المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


تفسير القرآن

درس تفسير سورة العلق للامام موسى الصدر

الملخص: بسم الله الرحمن الرحيم، إقرأ باسم ربّك الذي خَلق (1) خَلق الإنسان من علق (2) إقرا وربّك الأكرم (3) الذي علّم بالقلم (4) علّم الإنسان ما لم يعلم (5) .‏
باتفاق المفسّرين وأصحاب السيَر والتاريخ، هذه الآيات المباركات هي الآيات الأُوَل التي نزلت على رسول الله (ص)، وطريقة النـزول كما هي مذكورة في كتب السيَر أن رسول الله (ص) من أول عمره كان يشعر بانحراف الناس وبضلالتهم، وكان يشعر أيضاً بنتائج هذه الضلالة والمأساة التي يعيشها الإنسان في عصره، ولا شك أنه كان بعيداً عن انحرافات زمانه، فهو قبل الإسلام كان من الحنفاء، يعني: من الذين يعبدون الله على طريقة "إبراهيم" (ع)، فهو وأجداده وبعض الناس في الجزيرة كانوا على طريقة إبراهيم، وهو أيضاً كان بعيداً عن الانحرافات الخلُقية والمعاصي الشائعة، مثلاً: لم يُنقل عنه أنه أرتكب الربى أو وأد البنت أو حضر في بيوت الفساد الشائعة في عصره والتي كانت مركزاً ومجمعاً للشباب في أيامه، كان مترفعاً عن جميع انحرافات زمانه، وكان يعيش مأساة الإنسان في عصره، ولهذا كان كثير التفكير وكثير العبادة وكثير الانعزال عن الناس والتوجه إلى الله والابتهال إلى الله وهو حزين بالنسبة إلى الوضع القائم، ولكن طوال عمره ما سمع منه أية دعوة لنبوّته أو لكونه غير عادي بين الناس، كان معروفاً بين الناس بالأمانة، بالخلق ، بالصحة، بالأخلاق الكريمة..‏‏
في الوقت الذي كان هو في "غار حراء" في خلال الاعتكافات والصلوات التي كان يصلّيها (في غار حراء) سمِع هذه الفقرات للمرة الأولى في تاريخ الوحي، قبل هذا ما كان سامعاً أبداً شيئاً من الوحي، سمِع أنه يقال له إقرأ ، هذا الذي يكتبونه في كتب التفاسير والسيَر والأحاديث. سمِع يقال له: "إقرا"، وهو قال: "لست بقارئ"، وهذا أيضاً معروف بأنّ رسول الله (ص) كان أميّاً، ما كان يقرأ ولا يكتب..‏‏
في كيفية استماع النبي آثار مختلفة، فهناك من الروايات ورد فيها أن رسول الله يقول: قد شاهدت "جبرائيل" ورأيت أنّ رِجله على الأرض ورأسه في السماء وأياديه وأجنحته تملاً شرق العالم وغربه، وجد موجوداً غريباً يخاطبه ويقول "إقرأ"، وفي بعض الآثار ورد أنّ رسول الله (ص) يقول: سمعتُ كلمة "اقرأ" كأن السماء والأرض والحيطان والجو والفضاء والرمال والأشجار وكل ما يحيط بي من الموجودات الطبيعية تقول "إقرأ"، ما كان صوتاً موجهاً من ناحية أو من زاوية، وهذا شيء طبيعي باعتبار أن كلام الله من الله ليس فيه تحديد للأبعاد، لأنّ الله ليس له مكان، حتى صوته يكون متوجهاً من مكان معيّن من الشرق أو من الغرب أو الشمال أو من الجنوب، فجميع عناصر الوجود كانت تخاطبني، وكنتُ أسمع "إقرا"..‏‏
هنا أبحاث مفصلة عند الفلاسفة وعند الباحثين خارجة عن إطار بحثنا المفهوم من كل هذه الروايات، أنه شعَر بأمر غير عادي بشكل غير طبيعي، أحسّ بإحساس ما أحسّ به من قبل أبداً، ولهذا حينما سمع "إقرأ" شعَر بنوع من الاضطراب لأنه أحس بحالة جديدة ما كان يحس بها في سابق الزمن أبداً، فقال: "لست بقارئ" للمرة الثانية، خوطب: "إقرأ"، فأجاب: "لست بقارئ"، وللمرة الثالثة خوطب: "إقرأ": في المرة الثالثة أو المرة الرابعة حسب الروايات وردت التتمة: إقرأ باسم ربّك الذي خلَق، خلَق الإنسان من علَق، إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم..‏‏
