثير الذي يحرّك شعور الناس، ويبيّن سرعة الإنجاز والحركة الحيوية والنشاط والمفاجأة..‏
حلف يميناً بهذه الأشياء: إنّ الإنسان لربه لكنود، الإنسان بالنسبة الى الله جاحد كافر بخيل لا يؤدي ما عليه من الواجب تجاه هذه النعم..‏
وإنه على ذلك لشهيد، وهو يشهد بذلك، القرآن في كثير من الأحيان يُشهد الناس على أنفسهم: وإنه على ذلك لشهيد، الإنسان شهيد على نفسه بما عنده من الانحرافات ومن الجحود والبخل أمام الواجب الإلهي..‏
وإنه لحبّ الخير لشديد: الإنسان بالنسبة لحب الخير شديد، يعني: طامع، يحب الخير كثيراً، أيّ خير؟ فُسّرت كلمة الخير بالمال، والحقيقة أنّ الخير ليس معناه المال، ولكن بقرينة أنّ الإنسان جَحود لله فإذن حب الخير (ما عدا الإيمان) هنا الخير المادي..‏
حسناً: إن الإنسان لربّه لكنود، وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد، ويمكن أن يكون الخير معناه العام..‏
يعني: بعد هذا اليمين نحن نبدأ بثلاثة أشياء، أولاً: الإنسان جاحد بنِعم ربه، الثاني: إنّ الإنسان كنود على نفسه بذلك، ثالثاً: الإنسان يحب الخير، وهو في سبيل الخير شديد، يعني مصرّ وملحّ ومستميت في سبيل حب الخير، أي خير؟ حسب التوجيه والتربية، إذا كان الإنسان مادياً جاحداً لله فحبه للخير يعني الخير المادي، وإذا تمكن الدين أن يجعل من الإنسان اتجاهاً نحو الخير المعنوي وبيّن له أنّ ما عند الله خير وأبقى فإذن نحن نقدر أن نرى حب الخير يعني حب المعنويات لا حب الماديات..‏
هذا البحث الذي أثرته في بعض ليالي عاشوراء بأنّ الإنسان بحسب ذاته طموح، ولكن الطموح عند الإنسان لا نهائي، يعني يرغب بالمال، وحينما يصل إليه يرغب بالزيادة، وهكذا: الإنسان طموح في حياته وفي ذاته، والوسائل الموجودة عند الإنسان محدودة، أليس كذلك؟ لأن الطموح غير محدود، ولأن الوسائل محدودة يحدث (نتيجة ذلك) صراع دائم، ومن باب المثل: كم حاكم يمكن أن يكون لبلد؟ شخص واحد، هذا يريد أن يكون حاكماً، وهذا يريد أن يكون حاكماً، كل واحد لا يرضى بأقل من أن يكون الحاكم المطلق، وهذا لا يقبل بأقل من أن يكون الحاكم المطلق، والحكم المطلق واحد، فيحدث الصراع.. البلدة كم نائب فيها؟ نائب أو اثنان أو ثلاثة.. ولكن المرشحين كثر، وكل واحد يريد أن يكون ناجحاً، فيحصل الصراع.. المال (..) أنا أريده كلّه، وأنت تريده كلّه، فيحصل الصراع.. دكّان: الزبائن يشترون اللحم، أنت تريد كل الزبائن، وأنا أريد كل الزبائن، فيحصل الاصطدام، أليس كذلك؟ وهكذا: من المصالح الصغيرة الى المصالح الكبيرة (..)..‏
اليوم: كم من الأرض والبلاد تحت سيطرة أميركا؟ كثير.. ومع ذلك تطمع (أميركا) بالسيطرة على فيتنام، أو على قسم من أفريقيا، أو على الشرق الأوسط.. ومقابل أميركا موجود روسيا تطمع أن تسيطر أيضاً على الشرق وعلى الغرب وعلى كوبا وعلى كل مكان.. وبالنتيجة لهذا الصراع يحصل اصطدام، فإذن: نحن نتمكن أن نفسّر الصراع الدائم عند البشر من أول الطفولة على اللعبة، بعدها على السيادة في البيت، بعدها على "القبضنة" في الحارة، وبعدها على تملك أراضي القرية، وبعدها على سحب زبائن السوق، وهكذا: على النيابة، على الرئاسة، على الحكم، على الدنيا، والصراع دائم ومستمر.. لماذا الصراع؟ لأنّ البشر طامح، والوسيلة محدودة، ما يرضي طموح البشر محدود، فيحصل الصراع الدائم، هذا تفسير الصراع، ليس الصراع كما يقول المكتب الفكري الماركسي بأنّ الظاهرة الطبيعية لكل موجود هي الصراع..‏
