المقاومة الإسلامية - لبنان

الموقع الرسمي


الشيخ راغب حرب

الى مرادنا الشيخ راغب

ريا عبيد
صحيفة السفير اللبنانية-13/2/2007
يلفتني دائماً ويثير فضولي ما يرد في خطابات سماحة السيد حسن نصر الله من تعابير خاصة بلغة أهل العرفان وشيوخ التصوف. فإلى جانب خطاب التعبئة والحماس الضروري خلال حرب الثلاثة والثلاثين يوماً، كان لافتاً وجديداً بل وغريباً أيضاً أن يتوجه قائد الى المجاهدين على الجبهة بقوله لهم: «أنتم عشق هذه الأمة وعرفانها»، أو أن يتوجه الى جمهوره في مهرجان النصر بعبارته الشهيرة «يا أطهر الناس». وفي خطابه الأخير في ذكرى الشهيدين القائدين الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي حيث يصف العلاقة بهما بعلاقة المريدين بالمرادين... من هذا الباب، باب علاقة المريد بالمراد، أريد التحدث عن شيخنا وحبيبنا وشهيدنا، ابن قريتنا الشيخ راغب حرب.
كان خارجاً لتوه من احدى نوبات اعتقالاته المتكررة من قبل الاحتلال الاسرائيلي للجنوب عام 1982 ولم يتخلَّ عن سلاحه: الموقف. لم يكن لدينا آنذاك مرجعية رسمية أو حزبية تحتفي وتكرم أبطالاً أمثاله كما هي الحال هذه الأيام، ناهيك عن جدلية اعتبارهم أبطالاً طالما اننا كنا لم نزل مختلفين حول مكان عدونا أهو أمامنا أم من ورائنا. تلك الأيام كانت «نيو جرسي» في عرض البحر مسترخية مطمئنة كسفينة حب عائمة، حب دمّـر الجبل فيما بعد. وكانت سلطة 17 أيار العميلة ساهية عن شيخنا ومريديه، رجال أمنها لم يكونوا يعرفون أن أرضنا حبلى بثورة مقبلة. ولأن بيروت تغيرت حمل شيخنا حقيبته ـ المسكن وتنكب ظهر الهجرة وطناً مؤقتاً وجاء الى طهران في رحلة تأمل وراحة، وكرّمته طهران كما يليق ببطل، طهران التي كانت تعاني الأمرّين آنذاك: الحصار وحرب الأخوة عليها برعاية أميركية... ذلك الخطأ المدمر للبوصلة العربية في تحديد اتجاه العدو الذي ما زلنا للآن نعاني من تداعياته، كرمته طهران بلا شروط، فهو لم يأتنا بقبس من نار زرادشت لينشر الديانة المجوسية ولا بمشروع تشييع لخدمة مدٍ صفوي ولا هلال أو بدرٍ شيعي. فطهران هي هي الآن ومن قبل بمشروع نووي أو بدونه! كنا هناك بانتظاره في المدرسة العربية، مجموعات من المتعبين في أوطانهم والمتعبين أيضا من الغربة عن أوطانهم، من لبنان والعراق والبحرين والجزيرة، كما كان يطلق بعضهم على السعودية. كانت طهران ملاذا لنوعية معينة من المظلومين الأحرار وحلّ شيخنا بيننا، نزل علينا مناً وسلوى، كانت روحه وحيويته فائضة على عباءته وحركته وحياته. تحلقنا حوله يروي لنا حكايات مريدي الجهاد حتى النصر او الشهادة، وحكاية المحقق الإسرائيلي الذي بلغه أن تهمته خطيرة وهي التحريض عليهم في خطب صلاة الجمعة.
أعزلَ كان وأعزلَ سقط إلا من موقفه، السلاح الوحيد المتوفر، نزعوا روحه ولم يستطيعوا انتزاعه منه. أذكر أننا انتظرنا طويلاً سيارة الأجرة كي نعود الى المنزل فطلب منا شيخنا ان نقرأ الفاتحة ونهديها لأم الإمام الرضا (ع) وسألناه عن السر فحدثنا، قال: «إن أم الرضا جاءها خبر مرض ابنها البعيد الغريب في مدينة مشهد من إقليم خراسان في بلاد فارس، فأخذت طوال رحلتها من بغداد تقرأ الفاتحـة وتدعو الله أن يمهلها وابنها حتى يتلاقيا».
وقرأنا الفاتحة بملء جوارحنا. دعونا الله أن يرسل لنا سيارة وأن يردنا الى بلادنا، كنت أريد من عمري أن يمهلني لأعود لحضن جدي في قريتي السليبة. وعاد شيخنا، أعاده الحب والشوق الى أطفاله ومنبره ومريديه، أقرأتَ الفاتحة كثيرا يا مولانا حتى احتضنك التراب! اعتقد الأعداء بأنه لن يعود. كان المطلوب أن يخاف ويصمت، فلم يفعل. أخرسوه غدراً بكل «حضارة وديموقراطية». وجُنت جبشيت، حمله اهلها على أكتافهم، وصلوا مدخل القرية المحاصرة وجسده يقطر دما فوق رؤوسهم، وأطلق جنود الحاجز النار على أقدام الغاضبين ـ سماحة السيد قال أنه يقبل أقدام المجاهدين ـ فلا ضير بتحية بمفعول رجعي لرجلك المصابة يا حاج أديب، أجرُ صلاتك مضاعف إن شاء الله حتى لو أضحت من قـ ع و د... ونَوْرَزَ * شيخنا وتابعت قوافل مريديه النَوْرَزة عاماً بعد عام وأنشدنا أين راغب حر ب أين... أنت هنا لم تغب يوماً ولن تغيب فكل شباط وكل يوم جمعة قبل الصلاة يأتينا صوتك وصوت حبات المطر ورائحة الأخضر المغسول، يخترقنا، يتغلغل في أعطافنا نأنس ناراً، قبساً. تَحـِلّ بنا ، أهلاً وسهلاً. عشاقك نحن، فصِلْنا ولا تهجر، روحنا أنتَ ونحن البدن... للمخترَقين في ثقافتهم، للمختطَـفي العقول والقلوب، للواقعين تحت تأثير الانبهار بالثقافات الواردة والطارئة نقول: نحن الذين نحبّ الحياة بل نحن الذين تحبنا الحياة لأننا نليق بها وتليق بنا، لأننا نحب أحياءنا وأمواتنا، لأن أمواتنا لا يموتون، ذلك أنهم قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يُرزقون. نحب الحياة وما الشهادة الا بَـدوٌ. نحب الحياة، أجل، لكن! اذا ما استطعنا اليها سبيلا.
ألأرض كوكب الماء والحياة بالأزرق والأخضر. للذين يدعون الى حب الحياة على خلفية بالأحمر نقول: «ظهرنا حمى ودمنا حرام، اللهَ اللهَ في دمنا». ديدن القوافل أن تسير وقوافل شهدائنا سارت، وصلت، وهذه بضاعتنا رُدت الينا: نصر من الله ...وليس للكلاب غير العواء.
10-كانون الثاني-2008
استبيان