هنا عدة نقاط، النقطة الأولى: غار حراء كان معبداً ومكاناً لاعتكاف الرسول الأكرم ومنعزلاً له، هناك كان يعبد الله، والملاحظ في غار حراء أنه متوجه إلى الكعبة، يعني: أمام الغار فتحة مطلة على الكعبة، والملاحظ أيضاً في غار حراء أنّه موجّه نحو القدس، يعني: اتجاه غار حراء نحو الكعبة ونحو القدس معاً، هذه نقطة، النقطة الثانية: ما معنى كلمة "إقرأ"؟ هل كلمة "إقرأ" تعني أتلُ لأنّ القراءة معناها التلاوة؟ ركّز.. "إقرأ" معي.. قل: باسم ربّك الذي خلَق، خلَق الإنسان من علَق، هذا احتمال ومعنى..‏‏
المعنى الثاني: "اقرأ" ليس معنى القراءة مخصوصاً بقراءة الحروف والكلمات أو بقراءة الأسطر والخطوط، بل في اللغة العربية القراءة معناها أوسع من قراءة الخطوط، قد يقرأ الإنسان أموراً من وجه إنسان آخر، أقرأ في وجهك الخوف أم الذكاء، أقرأ في وجهك الحاجة أو الغضب، القراءة معناها الأوسع يشبه معنى الكلمات التي يستعملها القرآن في معاني واسعة، مثلاً: السجود نستعمله في وضع الجبهة على الأرض، ولكن القرآن يستعمل السجود بمعنى أوسع: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب (الحج-18).. السجود في القرآن يُستعمل بمعنى غاية الخضوع ونهاية الإطاعة وتطبيق الأوامر الإلهية بدقة، السجود رمزه وتعبيره وإبرازه بشكل وضع الجبهة على الأرض، القراءة نفس الشيء، فالقراءة يمكن أن نفسرها لا بمعنى قراءة الكتاب والحرف بل بمعنى قراءة كتاب الكون، والحقيقة أن هذا المعنى ليس بعيداً عن المنطق القرآني في آيات كثيرة، وليس بعيداً عن الفكرة الإسلامية أساساً، لأنناً إذا لاحظناً نجد أن القرآن الكريم يؤكد أن القرآن دين الفطرة التي فطَر الناس عليها، ونجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (فصلت/53).. يعني: سبيل المعرفة الإلهية والإيمان بالله هو الأساس الأصيل للدين عن طريق رؤية الآفاق والأنفس..‏‏
في سورة "الرحمن" نقرأ النِعم، الرحمن علّم القرآن خلَق الإنسان علّمه البيان، علّم القرآن تأتي قبل خلَق الإنسان، مع أن الترتيب الواقعي حسب الظاهر لازم أن يكون بالعكس، لازم (أن يكون) أولاً خلَق الله الإنسان وعلّمه القرآن، لكن الحقيقة أنّ القرآن الذي هو تعبير عن الشريعة الإلهية هي أسبق من خلق الإنسان..‏‏
ملخّص هذه الجُمَل (التي أنا ذكرت وغيرها) أريد أن أقول (وأرجو الانتباه) أنّ الدين الإسلامي ليس ديناً وضعياً منفصلاً عن الحقائق الكونية، بل حقائق وجواهر كونية.. حقيقة الصلات بين الإنسان وبين الكون.. ولأجل هذا أذكر مثالاً (ولطالما كررت هذا المثل) أنّ الإنسان يشتري مسجلة أو سيارة هذه المسجلة أو السيارة لكي يستفيد منها، الشركة التي تبيع السيارة أو المسجلة تعطي بعض التعليمات، مثلاً: الشركة تقول أن السيارة بحاجة إلى روداج خمسة آلاف كلم أو أقل أو أكثر.. لازم تمشي قبل أن تطلع على الجبل بسرعة معينة محدودة، ثم الشركة تؤكد على كيفية استعمال السيارة أو المسجلة وبتغيير الزيت والبنـزين وبوضع الطريق والتنظيفات وأمثال ذلك، هذه التعاليم التي تعطيها الشركة على أي أساس وبأي حق تعطي؟ على أساس أن الشركة هي التي صنعت هذه الماكينة وهي تعرف خصوصيات وشؤون وأحكام وأحوال هذه الموتورات الموجود في هذه الماكينة،‏‏
ثم تُبيّن لك بأنّك إذا تريد أن تستفيد من هذه السيارة أو هذه الماكينة يجب أن تسلك هذه الخطوط وتمشي طبق هذه التعاليم ، هم أخبر (الشركة)..‏‏
فالدين والإسلام شيء يشبه هذا: أنّ الله سبحانه تعالى خالق الأرض وخالق ما في الأرض وخالق ما في الكون، وهو يعلم ما هي مخلوقاته وما حقيقتهم وما آثارهم وما مصالحهم وما مضارهم، وهو الذي خلق الإنسان ويعرف حقيقة نفس الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه ويعلم النـزعات.. الشر والخير والرغبات والحاجات وكل شيء من الإنسان، وبملاحظة حقيقة وضع الإنسان ومعرفة حقيقة الكون: لا يعرف الإنسان والكون أحد سوى الله لهذه الدرجة، الله سبحانه وتعالى يقول: أنا الخالق وأنا المكوّن، وذلك حتى تستفيد أنت من هذا الكون فتنمو وتكتمل في جميع جوانب حياتك، أضع لك خطوطاً، هذه الخطوط ليست اعتباطية وعفوية، هي حقيقة صلات الإنسان مع الكون ومع نفسه، تماماً مثل التعاليم التي تعطيهاً الشركة بالنسبة للاستفادة من السيارة.. فإذن: خالق الكون وشارع ومشرّع الدين واحد، خلَق الكون وشرّع الشريعة من مبدأ واحد: هناك تناسب بين واقع الكون وبين الشريعة الإلهية، الشريعة الإلهية يعني القوانين والحقائق الكونية التي يجب سلوكها في سبيل اكتمال الإنسان أو في سبيل إصلاح روابط الإنسان مع الكون أو مع أخيه الإنسان وأمثال ذلك. فإذن: الدين أو الإسلام نوع من الخلق في عالم التشريع منسجم مع الخلق في عالم التكوين، وهناك تناسب متين بين الشريعة وبين الخلق..‏‏
نرجع إلى بحثنا فنقول: "إقرأ"، يعني: يا محمد إقرأ كتاب الكون لأن الأيمان الصحيح والديانة الصحيحة تبدأ كما يقول القرآن: سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق (فصلت-53).. من دراسة حقيقة الكون.. فمعرفة الله تكون عن طريق: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رُفعت، وإلى الجبال كيف نُصبت، وإلى الأرض كيف سُطحت (الغاشية / 17-20).. عن طريق يتفكرون في خلق السماوات والأرض، عن هذه الطرق تكون معرفة الله، يعني: قراءة الكون، ثم كلما ازدادت قراءة الإنسان للكون يعني كلما ازداد علم الإنسان بالخلق يزداد إيمان الإنسان، لأن هناك تناسباً واقعياً بين والعلم وبين الإيمان، بين الكون وبين الشريعة، "إقرأ" يعني إقرأ كتاب الكون، أو إقرأ ما أوحي إليك وما أنزل إليك..‏‏
النقطة الثالثة: أنّ بدء الوحي الإلهي بدء الرسالة المحمدية بكلمة إقرأ باسم ربك الذي خلَق، خلَق الإنسان من علق، إقرأ للمرة الثانية وربّك الأكرم، صفته: الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، ماذا تفهم من هذه المقدّمة للدين؟ أول كلام.. أول الوحي.. إقرأ وقلم وعلّم ما لم يعلم يبيّن أن هذه الرسالة هي رسالة العلم، رسالة القراءة، رسالة التعليم، ولهذا: في بدء الوحي بهذه الكلمات إيحاء صريح وصحيح للمسلمين بأن دين الإسلام هو دين العلم، وهذا تماماً ينطبق على ما سوف نبحث في مقدمة القرآن الكريم حول خلق الإنسان ومقام خلافة الله عن طريق: علّم آدم الأسماء كلها (جرى الحديث فيها سابقاً)..‏‏