(..) هذا الصراع في الأمور البشرية (يعني في الفعل البشري) ناتج من عدم التطابق بين الطموح وبين‏
وسائل إرضاء الطموح، كيف يحل الدين هذه المشكلة؟ هل يأخذ الطموح من الإنسان؟ لا، لأنه إذا أخذنا الطموح من الإنسان يموت (الإنسان)، يصبح حجارة، يصبح آلة، يصبح حيواناً، الإنسان الذي ليس له طموح عاجز، غير نشيط، كما يظهر في المجتمعات البدائية حيث كان البشر فيها لا يطمح، وكان يرضى فيها بحياة خفيفة، لكن الدين ليس فقط يوقّع ويمضي ويقرر الطموح، بل يضع الطموح في الإنسان، يضع فكرة أنّ الله خالق السماوات والأرضين.. وأنه كلكم واحد.. وأنه أنت سيأتي معادك وتُحشر بعد هذا الكون، يوسّع حدود الإنسان من الأرض الى السماء، من الأزل الى الأبد، ومن الدنيا الى الآخرة، يعني: يزيد حد الإنسان، يعني: الآن أنا كموجود كفرد أشعر أنّ رأسي في السماء، لماذا؟ من الله، أنا مخلوق لله ومرتبط به، أنا شعاع من شمس الكون، هذا هو خلق الطموح، يعني: الدين يحاول خلق الطموح، لا يريد أن يحول دون طموح الإنسان، طموح الإنسان حق حياتي..‏
حسناً: كيف يحل مشكلة الصراع؟ يوسّع الوسائل، يعني: يقول للإنسان، يا بشر: وسيلة إرضاء الطموح ليس فقط بمال أو جاه أو رئاسة أو لعبة أو السيطرة على أراضي القرية أو كسب الزبائن.. وسيلة إرضاء الطموح متعددة، منها وسائل مادية، ومنها وسائل معنوية، إكسب درجات عند الله وجزاء الله أوفى: وما عند الله خير وأبقى (القصص-60)، إكسب بيوتاً في الجنة، إكسب أراضٍ وبساتين في الجنة، إكسب سيطرة وقصوراً وحكماً في الآخرة، إكسب رضى الله، إكسب عواطف القلوب المنكسرة، يعني: يريد أن يحوّل ما يرضي الطموح ووسائل الطموح.. يوفّرها.. وهكذا وسائل الصراع.. قلت هذا حتى نصل لهذه الآية: وإنّه لحب الخير لشديد.. الإنسان يحب الخير.. أيّ خير؟، القرآن يحلف يميناً أنّ الإنسان جاحد، ولكنه يحب الخير، بفطرته صالح ويحب الخير والإصلاح، ما دام حلف يميناً وأكد على أنّ الإنسان كنود وشهيد وشديد في حب الخير.. ثم ماذا؟ "أفلا يعلم"؟.. هو لا يعلم، ماذا يعلم؟ القرآن لا يقول، فقط يقول ظرف، متى؟ إذا بُعثر ما القبور، يعني يوم الحشر، حينما يخرج الموتى من القبور للحشر، كان يتمكن أن يقول: "إذا أُخرج الموتى"، أو "إذا أُخرج ما في القبور"، لا: "بُعثر ما في القبور"، كلمة "بعثر" متناسبة مع اللوحة الأولى من القرآن، "بعثر" يعني خربط، يعني : واحد طالع من هنا، واحد طالع رأسه، يد من هناك، رِجل من هناك، تراب منبوش، وصخور واقعة هناك، ثم الجسد غير باقٍ ليوم القيامة، يتوزع، أليس كذلك، يتوزع، الى أين؟ قسم من هذا التراب تحول الى شجرة التفاح، قسم يروح لمكان يتحول لصخرة، وقسم منها يصير حجارة وتبنى به هذه البناية، أليس كذلك؟ "بعثر" يعني كل شيء يهتز، قطعة من الحجارة تصير هنا، وقطعة من الحجارة تصير هناك (..).. ويصير خربطات.. أليس كذلك؟..‏