فإذن: هذه الفقرات الأُوَل من بدء الوحي الإلهي على قلب محمد (ص)، ولا شك أن رسول الله بعد استلام هذه الفقرة شعَر بحالة جديدة، مظهره الخارجي كان الرجفة والشعور بالبرد والشعور بالاستغراب، كان ينظر إلى السماء والأرض وهو راجع من غار حراء حتى يرجع إلى بيته.. إلى بيت خديجة، فكان يشعر بأن الشجر والمدر والأرض والجبل والرمال (كما ورد في الروايات) يقولون له: السلام عليك يا رسول الله، هذه الحالة الغريبة التي كانت غريبة بالنسبة إلى رسول الله لا نسمّيها حالة الخوف أو الرجفة أو الشك في نفسه كما يسمّيها المفسرون، لكن الإنسان عندما يواجه حالة غريبة نادرة: حالة الدهشة.. حالة تفتّح السماء والأرض عليه.. وحالة مخاطبة كل شيء له.. لا شك بأنه يشعر بنوع من الاضطراب والقلق، فجاء إلى البيت وقال " زملوني"، وبعد ذلك نزلت الآية الثانية أو الوحي الثاني: يا أيها المدثر قم فانذر، ليس وقت النوم.. ليس وقت التدثير والنوم في الفراش.. قم وأنذر، وربك فكبّر، وثيابك فطهّر، والرجس فاهجر، ولا تمنن تستكثر.. وهكذا نزل الوحي.. الآيات تلو الآيات..‏‏
فإذن الآيات الأُوَل: إقرأ باسم ربك الذي خلَق..‏‏
باسم ربّك: بحثنا في كلمة بسم الله في أول القرآن الكريم كلمة بسم الله، القراءة باسم الله ما معناها؟ ليس فقط معناها أستعين بسم الله، حينما يتكلم نائب بإسم الشعب أو شخص باسم موكله يعني: الشعب يتكلم على لسان هذا الشخص، وبحَثنا ذلك بشكل مفصل، إقرأ باسم ربّك الذي خلَق، خلَق الإنسان من علَق، والعلَق يعني الدم المنعقد الذي يشبه العلَقة أو العلَقة الحيوان، يعني: مشتقة من هذه الكلمة، يعني: الدم الجامد يريد أن يوحي أنّ الإنسان ويبينّ للإنسان بأنه أنت كنت دماً جامداً (علقة) قبل حلول الروح فيه، ثم أنشأناه خلقاً آخر (المؤمنون/14)، وبهذه الفترة خلَقك الله سبحانه وتعالى وجعلك إنساناً.. إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، هذه الديباجة مقدّمة كتاب الوحي، مقدمة القرآن إيحاء كبير ودقيق وجميل لتوجيه الإنسان نحو التعلم والقراءة والكتابة، وبعد هذه الفقرة تأتي آيات أخرى نزلت متأخرة بعد تلك الآيات، لكن السورة فيها وحدة طبعاً وانسجام..‏‏
كلاّ إنّ الإنسان ليطغى أن رآه استغنى: الإنسان موجود يتأثر بما يحيط به، فكل ما يحيط بجسمه يؤثر في روحه، وكل حالاته النفسية تنعكس على جسمه، وكل عمل يصدر عن الإنسان ينعكس على عقله وقلبه، والإنسان المعتدل يعيش في حالة معينة، ولكن إذا صار عنده استغناء بالمال أو في الجاه أو في العلم فإنه يطغى.. إلا إذا كان مسدَّداً، لماذا؟ لأنّ الإنسان حينما يكبر ويقوى فكلما قَوِيَ الإنسان يجب أن يزداد إيمانه، أنت اليوم تجد الرجل الأمّي له درجة من الإيمان، ولكن إذا تعلّم يجب أن يكون إيمانه أكثر حتى يبقى متديّناً، الرجل العادي لا يرتكب المعاصي ولا يحتقر خلق الله ولا يرتكب الظلم، لكن إذا صار عنده جاه أو عنده مال أو عنده مجد يضيع إلا إذا كان إيمانه ودينه أقوى، ولهذا نحن نقول أنّ في الحاكم وفي الخليفة نعتبر العصمة ضرورية (أو ما هو بمجال العصمة)، لماذا؟ لأنه أنا كشخص عادي أقدر أن يكون لي درجة من الأيمان أحتفظ بديني وبإيماني وبنفسي، ولكن حينما صار لي سلطان فكل تصرفاتي تنعكس على الناس بشكل أعمق وأكثر، والإنسان يضيع بطبيعة الحال عندما يكون عنده مُلك وتمكُّن، ولهذا فخطر الانحراف على الشاب أكثر من غيره، على الجميل أكثر من غيره، على الغني أكثر من غيره، وعلى صاحب الجاه أكثر من غيره، على العالِم أكثر من غيره.. كلما كان الإنسان من الكمال أو من الغنى أو من المِكنة يجعله ذلك في خطر، ولهذا فالأموال والأولاد في القرآن الكريم يعبَّر عنها بالفتنة، على أساس أنه عندما يزداد هذا الشيء لازم أن يكون الإيمان أكبر، فالإنسان ليطغى أن رآه استغنى، استغنى ليس فقط عنده مال، ولهذا تجد ارتباطاً بين العلم والمكانة بالله وبين هذه الآيات بأنّ الإنسان إذا استغنى بالعِلم يشعر بالطغيان، وإذا استغنى بالمال أو بالجاه يشعر بالطغيان..‏‏
إنّ إلى ربك الرجعى: صحيح، أنت تملك كل شيء، لكن هذه أمانات بيدك سوف ترجع إلى الله، سوف تحاسَب، تأديب للإنسان بأنك كنت علَقاً، فالله هو الذي أكرمك وعلّمك بالقلم وأغناك، ولكن سوف ترجع إلى الله، فإذن: لا مجال للطغيان وللانحراف ما دام كل شيء من الله وجميع الأشياء أمانة من الله، والإنسان مستخلَف على كل هذه الأشياء..‏‏
ثم يستعرض صوَراً للإنسان الطاغي، هذه الصوَر في الروايات نزلت أو ذُكر في موردها "أبو جهل" أنه كان يمر، فوجد رسول الله مصلياً، فقال: والله سوف أدوس على رقبته.. فرسول الله (ص) نهره، فحصل بينه وبين رسول الله مشادة في هذا المكان وما توقف، وفي حديث آخر بأنه راح ورجع فقال: والله وجدت بيني وبينه خندقاً عميقاً.. وهكذا.. ولكن كما يقول بعض كبار المفسرين: لا آيات واردة في خصوص أبي جهل.. ولا آية واردة بخصوص شخص معين، المورد لا يخصّص الآيات، مثلا:ً الآية تنـزل في خصوص خبر ما.. إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (الحجرات-6)، لكي يستفيد منها (الآية) كل الأزمنة وجميع الأمكنة، الآية تنـزل في مورد معيّن، ولكن لجميع الأمة، ففي أبي جهل نزلت، ولكن الآية عامة: أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى.. وفي سورة ثانية: أرأيت إن كذّب وتولى، ألم يعلم بأنّ الله يرى، صوَر لواقع الإنسان، الصورة الأولى والثالثة صوَر قبيحة.. صورة الطغيان.. والصورة الثانية صورة الإنسان الذي يكون على الهداية..‏‏
كلا، ثم بعد هذه النصيحة قضية: أن كل ما تملك من القوة والجاه والمال هو من الله، وأنّ الله خلقك من علق، وأنك سوف ترجع إلى الله، بعد هذه النصائح التوجيهيه التربوية يستعمل أسلوب التهديد كما هو متعارف، ولكن التهديد بلغة كانت تنعكس على نفوس العرب كما قلنا: على الفطرة العربية الطبيعية غير المشوهة، والتي كانت تنتبه إلى دقائق هذه الكلمات، فكانت تتأثر جداً بهذه الآيات، كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية، إذا ما انتهى أبو جهل أو أي إنسان ينهى عبداً إذا صلى ويطغى إذا استغنى أو كذّب وتولّى، أي إنسان من هذا النوع الذي ضاع الله سبحانه وتعالى يؤدبه: لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية، النون للتأكيد الخفيفة كما يقولون، يعني: لنأخذن بعنف بناصيته، الشعر هنا كنُي بالناصية: ناصية كاذبة، يعني: سوف نأخذ بقوة وقهر هذه الناصية الموجودة على هذا الجبين الكاذب الكافر، طبعاً: استعمال الكلمات في موردها حتى تعطي هذه الكلمات الانعكاس الروحي في نفوس المستمعين..‏‏
لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة: سوف نؤدّبه، ماذا يقول بعد موت أبي طالب؟ كما يقول أبو جهل؟ وماذا يقول أي إنسان في العالم؟ فليدع ناديَه، هل هو يتوسل ويتمسك بجماعته؟ بناديه؟ بحزبه؟ ببني قومه؟ بعشيرته؟ بأيّ شيء يعتز؟، هو ينهرك ويعارضك ويعارض عبداً إذا صلّى، كل عدو في سبيل الحق يحارب الحق على ماذا يستند؟ فليدع ناديه؟ اتركه يدعو جماعته، سندع الزبانية، إذا هو متمسك بالنادي.. يتمسك بجماعته فنحن ندعو ونسيطر عليه بالزبانية، طبعاً الزبانية شأن من شؤون جهنم، شأن من شؤون العذاب، هذه الطرق: هذه الكلمات الفصيحة الغريبة كانت تفتح مجالها في عقول وقلوب العرب، ولا تزال تفتح وتستعمل أساليب الدعوة والتهديد والتأديب والنصيحة، وبهذه الطريقة تجعل الإنسان يتأدب ويسلك السبيل الطيب الخير..‏‏
ثم تشير الآيات الكريمة في هذه الآية الأخيرة بأنه لا تخف، بأنه إذا يهددك بأنك إذا سجدت يتصرف تصرفاً فعالياً.. فالسجود: هذا السجود الذي هو وضع الجبهة على الأرض، هذا السجود الذي هو غاية الخضوع والتواضع.. هذا السجود هو في الحقيقة وسيلة للتقرب إلى الله تعالى ووسيلة للاقتراب إلى الله تعالى، ولهذا لا تطعه ولا تبال برأيه، وكن على ما أنت عليه سابقاً من السجود والإطاعة، ولا شك بأن هذا يقربك إلى الله..‏‏
طبعاً: هذه الآية من آيات السجدة الواجبة الأربعة في القرآن الكريم، والذي يتلو هذه الآية يسجد سجوداً واجباً، ولا شرط في السجود الطهارة والقِبلة ووضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، حتى وضع الأركان السبعة غير معتبر في هذا السجود، وحين يحط جبهته على الأرض أو أي مكان آخر يقول كلمات تدل على خضوع الإنسان وسجود الإنسان وتواضع الإنسان، والمستحب أن يقول لا إله إلا الله حقاً حقاً، لا إله إلا الله إيماناً وتصديقاً، لا إله إلا الله عبودية ورقاً، سجدتُ لك تعبّداً ورقّاً مستأنفاً ولا مستكبراً، أو ما يعطي هذا المعنى: معنى الخضوع والتواضع أمام الله، والحقيقة أن التواضع الكامل والاستسلام الكامل أمام الله هو العظمة وهو الكبرياء، وهو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.‏‏
بهذه الكلمة تنتهي هذه السورة التي هي السورة الأولى أو الآيات الأُوَل من الوحي، وهكذا تنتهي أيضاً دراسة التفسير عندنا في هذه السنة، والأخوان إنشاء الله في خلال امتحاناتهم أيضاً يُسألون عن بعض ما ذُكر في هذه التفاسير، وبإمكانهم خلال هذه الأيام أن يحضّروا حالهم، وهذه السور التي قرأناها من آخر القرآن إلى هذه الآيات طبعاً على الأقل لازم نعرف ما معاني الكلمات وبعض الأشياء والتفاسير التي ذكرناها في خلال هذه الفترة (الأشهر التي مرت)..‏‏
غفر الله لنا ولكم..‏‏
والسلام وعليكم .‏‏
09-كانون الثاني-2008
استبيان