"بعثر ما في القبور" شبيه تماماً بـ فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا (في صدر الآية)، إذا بُعثر ما في القبور يعني: البشر يعود ليوم الحساب، وحُصّل ما في الصدور: ويكشف ما في صدور الناس من الإخفاء والأحقاد والضغائن والمشاكل النفسية، يعني: ينكشف كل شيء، إذن: انكشف كل شيء، أفلا يعلم الإنسان؟ ماذا؟ يذكر القرآن أنه ماذا يعلم، في آخر الآية: إنّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير.. إنّ الله خالق الخلق خبير بذلك الوقت بالبشر..‏
يحلف اليمين بهذه الغارة المثيرة أنّ الإنسان لكنود، ويحب الخير، وهو شاهد على ذلك، ولكن يا للأسف: هذا الإنسان الذي يحب الخير.. ويحب الخير لنفسه.. وهو كنود (..) أفلا يعلم الحقيقة بأنّ من مصلحته أن يكون‏
متوجهاً الى العمل الصالح والخير العميم والحياة الدائمة والسعادة الأبدية؟، أفلا يعلم أنّ السعادة هي في كسب رضى الله وفي عدم الجحود بنِعم الله؟ متى يعلم هذه الأشياء؟ إذا بُعثر ما في القبور وحُصّل ما في الصدور إنّ ربهم يومئذٍ لخبير، فإذن: المطاف انتهى.. أولاً يحلف يميناً بهذا المنظر الغريب أنّ الإنسان سوف يعلم في ذلك اليوم، ثم الشهادة على هذه الفقرات والتناسب الموجود بين الصدر والذيل: فاليمين الذي أقسمه القرآن في الغارة شبيه جداً بيوم المعاد، وفي يوم المعاد الحيرة شبيهة بالغارة، لماذا؟ فوسطن به جمعا، أليس كذلك؟ وكان معناه: دخلت العصابة المغيرة القوم صباحاً مرة.. قاموا (المغار عليهم) ووجدوا العدو بينهم، أليس كذلك؟ هذه المفاجأة تماماً كمفاجأة يوم القيامة.. سيطرة العدو وعدم تملك الأمر مشابهة ليوم القيامة..‏
الغبار والتبعثر مشابه ليوم القيامة، وكشف خطط القوم وزوايا الجمع وخباياهم وأسلحتهم.. كله شبيه بيوم القيامة، وحُصل ما في الصدور: المفاجأة شبيهة بيوم القيامة، والحركات وإيراء النار والسرعة والتحركات.. كل هذه مسائل شبيهة بيوم القيامة، فإذن: هذه الصورة المادية الحسية يرسمها أمام أعين المستمع، حتى حينما يصف القيامة فالسامع يتمكن من الانتباه الى الصورة المشابهة لأنه يرى صورة الغارة ويلمسها حتى إذا لم ير يتمكن أن يتصور أنّ يوم القيامة فيه شيء شبيه بهذا الشيء، لكن لازم أن يهتز أمام هذا الشيء.. والله سبحانه وتعالى يضع أمامه الحقيقتين القائمتين: إنّ الإنسان لربّه لكنود وإنه لحبّ الخير لشديد.. كيف أنت تحب الخير وجاحد لله؟ يظهر أنت لا تحب الخير، لأنه لو كنت تحب الخير كنت تحب الخير الأبدي (..)..‏
بُعثر ما في القبور وحُصّل ما في الصدور: فإذن أنت الذي تنظر وتلمس الغارة وتتذكر الغارة، ويوم القيامة تنتبه الى مصيرك، وكن عالماً وستعلم (أفلا يعلم)..‏
وهكذا تنتهي السورة بهذه الصورة الجميلة المثيرة والموجهة..‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان